ولا يِهّمَك !

امين يونس
sadamkar@yahoo.com

2018 / 12 / 1

وصلتُ إلى منزلي ، بُعَيدَ منتصف الليل ، بعد جلسةٍ مع الأصدقاء .. فقالَ لي ولدي :
- يا أبي .. أرجوك أن تهتم بِصحتك جيداً . هاك أنظُر إلى صديقك المُقرب " س " ، فهو يُقاربك في العُمر تقريباً ، لكنه لا يُدخِن ولا يشرب ولا يسهر إلى وقت مُتأخِر ويُمارس الرياضة بإنتظام وفوق ذلك يتبع نِظاماً غذائياً مثالياً . لكل ذلك ، فأن صحتهُ ممتازة ، والذي يراكما معاً ، يعتقد بأنهُ أصغر منك بعشرين سنة .
* هه هه هه .. ولماذا ذكرت " س " بالذات ؟ إنهُ إستثناء ، بينما بقية أصدقائي كلهم مثلي وأصحاب أمراضٍ مُزمنة وخريجي مدرسة السرطانات والجلطات الدماغية والقلبية .
..............
في الصباح ... فاجأني ولدي بخبرٍ صاعِق :
- أبي .. يُؤسفني أن أبلغك ، أن صديقك " س " قد توفى قبل ساعتَين ، وسوف تأتي شُلة أصدقاءك بعد قليل لتذهبوا معاً لحضور مراسم الدفن .
* أرأيتَ ياعزيزي كيف يختار عزرائيل زبائنه ؟ يبدو ان الريجيم والرياضة والإمتناع عن التدخين والكحول .. كلها ليستْ معايير مَنطِقية . المهم مات صديقي العزيز " س " وهو بٍصحة جيدة . يا للسخرية المُرّة ! .
............
هل سمعت ؟ ان صاحبنا " ن " مُصابٌ ب ( ذاك المرض ) ؟ [ لحد الآن ... درج الناس هنا على عدم ذكر عبارة " سرطان " والإستعاضةِ عنها بالمرض الخبيث او ذاك المرض ، مع وجوب قَول ( بعيد عنكُم ! ) .. ناهيك عن حرصهم على إخفاء الأمر عن المريض نفسه حتى آخر لحظة ! ] .
قُلتُ : متى وفي أي مَنطقة من جسمه وأين هو الآن ؟
- في الحنجرة وهو الآن يتعالج في إحدى مستشفيات تركيا .
* أنها نفس القصة المتواصلة ... فكما تعرف أن "ج " أقرب أقربائي وهو شابٌ أيضاً ، مُصابٌ بذاك المرض ويخضع للعلاج في تركيا منذ أشهُر . وفلان شابٌ في الخامسة والعشرين من عمره ومقيمٌ في السويد منذ طفولته وهو صهر " ه " اُصيب بجلطةٍ دماغية خطيرة وهو غائبٌ عن الوعي منذ فترة .وكذلك " م " قريبنا الشاب هنا في دهوك ، حالته مُشابِهة تقريباً . لا يكادُ يمرُ يومٌ دون أن تسمع بإصابة شبابٍ في مُقتبَل العُمر ، بأمراضٍ قلبية خطيرة أو سرطانات متنوعة . الحالة تقترب تدريجياً من وصفها ب " الظاهِرة " للأسف الشديد . وهي بحاجة إلى دراسةٍ جادة ، للتشخيص الدقيق للأسباب وإيجاد الحلول المُناسِبة .
....................
نعم ... أن الإهتمام بالصحة شئ جيد ومطلوب ، لكن المُبالَغة كثيراً في ذلك ، مردودها عكسي .
نعم ... أن مُراعاة مشاعِر المريض او أقرباءه ، لطيف .. لكن التعتيم وإخفاء الأمر ، نتائجه سيئة للغاية .
نعم ... أن " الريجيم " أو الحمية بأنواعها ، ضرورية .. لكن التزمُت فيها ، يؤدي إلى كوارث أحياناً .
نصيحة من مُصابٍ مُزمِن بمعظم الأمراض الخبيثةِ والحميدة :
إذا إشتهيتَ بِقُوة أكلةً مُعينة ، مهما كانتْ درجة ضررها " المُفترَضة " .. كُل قليلاً منها ولا يهمك .
إذا إشتهيتَ كثيراً كأساً من الخمر أو العرق .. إشربهُ ولا يهمك .
إذا تراكَمَ الإستياء والغضب في نفسك مِراراً ، وإذا كظمتَ غيضك كثيراً ، خوفاً من المسؤولية وتفادياً من إحتمال العقاب .. فأن ذلك سئٌ جداً ويُسبب الكثير من العِلل : قُل كلا للباطِل بصوتٍ عالٍ .. إعترِض بِقّوة .. ولا يهمك .
فالموت قادِمٌ قادِم .. فحتى صديقي " س " الذي كان يمشي جنب الحائط .. مات .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن