في ضرورة بلورة قواسم مشتركة لقوى التغيير في لبنان

فؤاد سلامة
drfsalameh@gmail.com

2019 / 2 / 9

كيف نتصور إمكانية التوفيق بين مختلف مكونات المجتمع المدني المعارض في لبنان وبين هذه المكونات وسائر قوى المعارضة يساراً ويميناً؟
إذا قلنا إن الهدف الرئيسي لأي ائتلاف مدني معارض هو حشد كل الطاقات "الخيِّرة" أو "النظيفة"، أي تلك التي تريد وقف الفساد وتطبيق القوانين على الجميع حكاماً ومحكومين، وتريد تحقيق المساواة والعدالة والحياة الكريمة للجميع، إذا أردنا حشد كل الطاقات في مواجهة منظومة الفساد والمحاصصة التي تبيح كل المحظورات لنفسها، فكيف يمكننا خلق لُحمة بين كل تلك المكونات المعارضة الإصلاحية؟

وكما ذكر الاقتصادي إيلي يشوعي في مداخلته في افتتاح المؤتمر التأسيسي للائتلاف المدني الذي دعت إليه تنسيقية العمل المشترك، في بيروت، "في علم أو فن السياسة كما في علم أو فن الطب، فإن أهم شيء هو تشخيص المرض لكي نستطيع تحديد العلاج. الفكر السياسي هو العلم الذي سيتيح لنا تشخيص المرض ووصف العلاج". وبصفته أفكاراً ومنهج تحليل فالفكر السياسي - الاقتصادي هو ما سيسمح بتحقيق حد أدنى من الانسجام داخل أي "منظومة" معارضة ديمقراطية وتشاركية في مواجهة منظومة الفساد والمحاصصة المخرِّبة للوطن وللدولة.
الطريق واضح إذن لمعالجة أزمة المجتمع والدولة في لبنان، وهو لن يختلف عن الطريق الذي سلكته بلدان حكمتها منظومات مافيوية ناهبة ومتسلطة، كما تحكم بلدنا. والفكر الذي نحتاجه سيكون من دون شك فكراً علمياً موضوعياً ووسطياً وليس فكراً قصووياً.
ذلك أنه إذا أردنا تحقيق أوسع مشاركة لقوى التغيير وأوسع حشد لشرائح المجتمع خلف مطالبنا ورؤيتنا، فينبغي حتماً أن نكون وسطيين معتدلين وإصلاحيين.

ما نتمناه جميعاً هو "ثورة" سلمية في القيم والمفاهيم والعلاقات والأساليب، داخل المجتمع وفي دوائر السلطة والإدارات والمؤسسات. ولكن تلك الثورة يجب أن تطال قِيَمنا كقوى تغييرية، ونظرتنا للأمور ومفاهيمنا للعمل السياسي التشاركي والديمقراطي. تبدأ الثورة من داخل مجتمعاتنا المعارضة، وذلك بالتخلص من نزعات الإقصائية والآحادية والتزعمية والنجومية والتفرد والتسلط، وبإحلال مفاهيم العمل الجماعي التشاركي والديمقراطي مكانها.
السؤال الذي لا بد من طرحه هو: هل يتحتم أن يكون برنامج الائتلاف المدني المعارض برنامجاً "يساريا" أي موجهاً في مصلحة الفئات الشعبية والطبقات الدنيا من "البرجوازية"، بالتحليل اليساري؟ أم سيكون ذلك البرنامج موجهاً في خدمة الفئات الأكثر غنى؟

ثمة بديهيات في النظر لمسألة الإصلاح في بلد "متخلف" اقتصادياً وتنموياً كلبنان، وأول هذه البديهيات هو أن ما تحتاجه الطبقات الشعبية كحد أدنى من الحياة الكريمة والحقوق في بلدنا المعدم والمعدوم، تحتاجه أيضاً الفئات الميسورة وحتى ذات الثراء الفاحش، وأعني بذلك البنية التحتية الجيدة والهواء النظيف والطبيعة الخضراء والحدائق والطرقات الآمنة إلخ…
اختلاف البرامج بين يمين ويسار ووسط هو أمر طبيعي وصحي. وبالنسبة لأي ائتلاف مدني تعددي، فإن المهم هو الالتقاء على قواسم مشتركة تشكل لُحمة هذا الائتلاف الذي ينبغي العمل على تطويره وتوسيعه وتحقيق حد أدنى من الانسجام والتوافق بين مكوناته.
السياسات الاجتماعية والاقتصادية، المالية والضريبية، هي ما يجب أن نحرص على أن تأخذ منحى اجتماعياً وإصلاحياً واضح المعالم في أية رؤية يستند عليها الائتلاف المدني المعارض. وهذا ما يجب أن تنصب عليه الجهود الفكرية بهدف إيجاد صيغٍ "خلّاقة" للتعاون المثمر والمنتج بين مختلف قوى الاعتراض والتغيير. من دون هذا التعاون، الذي يجب أن يتكرس ويترسخ في أشكال تشاركية ممأسسة، لا يمكن أن تتطور الحركة الشعبية لتصل إلى مرحلة تستطيع فيها تحقيق نجاحات تُذكر في مواجهة منظومة الفساد والمحاصصة في لبنان.

نحن أحوج ما نكون اليوم، في مناسبة مأساة حرق أب لنفسه في منطقة "الكورة"، بسبب تردي الأوضاع المعيشية، نحن أحوج ما نكون للعمل المتواصل من أجل حشد أوسع كتلة شعبية تهز عروش حكامٍ ماتت ضمائرهم، حكامٍ يُمعنون في إذلال المواطنين ودفعهم إلى مختلف أشكال اليأس من العيش في هذا الوطن، بدءاً بالهجرة وصولاً لحرق أجسادهم في تكثيف شديد المأساوية ليأسهم وحزنهم على ما آلت إليه أحوال عائلاتهم وبلدهم.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن