الرماديون ( قراءة في سيكولوجيا الجماهير )

أنس نادر
anas.nader77@yahoo.com

2018 / 3 / 24

الرماديون هم أبرز مفرزات الأنظمة الاستبدادية التي تتضح جليا في التحولات والمغايرات الشعبية من أجل التغيير, والطيف الواسع في المجتمعات الشمولية بحكم ضرورة التأقلم مع فساد الأنظمة القمعية وما ينتج عنه من فتور نفسي ولاإنتماء غَيريّ تجاه الدولة والمجتمع, إنهم الواقع المستكين والمرتاب والخائف من رياح التغيير وبنفس الوقت المتذمر والذي يدرك ويعي حجم الكارثة ويرزح تحت عبئ صمته وقبوله بفساد النظام والدولة, انهم المترفعون عن السعي وراء الرغيف والصمت بحكم الحاجة, وعن ترف الأغنياء والمنتفعين المتشدقين لحماية مصالحهم ونفوذهم, الشريحة القادرة على التلون والانسجام النفسي وفق متطلبات الواقع, والأغلبية المتعلمة والعاملة الذين يتقنون أساليب العيش وبراغماتية التعايش,هم الشريحة المحافظة والمحايدة والمتوازنة ونقطة الارتكاز الاساسية التي تركز عليها جميع الطبقات الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية, الذين تقبلوا الحراك الشعبي السلمي بصمت في بداياته وأيدوا النظام بالجهر عندما نجح في إفشال وتشويه الثقافة البديلة القادمة مع رياح التغيير في النهاية, هم رعاة مملكة الصمت في النظام الاستبداي القادرين على الصراخ واللذين لم تعلو أصواتهم قط.
لطالما اعتقدت منذ بداية الحراك الشعبي بسوريا بأن الشريحة الرمادية هم الشريحة التي سيكون لها كلمة الفصل في الحدث السوري, ومن سيستطيع أن يقنعها ويكسبها الى صفه سيستطيع حسم المعركة شعبيا وبالتالي السيطرة غلى الحاضنة الاجتماعية ذات الاغلبية الواقعية والمتوازنة التي تعكس نتيجة الأنظمة الاستبدادية الطبقية والتوازنات الاجتماعية الطبيعية في مثل هذا النوع من الطفرات التاريخية التي تهز الواقع وتزعزع أركانه, ولكن لا يمكن اقناع هذه الشريحة من المجتمع الا بالتبلورات المادية والواقعية الواضحة, فهذه الشريحة لا تؤمن بالشعارات والأحلام والوردية والوعود, فهي الشريحة المتصالحة مع الواقع والغير مسحوقة, كما أنها ليست متضررة أو منتفعة بشكل مباشر, وبنفس الوقت لا تدين بالولاء للنظام الحاكم لأنها محكومة بالتهميش واللإنتماء, وتدرك الأساس الواهي الذي يقوم عليه, كما أنها لا تأمن جانبه وتدرك عميقا أيضا بأن النظام السياسي الفاسد جل قضيته هي الحفاظ على السلطة وتهون جميع القضايا دون ذلك. إن هذه الشريحة الاجتماعية هي شريحة نفسية واسعة تمثل الفشل الإنتمائي الذي يربط الأنظمة الاستبدادية بالشعب ونظام الدولة الاجتماعي ومفهوم المواطنة كنتيجة طبيعية لثقافة الاستبداد, والتي يجب تجاوزها وضمها الى الصف كمرحلة عبور هامة في التحولات والتظاهرات الثورية, لانها تمتلك الوزن النوعي الأهم والطيف الواسع في المجتمعات الشمولية بحكم التكيف وما ينتج عنه من فتور نفسي ولاإنتماء غيري تجاه الدولة والمجتمع. وقد كانت هذه الشريحة الصامتة تنتظر وتراقب التحولات الثورية لدى الجموع الثائرة والتحولات السياسية في عقلية النظام, وتتأهب في أن تندمج مع الطرف الذي ترى أنه قد يأتي بملامح النظام السياسي القادم.
وللأسف فشل التمثيل السياسي لقوى المعارضة في ذلك بينما أتقن النظام قواعد اللعبة بمهارة منقطعة النظير. فبالوقت التي حملت به الثورة السورية في بداياتها كل أدبيات وكلاسيكيات البطولات الثورية ثقافيا وشعبيا واجتماعيا وتحظى بحاضنة شعبية ضخمة وقبول صامت من الشريحة الرمادية وكل الظروف الداعمة على المستوى الدولي والاقليمي لشعب كسر جدار الصمت والخوف, وفي ذلك الوقت كان النظام يفتقد لكل هذه المقومات ويتخبط بطريقة غير مدروسة محاولا قمع الاحتجاجات الشعبية تائها كسائر الانظمة القمعية في مهب رياح التغييروخائف من المستقبل المجهول مع اقلية مترددة ومرتابة, وقد انعكست حالة النظام المتخبطة بشكل واضح في مماراساته ضد المحتجين وجرائم الكراهية في قمع المتظاهرين والتمثيل بجثثهم وأجسادهم في ذلك الوقت.
لقد بلغت تلك المرحلة ذروة التهديد والخطر على النظام واستطاع النظام الخبير بأساليب قيادة الشعوب المقهورة وغريزة السجان وخبرته الطويلة بسيكولوجية السجين أن يصيب الطريق الصحيح, وذلك بإفساد وتشويه البديل الثقافي القادم مع الموروث الجديد لشعب ثائر كسر قيود الخوف والصمت, فعمل على تخويف وترهيب الشريحة الرمادية ذات الحياد الخطير والمريب من هذا القادم الجديد ومآلات الغموض والدمار التي قد يحملها معه,وبالتالي دأب النظام بالعمل على ادارة دفة الصراع نحو العسكرة والعنف والتطرف الديني, وجهد كي يحوّل الحراك الثوري الى مجرد قوى متطرفة ذات عقائد دينية متشددة هدفها اقصاء النظام والصراع على السلطة, فضمن نفور النسيج الاجتماعي لظله السياسي أو ما يدعى بالرماديين, وبالتالي حصل من المجتمع المؤثر على التفضيل والقبول الثقافي لسياسة القمع مقارنة مع الفوضى الغير الواعدة والغير المطمئنة القادمة مع قوى الثورة.
إن إخفاق المعارضة السياسية في الحفاظ على قيم الثورة وترسيخ الموروث الثقافي الجديد لدى الشريحة الصامتة والمترددة والخائفة وطمأنتهم بأن القادم أفضل وأجمل وذلك بالسيطرة على العنف وتصدير ثقافة النضال السلمي والإصرار على مدينة وسلمية وثقافة الحراك السلمي وتقديم ثقافة بديلة عن ثقافة الترهيب والإقصاء الذي يمارسها النظام, والحؤول دون الدخول في صراع عنفي ووخوض معركة تكسير عظم لم يدفع ثمن أوجاعها سوى الشعب السوري ومدنية واستقلال دولته التي أصبحت مطمع سياسي دولي واقليمي وعالمي لجميع القوى الطامحة في المنطقة. وبهذا خسر الحراك الشعبي الكتلة المظلمة القابعة في الظلال الذي يكمن حقيقة وواقعية ارساء البديل الثقافي والسياسي بالنجاح بجذبها وضمها إلى الجموع الرافضة.
ان الشريحة الرمادية تعبر عن توازنات الواقع والمآلات المنطقية للأشياء عندما تكون الرؤيا عسيرة والقادم ضبابي المضمون, بعيدا عن المؤثرات النفسية والظاهريات الثقافية, وهذا نتيجة طبيعية لأي مجتمع يعاني من ثقافة الاستبداد بما يزيد عن نصف قرن, وأزمة تاريخية سياسية وثقافية تعود لقرون, فلا يمكن في ظل هذه التناقضات العقائدية العميقة الخلوص الى أغلبية ثورية دون تجاوز شريحة العبور ان جاز التعبير اي الطبقة اللامنتمية بفعل الاستبداد والفساد السياسي, والتي تتمثل بواقعية مملكة الصمت التي تدرك قوة صدى كلماتها وتخشى من الجهربالحقيقة.
إن انتصار النظام بضم هذه الشريحة إلى صفوفه المؤيدة لبقائه كان بمثابة تحصين الحاضنة الشعبية له وإعادة بنائها من واقع الحدث, قبل البدء بالتحالفات الاستراتيجة للقضاء على المعارضة المسلحة التي صنع هويتها بالطريقة العسكرية التي نشهدها الآن, وتكريس خطابه المحلي والدولي بأنه يحارب الإرهاب والجماعات التكفيرية بالعالم كله التي اجتمعت على أرض بلاده.
لكن التحدي لا يزال قائما على الرغم من الأزمة الثورية التي تمر بها قوى المعارضة على كافة المستويات, فمهما كان الشكل الذي سيؤول إليه نظام الدولة بعد انتهاء الصراع سواء الداخلي أو الدولي, ومهما كانت نتيجة هذه الثورة مؤلمة مقارنة مع حجم التضحيات والآلام والخذلان, فإن كسر جدار الصمت والخوف أمام أعتى الأنظمة القمعية, والكم الثقافي الهائل الذي أفرزته الثورة من دراسات فكرية وسياسية وآداب وفنون وانتماءات فكرية وثقافية نتيجة الهزة العميقة المجلجلة بأعماق كل فرد, بالإضافة للتجربة والتغريبة السورية في كل أصقاع الأرض والاندماج مع ثقافات الشعوب المختلفة وعملية الفضح الإنساني لكل هذا الحيف والدمار والخذلان بالمنظومة الإنسانية كلها, كل هذا سيترك موروث الرفض والصراخ بوجه الظلم مهما كان خجولا, وسيتحتّم العمل من جديد على الجانب الثقافي والمدني بعد خفوت صوت البنادق, ولا بد من الإصرار على مدنية الفكرة والطرح وحتى النقد والرفض بما يؤسس لأرضية اجتماعية ووطنية تتسع للجميع وتُجلي رمادية المواقف القابلة للتلون مع الظروف وتبعث بآمال جديدة وحقيقة راسخة لجميع الشرائح الاجتماعية والعقائدية بأن القادم أجمل.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن