هذا التراث المتفرّد .. يجب توثيقه!

سليمان جبران
jubrans3@gmail.com

2019 / 2 / 3

سليمان جبران: هذا التراث المتفرّد .. يجب توثيقه!
يقولون إنّ الاعتراف بالخطأ فضيلة، وأنا أقول إنّ الاعتراف بالخطأ واجب علمي أيضا ! وأنا أخطأت قبل سنوات، في سنة 2016، في مقالة بعنوان "غزل مشايخ"، فنسبتُ فيها للشيخ علي بدر الدين قصيدة "لملمتُ ذكرى لقاء الأمس بالهدبِ.." كما وجدتها في كلّ المواقع الالكترونيّة التي دخلتها. لم تكن هذه المعلومة فحوى مقالنا المذكور. مع ذلك وقعتُ في الخطأ الذي كنتُ كتبتُ في مقالة سابقة محذّرا منه. اعتمدت ما وجدتُه في المواقع الإلكترونيّة، والمواقع هذه لا يجوز اعتمادها في الدراسات الجادّة طبعا. يخطئ واحد فينسخ جميعهم عنه دونما تحقيق!
هذه الحادثة دعتني إلى كتابة مقالتي هذه أيضا، راجيا كلّ من يجد لديه الوقت والكفاءة الضروريّين توثيق الأغاني الفيروزيّة كلّها. علّمنا السلف أنّه "لا يصلح القوم فوضى"، ونضيف نحن .. ولا الأغاني الراقية أيضا ! ليس العمل المذكور سهلا، ولا يمكن إنجازه في يوم وليلة. كذلك لا يستطيع القيام به إلّا من كان قادرا على الاتّصال بكلّ ذوي الشأن. وهذا ما لايمكننا نحن طبعا !
فارقنا عاصي مبكّرا، وتلاه منصورقبل سنين، فلم يبقَ من هذا المثلّث العبقري إلّا فيروز. ولا أعرف أصلا إذا كانت فيروز خبيرة بتاريخ وتفاصيل أغانيها كلّها: من كتب كلماتها، ومن لحّنها. لا نرمي بذلك إلى فصم توأم "الأخوين رحباني" طبعا. لتبقَ الأغاني من عمل هذين العبقريّين بهذا التوقيع، كما كانت رغبتهما. لكنْ يحقّ للمتابع، والقارئ عامّة، أنْ يتعرّف مؤلّفي الأغاني الأخرى وملحّنيها، وسنة إذاعتها على الناس، فلا يقع في الخطأ الذي وقعنا فيه نحن قبل سنوات، فينسب الأغنية لشاعر ليس له فيها شيء، لأنّ المراجع نسبتْها إليه خطأ.
لا بدّ، في هذا العصر التوثيقي، من جمع أغاني فيروز كلّها، في ترتيب علمي واضح، ليستطيع الراغب معرفة مؤلّف هذه الأغاني الخالدة، وملحّنها طبعا. ما زال هذا العمل الضخم ممكنا. فليبادر أحد ذوي الاختصاص إلى توثيق هذا التراث الخالد، بكلّ تفاصيله الضروريّة، وتفسير بعض ألفاظه الفريدة، فيكون مرجعا موثوقا متاحا لكلّ دارس وناقد. حرام أنْ يبقى هذا الكوربُس الرائع مشتّتا تحكمه الفوضى والاضطراب. لم يعرف الشعر القديم، ولا الحديث، كوربُسا رومانسيّا شاسعا يضاهي هذه الأغاني. ولا يعيب هذه النتاج الفريد طبعا كتابة معظمه في اللغة المحكيّة، أو في اللهجة اللبنانيّة. لم تعد المحكيّة "عاميّة" تشكوالابتذال والإهمال، كما في المعايير القديمة، والأغاني الفيروزيّة هذه هي خير مثال!
في المكتبات والمواقع الإلكترونيّة اليوم، يمكن العثور على كلّ الأغاني، قديمها وحديثها، بالحرف أو بالصوت. تبقى مهمّة الباحث في الجمع والتنظيم والتوثيق بأسلوب علمي منهجي، فيوفّر بذلك مرجعا معتمدا لكلّ باحث أدبيّ أو موسيقيّ.
خلال تجوالي في المواقع الإلكترونيّة والمكتبات الجامعيّة، وجدتُ الأعمال الرحبانيّة كلّها تقريبا حظيتْ ب"تنسيق وتقديم الشاعرهنري زغيب". يبدو الأستاذ زغيب وثيق الصلة بهذه الروائع، وأكثر من يعرفها ويقدّرها. فلماذا لا يقوم الأستاذ زغيب نفسه بهذه المهمّة مشكورا ؟ أو يشرف على هذا العمل الباهظ، بينما يقوم به أحد طلّاب الماجستير أو طلّاب الدكتوراه في إحدى الجامعات ؟
الأغاني الفيروزيّة، في رأينا، هي أفضل كوربُس للشعر الرومانسي العربي، قديمه وحديثه. فما ورد هناك من كنايات وصور يفوق كلّ ما نجده لدى الشعراء الرومانسيين. ولا يعيب هذا الشعر كتابة أغلبه باللغة المحكيّة طبعا، في عصرنا هذا بالذات ! قرأتُ، وعلّمتُ، الكثير الكثير من قصائد الحبّ العربيّة، ولشعراء كثيرين، قدماء ومعاصرين أيضا، فلم أجد هناك صورا تضاهي هذه الأغاني رقيّا وأصالة:
بَكتِب اِسمَك يا حبيبي عَالْحَوْرِ الْعتيق/ بْتِكتِب اِسْمي يا حبيبي عارَمْلِ الطَّريق / وبُكْرة بِتْشَتّي الدِّني / عَالْقُصَفْ لِمْجَرَّحة / ببْقى اِسْمَكْ يا حَبيبي واِسْمي بيِمَّحى ..

امْبارِحِ تْلاقَيْنا/ قْعَدْنا عاحَجَرْ/ بَرْدُ وحَوالَيْنا/عَرْيانِ السَّجَرْ/ خَزَّقْنا الصُّوَرْ/ وِامْحينا القمَرْ/ رَدِّتْلو مْكاتيبو/ ورَدِّلي مْكاتيبي..

يا رَيْتْ / إنتِ وأنا في البَيْتْ / شي بَيْت أبْعَد بَيْتْ / مِمْحي وَرا حْدودِ العَتِم وِالرّيحْ / وِالتّْلْج نازِل باِلدِّني تِجْريحْ / يضَيِّع طَريقَكْ ما تعودِ تْفِلّ / وِتْضَلّ حَدَّي تْضَلّ / وما ضَلّ في الْقَنْديل نُقْطِة زّيْتْ / يا رَيْتْ..

حَلَّفِتْني إمّي / ما حاكي حَدا / قالتْ لي يا اِمّي / إيّاكِ الْعِدا / إنْتَ مِش حَدا / وَلا إنْتَ الْعِدا / اِنْتَ لْبِعِينَيِّ / رابي مْنِ الزَّغَر...

شو بِنا، شو بِنا / يا حَبيبي، شو بِنا ؟/ كُنْتو وكِنّا / تْضَلّو عِنا / وِافْتَرَقْنا، شو بِنا؟ /وبَعْدا الشمْسِ بْتِبْكي/عَالبابُ وما تِحْكي/ تِحْكي هَوا بْلادي..


وقالو غَمَرْني مَرّتيْن وشَدّ / شوفو الكِزْبِ لْوَيْنْ / مَرّة مْليحِ تْنَيْنْ؟ / ولا رَدِّتو إيدي ولا هو ارْتَدّ / شو بْيِفْضَحو أسْرار..
.. ومِنْ يَوْم هالغَيْبِة وألله يْسامْحَكْ / عَمْ فرْفِط بْهالفِلّ عَم قَطِّفْ ريحانْ / عَمْ بَسْتَعيرِ مْنِ السَّما أَجْمَلِ الْوانْ / وخَرْطِش عَلى الْحيطان لَنّو مْلامْحَكْ/ وهَالْقَلْبْ عَم حِفّو عَلى اجْرَيْنِ السَّريرْ/ عَمْ مَرْمِغو بِلُعْبَك، بِمْطارِحَك / بِفراشَكْ، بْريحِة ريشاتِ جْوانِحَكْ / في غَبْرِةِ حْوافِرِ حْصانَكْ هَزّغيرْ !

.. أهْواهُ مَنْ قالَ إنّي ما ابْتسَمْتُ لهُ / دَنا فَعانَقَنَي شْوْقٌ إلى الهَرَبِ
نَسِيتُ مِنْ يَدِهِ أَنْ أَسْتَرِدَّ يَدي / طالَ السَّلامُ وطالَتْ رَفَّةُ الْهُدُبِ
حَيْرى أنا، يا أ نا، أنْهدُّ مُتْعَبَةً / خَلْفَ السَّتائِرِ في إعْياءِ مُرْتَقِبِ
أَهْوَ الْهوى؟ يا هَلا إنْ كانَ زائِرَنا / يا عِطْرُ خَيِّمْ على الشُّبّاكِ وَانْسَكِبِ
هذه الروائع الباهرة لا بدّ من توثيقها، وبشكل علمي دقيق، لتكون في متناول كلّ قارئ وباحث. حرام علينا اليوم إضاعة هذه الجواهر النادرة. يكفي ما أضعنا في العصور الخالية بدعاوى هامشيّة باطلة، غير ذات صلة!



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن