العراق الرأسمالي: من الحرب الى الديمقراطية الجزء/ 3

مظهر محمد صالح
mudher.kasim@yahoo.com

2018 / 7 / 14

العراق الرأسمالي: من الحرب الى الديمقراطية الجزء/ 3

الدكتور مظهر محمد صالح


فالعراق الرأسمالي الذي تخلص من الاستبداد الشرقي كنمط انتاج لم يستطع بذاته اليوم بلوغ الرأسمالية الناضجة تاريخيا وتحقيق شروطها الموضوعية وخلق مؤسسات سوق بديل ذات كفاءة اقتصادية عالية في تخصيص الموارد بين قطاعات الانتاج المختلفة في ظل استمرار نمط انتاج مازال طابعه شديد الريعية، ذلك بسبب اختلاف مفهوم الازدواجية الرأسمالية في بلادنا عن غيرها من البلدان الراسمالية.
فهي ازدواجية راسمالية شرقية الميول، تجمع في اللحظة نفسها بين بقايا النمط الاسيوي للانتاج في داخل اقتصاد الدولة المركزي وصعوبة التخلص منه حالا (على الرغم من توليد نظام رعاية اجتماعية مركزي يتعايش على عائدات النفط و يتطلع الى الرفاهية بدون الاكتراث للكفاية الانتاجية و هو مازال مرتبطا بسوق الطاقة الدولية ومسلماتها والاستسلام لتاثيراتها) ونجد في الطرف الاخر من الاقتصاد العراقي خلق سوق مالي وتجاري حر و متكامل فيما بينه، يتطفل على اقتصاد راسمالية الدولة ولكنه شديد الارتباط مع السوق الدولية وبدرجة عالية من الليبرالية.
وان وظيفته هي الربح والتراكم المالي من خلال تغيير طراز الحياة العراقية وجعلها شديدة الاستهلاك قليلة الانتاج ضعيفة الاستثمار المادي مولد للبطالة بصورة مشتركة.
مما ترك فراغا في جدول الاعمال الاقتصادي واستقطابا هائلا لسوقين في اقتصاد واحد، احدهما مفصولا عن الاخر وكلاهما مرتبط في السوق العالمية بقوة ، اولهما: نفطية لصيقة بأسواق الطاقة بالعالم والاخرى: مالية تجارية مزدوجة تتعاطى مع العالم في توريد السلع الاستهلاكية واغفال التنمية الوطنية ولوازمها وحاجة البلاد الى البنى التحتية وغيرها من النشاطات الاستثمارية ذات الاعتماد المتبادل في تطور مستفبل البلاد.
انها ازدواجية اقتصادية خطيرة الاستقطاب وتعمل على عكس الازدواجيات في النظم الرأسمالية الاخرى فهي ازدواجية تقوم على الصراع غير التناحري بين رأسمالية الدولة الريعية والرأسمالية الحرة للافراد ، حيث مازالت البلاد تعاني من مستويات مقلقة من اللامساواة وحتى وقت قريب بلغ خط الفقر 23% من سكان العراق ممن لم يحصلوا على 2.5 دولار يوميا للفرد الواحد، نجد ان بلادا مثل الدنيمارك تتمتع باعلى مقياس للمساواة في العالم رقمها ايضا 23% ولكن بطريقة مختلفة تماما . اي ان الدنيمارك هي الاعلى في العالم من حيث العدالة في توزيع الدخل مقارنة بالولايات المتحدة التي يبلغ فيها المقياس 45% ( حيث يؤشر المستوى صفر% انعدام اللامساواة وتعاظم العدالة والمساواة وان المؤشر 100% هو الحد الاعلى في انعدام المساواة في الدخل والثروة ) . ويلحظ ان العراق مازال عند النسبة 50% في ميلانه في موضوع المساواة وهو ضمن المعدلات العالية نسبياً في العالم في استمرار تفاوت الدخل والتوزيع العادل للثروة.
فعندما نسمع كلمة رأسمالية ، فأنه يبادر الى ذهننا التعددية السياسية في العالم الغربي وحكم القانون ووسائل الاعلام المستقلة والاسواق الحرة والديمقراطية . وان معظم تلك الرأسماليات تخضع لازدواجية على غرار ما يخضع اليه العراق لكن بفارق واحد ان الازدواجية الرأسمالية في الولايات المتحدة والصين هي مصدر قوة وجدول اعمال مولدة للتنمية والتقدم الاقتصادي الناجز وان الازدواجية الرأسمالية في بلادنا قد ولدت للاسف الشديد فراغا في التنمية .
حيث تجد الى جانب الشركات الكبرى في الولايات المتحدة مثل جنيرال موتورز وشركة الصلب الامريكية ، شركات صغيرة برهنت نجاحها وامست واسعة الانتشار لاسيما شركات المعلوماتية واتحدت مع الشركات الكبرى في مخرجاتها ومدخلاتها مولدة قوة انتاجية هائلة . اما الازدواجية في الصين وهي البلاد التي تسير بنمطين مختلفين من النظم الاقتصادية في آن واحد فان القطاع العام فيها يتبع الاساليب الريادية للقطاع الخاص وآليات السوق الحرة التنافسية، مما جعلت من الاقتصاد الصيني احد اكبر الاقتصادات في العالم نفوذا وكفاية في الهيمنة على الاسواق الدولية والقدرة في استخدام التكنولوجيا . وعلى خلاف ذلك فان الازدواجية الراسمالية العراقية التي تنقسم بين رأسمالية الدولة الريعية والرأسمالية الاهلية الحرة (الليبرالية) كما اسلفنا قد انتجت للاسف الشديد قطبين مختلفين احدثا فراغا في التنمية وضياعا لجدول الاعمال الاقتصادي واغترابا محليا شديد الالتصاق بالسوق الدولية(اسواق الطاقة والتجارة الاستهلاكية والمال) بعيدا عن سوق التنمية الوطنية والتي سنتناولها تفصيلا في كتابنا الموسوم: (...الريع الاقتصادي المركزي ومأزق انفلات السوق في العراق).



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن