الاقتصاد التركي و التدخل الحكومي في السياسة النقدية.

مظهر محمد صالح
mudher.kasim@yahoo.com

2018 / 9 / 2

الاقتصاد التركي و التدخل الحكومي في السياسة النقدية.

مظهر محمد صالح

مازال العامل الاساس في توليد صدمة الاقتصاد التركي الاخيرةً يتمثل بأتساع الفجوة بين النمو الحقيقي في تنفيذ المشاريع الاستثمارية الكبرى الملتزم بها وبين درجة نمو استحقاق القروض الخارجية الممولة لها .اذ يلحظ ان ٨٠ ٪؜من مشاريع تركيا الستراتيجية المستمرة التنفيذ في نطاق الاستثمار والاعمار والتوسع في البنية التحتية (والتي غدت الدافعة للنمو العالي خلال سنوات الازدهار الماضية )تعيش اليوم مراحل تباطوء او تمدد مايسمى بفترات التشييد او التفريخ gustation periods . فعمليات التنفيذ الطويل الاجل للمشاريع أمست تفوق مدد وتواريخ استحقاق تمويلها وهي الاستثمارات الحقيقية التي تُموَّل
في الوقت نفسه من قروض خارجية قصيرة او متوسطة الاجل في الغالب ويجري تجديد معظمها دورياً وقت الاستحقاق .
فمنذ الازمة المالية العالمية في آوخر ٢٠٠٨ تغذت تركيا وتعايشت على طاقة تمويل كانت مصادرها تحركات رؤوس الاموال الاجنبية القصيرة الاجل والتي تدفقت اليها بزخم مرتفع من مراكز التمويل والاستثمار الرئيسة بالعالم ذلك بفضل ارتفاع الفائدة في المراكز المالية التركية والتي اعتمدتها ووجهتها السياسة النقدية التركيةً بحكمة عالية (مقارنة بالفائدة الصفرية او المنخفضة جداً التي سادت اقتصادت الامم الغربية ابان سنوات الركود الاقتصادي السابقة ولاسيما في دول منطقة اليورو والولايات المتحدة الامريكية). وهي السنوات العشر الاخيرةًنفسها التي زاد فيها معدل النمو في الناتج المحلي الاجمالي السنوي التركي على ٧٪؜ ذلك قبل ان بهبط اليوم الى حوالي ٣٪؜(مع ارتفاع التضخم السنوي الذي زاد اليوم على ١٣٪؜ وبطالة متعاظمة في قوة العمل مماثلةً بلغت مستوياتها السنوية بنحو مرتبتين عشريتين ايضاً).

ومع تأزم العلاقات السياسيةً والاقتصادية التركية مع الولايات المتحدة مؤخراً وتعاظم التعرفة الكمركية على الحديد والالمنييوم التركي المصدر الى اسواق اميركا وهبوط مؤشر (كوفمان ) للاستقرار السياسي الى( سالب ١،٥)عن معدله الامثل البالغ (موجب ٢،٥) فان القروض الدولارية المصرفية من البنوك العالمية لم تعد تجدد تلقائياً هي الاخرى كما كان يحدث في السابق والمثال الراهن حالياً هو ما اقدم عليه مصرف جي بي مورغن الامريكي مطالباً تركيا الْيَوْمَ بمستحقات تدفع خلال عام واحد قدرها ١٧٩ مليار دولار.رافق ذلك غرامات امريكية بمليارات الدولارات على المصارف التركية بسبب استمرار التعاطي بالدولار الامريكي مع المصارف الايرانية خلافاً لاجراءات المقاطعة الامريكية المفروضة على ايران منذ العام ٢٠١٢.
ان تاريخ اشتداد ظاهرة تدفق رؤوس الاموال الامريكية الى تركيا وتحركاتها العالية قبل ان تنحسر الْيَوْمَ قد تعاظمت حقاً خلال السنوات العشر الماضية وجاءت على انقاض الازمة المالية للولايات المتحدة الامريكية و المسماة بازمة الرهن العقاري .
فقد عاش الاقتصاد التركي على كنف استفادة راس المال الامريكي (الراكد )من سياسات الاحتياطي الفيديرالي الداخلية في انعاش الاقتصاد الامريكي لتدخل رؤوس الأموال نطاق الربح والمضاربة ضمن ما اطلق عليه وزير مالية البرازيل في أيلول ٢٠١٠ بحرب العملات currency war والتي ولدتها سياسات التيسير الكمي QEللفيديرالي الامريكي والقائمة على مبادلة الاصول الامريكية الرديئة (ابان الازمة المالية) بالدولار الجديد الفعّال المصدر لقاء خصم الاوراق المالية الامريكية بفائدة منخفضة جداً
اذ جرى استثمار الدولار الامريكي الجديد المُسيل (اوالمولد لقاء الاصول المالية الردئة ) ليعد من الاموال الراسمالية الساخنةً الامريكية التي اتجهت الى الاقتصادات ذات الاسواق الناشئة في بلدان مجموعة G20 ضمن ظاهرة حرب العملات والمضاربة في أسعار الصرف والفائدة
ومنها تركيا، ذلك بغية الاستفادة من معدلات الفائدة العالية وتحسن سعر الصرف كاستثمار بالعملات المحلية ولاسيما إبان العقد الاخير للسياسة النقدية التركية المتشددةً في الحفاظ على قوة الليرة التركية.
ان التحول المفاجيء في الاقتصاد التركي نحو حافات الكساد وتفاقم الوضع المالي الراهن وتدهور الاستقرار الاقتصادي يتلخص في دور الحكومة التركية بخفض الفائدة التوازنية التي كان يعتمدها البنك المركزي التركي ولعوامل سياسية جاءت في اعتقادي خارج تخطيط ورغبة السلطات النقدية وبرامجها المستقلةً ومن منطلق حكومي شعبوي لتنشيط الاقتصاد الذي اخذ بالتراجع التدريجي في معدلات النمو ازاء تفاقم البطالة والتضخم .فالتدخل الحكومي في شؤون السلطة النقدية التركية كان غير موفق في انتظام اعمال السياسة النقدية للبنك المركزي التركي ومواصلة الاستقرار في المستوى العام للاسعار بل عمل بالضد من ديمومة بقاء رؤوس الاموال الاجنبية وعموم الاستقرار الخارجي واشر نزوحا سريعاً لرؤوس الاموال الى الخارج ، ما اضطر السلطات النقدية ان تتخذ
اجراءً ات مقابلةً adhoc مجدداً تمثلت برفع معدلات الفائدة المصرفية بسرعة عالية (بعد ان اصبحت الفائدة الاسمية نفسها دون مستوى التضخم مما وضع الفائدة الحقيقية بمستوى يقارب الصفر او دون مستوياتها في الاسواق المالية الاوروبية وانقلبت السوق المالية التركية لتعمل بصورة سالبة عما تسير عليه الاسواق المالية العالمية في ضعف جذب الاستثمارات) .فجميع هذه العوامل ،اضافة الى التوتر السياسي والاقتصادي مع الولايات المتحدة ،قد اخذت تعمل بالضد من مصلحة الاستقرار الاقتصادي الكلي وبشكل خاص حالة استقرار ميزان المدفوعات التركي ولاسيما الحساب المالي منه الذي يواجه اليوم عجزاً كبير.بعبارة اخرى ، فمع التدخل الحكومي باعمال البنك المركزي التركي المستقل في سياساته في الاشهر الماضية ومحاولات استخدام سياسات نقدية توسعية accommodative بفعل التدخل الحكومي في شؤون السلطة النقدية، والذي قام على خفض الفائدة الاسمية الى دون مستوى التضخم السنوي (لدواعي ربما شعبوية او ذات طبيعة سياسية)فضلاً عن اتساع مظاهر التاثير والتدخل الحكومي نفسه في مكونات الاحتياطي الاجنبي واسس النظام النقدي التركي (اي من ناحية الاخلال في تنويع الحقيبة الاستثمارية للبنك المركزي ذلك بالميل نحو اليورو ضد حيازة العملة الامريكية والتلويح بالعملة الاوروبية كاساس لليرة التركية )جميعها تسببت بارتفع مفاجيء في قيمة الدولار في اسواق تركيا و تدني سعر الليرة التركية التي فقدت قرابة ٤٥٪؜ من مستويات استقرارها في غضون اسابيع قليلة . وهكذا بدات ظاهرة انسحاب رؤوس الاموال الاجنبية الدولارية وغيرها بشكل مزدحم لتعمق من عجز ميزان المدفوعات التركي فضلاً عن تلازم ذلك مع المطالبة الفورية بمستحقات بعض ديون تركيا العامة البالغة قيمتها ٤٨٠ مليار دولار منها ١٨٠ مليار دولار مستحقة الدفع او السدد لتعمق جميعها من ظاهرة اللاتطابق بين نسبةً النمو في استكمال المشاريع الاستثمارية الممولة بالقروض الخارجية وبين نمو المستحقات من تلك الديون اوالقروض maturity miss matchالتي شخصها الكاتب الرائع الدكتور سامي سويلم عندما اطلق عليها( بالخطيئة الاصلية )او مانطلق عليه في التمويل الدولي بفخ المديونية الخارجية debt trap الذي يجسد قوةً التلازم بين تدهور الليرة التركية مع انهياراحتياطيات تركيا الاجنبية وعجز ميزان مدفوعاتها سوية وتوليد ثلاثية مالية ذات اثار داكنة على نمو الاقتصاد الحقيقي .فعلى سبيل المثال هناك حوالي ٦٥ مليار دولار تمثل ضمانات سيادية منحتها الحكومة التركية الى الدائنين الخارجيين لمصلحة القطاع الخاص التركي و بات جلها مستحق الدفع وهي من اصل ديون خارجية مترتبة على القطاع الخاص التركي تزيد اجمالاً على ٢٢٠ مليار دولار.
ختاماً،يؤشر علم الاقتصاد الكلي ثمة تلازم مباشر بين تدهور قيمة العملة (وهي القيمة الخارجية للنقود) وعجز ميزان المدفوعات . فالاخير صار في تدهور متسارع وعجز مستمر وقيمة العملة التركية امست انعكاساً لتلك الظاهرة في الاقتصاد الكلي مما ادخلت تركيا في حالة من حالات الركود التضخمي المتمثل بهبوط معدلات النمو في الناتج المحلي الاجمالي وارتفاع مستويات كل من البطالة والتضخم في آن واحد.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن