موت النبي

سعود سالم
saoudsalem@free.fr

2018 / 3 / 5

لا يجب أن يغيب عن الذهن أن الهدف من هذه السلسلة من المواضيع المتعلقة بالفلسفة عموما والفلسفة اليونانية بالذات ليس إعادة كتابة تاريخ الفكر اليوناني ولا الفلسفة اليونانية، وإنما الهدف من ذكر بعض المحطات والوقوف عندها هو محاولة تتبع فكرة ما نسميه اليوم بالواقع La réalité ابتداء من هذه الفلسفة الأولية حتى يومنا الحاضر ومحاولة الإحاطة بهذا الموضوع بالنظر إليه من عدة جوانب كما هو واضح في المقالات السابقة.
فبينما كان طاليس وغيره من أوائل الفلاسفة يبحثون عن أصل الأشياء ومصدرها في المادة، كان فيثاغوراس يبحث عن هذا الأصل في الشكل وفي العلاقات بين الأشياء. بعد إكتشافه لقوانين العلاقات الموسيقية، وإرجاعه الأصوات إلى علاقات عددية متتالية منتظمة، وبعد أن افترض وجود هذه العلاقات والنتائج المتتالية المنظمة في الكواكب نفسها، كان لا بد له من أن يجتاز جسرا جديدا يقوده إلى الفلسفة ليكتشف قانون "الوحدة"، وأعلن أن هذه العلاقات والنتائج المتتالية العددية المنتظمة توجد في كل مكان، وأن العامل الجوهري الأساسي والذي يوحد العالم في كل شيء هو العدد ذاته. ورغم إقتناعه بوجود عدة عوالم - وهو الذي يحكى عن قدرته على الظهور في عدة أماكن مختلفة وفي وقت واحد ـ إلا أنه هناك عالما واحدا فقط يتمتع بالواقعية والحقيقية والوحدة. فهناك عالـَم الأشياء أو العالـَم العادي الذي نعيش فيه والذي ندركه بالحواس، عالم الأشجار والأحجار والبشر والحيوان وكل ما هو مادي وملموس. وهناك بالمقابل عالم آخر أكثر تجريدا ولا يمكننا إدراكه بحواسنا من السمع والبصر واللمس إلخ، وهو ما يسمى بعالم الفلسفة النظري، أو عالم القوانين والثوابت الذي يدركه العقل. وفيثاغوراس يذهب إلى أن هذا العالم العقلي هو وحده العالم الحقيقي الدائم، لأن النواحي الأساسية الدائمة لأي شيء هي ما يوجد بين أجزائه من علاقات عددية ، بل أن الجسد ذاته ما هو إلا علاقة رياضية أو نسبة متوازنة بين أجزاءه وعناصره، والصحة الجسدية هي توازن هذه العلاقات. بطبيعة الحال هذه النظرة المثالية للواقع تقود في أغلب الأحوال إلى نوع من التصوف، وقد انطلقت صوفية فيثاغوراس التي استقاها من مصر وبلاد الشرق الأدنى من فكرة أن النفس أيضا مجرد عدد ويمكن أن تسمو لتتحد بالله. فقال إن النفس تنقسم إلى الشعور، والفهم والتعلم، والعقل. فالشعور مركزه القلب، والفهم والعقل مركزهما المخ؛ ويرى أن الشعور وإمكانية التلقن من صفات الحيوان والإنسان على السواء، أما العقل فيختص به الإنسان وحده، وهو خالد لا يفنى. وتمر النفس بعد الموت بعدة مراحل للتطهير في الجحيم Hades، تعود بعدها إلى الأرض وتتناسخ في جسم جديد، ثم في جسم آخر، وتمر في سلسلة من التناسخات لا تنتهي إلا إذا تمكن هذا الإنسان في إحدى هذه الحيوات من العيش حياة فاضلة منزهة عن أي نوع من الشرور والمحرمات. وكان فيثاغوراس في مرات عديدة يدعي أن روحه قد تقمصت هذا الجسم أوذاك من أجسام الشخصيات الأسطورية أو التاريخية، كجسم البطل يوفوربوس Euphorbus؛ وإنه يذكر بوضوح مغامراته في حصار طروادة، وإنه قد تعرف في هيكلها في أرجوس على الدرع الذي كان يلبسه في تلك الحياة االمليئة بالبطولات والمعارك في ظل آشيل وهكتور وباريس. ويقال أنه سمع مرة عواء كلب كان يضربه شخص ما، فقام لإنقاذه متعللا بأنه قد تعرف من عواء الكلب على صوت صديق له ترك الحياة الدنيا منذ فترة قصيرة.
ويبدو أن هدف وغاية الحياة في النظام الفيثاغوري هو أن تستقر الروح في شكل ثابث وتتخلص من العودة والتقمص. والسبيل إلى ذلك هو ما حدده فيثاغوراس في تعاليمه وسماه "الفضيلة" أي ائتلاف الروح مع نفسها ومع الله. ومن الممكن الوصول إلى هذا التآلف وهذه الوحدة الحلولية بواسطة نوع من الرياضة النفسية والروحية المكونة من خليط من التأمل وممارسة الطقوس. وكان الفيثاغوريون يستخدمون أيضا الموسيقى للوصول إلى حالة الوجد والإلهام الصوفي، كما كان يستخدمها كهنة اليونان وأطباؤهم لشفاء الاضطرابات العصبية.
نصل الآن إلى نهاية هذه القصة المتعلقة بفيثاغوراس ومدرسته وطريقته الدينية والسياسية. ففي عام 510 قبل الميلاد، حصل في مدينة سيباريس الغنية المجاورة لكروتونا، التي كانت تحكمها ككروتونا نخبة أرستقراطية عريقة، تمرَّد قائد يدعى تيليس Télys استولى على السلطة هناك، فأعدم وقتل الكثير من معارضيه الفيثاغوريين، لكن بعضاً منهم تمكن من الهرب إلى كروتونا حيث طلبوا حق اللجوء. ويُمنَح هؤلاء الفارين من سيباريس حقّ اللجوء، رغم معارضة بعض أعضاء مجلس شيوخه كروتونا، مما أثار غضب قائد سيباريس الذي أعلن الحرب على كروتونا كرد فعل على مساندتهم للفارين. غير أن كروتونا - التي كان يقود جيشها البطل الأولمبي والفيثاغوري ميلون - تمكنت من الإنتصار في هذه الحرب التي فُرِضت عليها ولكن في نفس الوقت ازدادت قوة "الحزب الشعبي" الديموقراطي المعارض للنخبة الفيثاغورية الحاكمة في كروتونا وازدادت شقة الخلاف بين أبناء المدينة، تجلى الخلاف حول غنائم الحرب والأراضي المستولى عليها من سيباريس والتي طالب "الحزب الشعبي" بضرورة توزيعها على أفراد الشعب، بينما عارض مجلس الشيوخ الذي كان يقوده الفيثاغوريون ذلك مفضلاً أن تُستثمَر للصالح العام. وكان يقود ذلك الحزب العامِّي ابن عائلة كروتونية غنية يدعى سيلون Cylon de Crotone، سبق أن رفض فيثاغوراس انتسابَه إلى مدرسته بسبب عدم تلائمه مع تعاليم المدرسة، مما أدى إلى تحوُّله إلى معارض شرس للفيثاغوريين. وينظم سيلون ثورة شعبية عامة ضد الحكم الفيثاغوري الأرستقراطي والسلطوي. ويحرض الشعب على التخلُّص من فيثاغوراس وجماعته والهجوم عليهم حيث كانوا مجتمعين في منزل القائد ميلون Milon، وحدثث مجزرة رهيبة ولم ينج منهم إلا إثنان. وتشتَّتت الطائفة بعد أن فشلت من خلال نظامها السياسي. أما فيثاغوراس فلا يعرف ما حلَّ به. حيث يقول بعضهم، نه قتل في حينه مع رفاقه في منزل ميلون على يد المتمرِّدين، ويقول البعض الآخر إنه تمكن من الهروب واللجوء إلى معبد في ميتابونتي حيث قضى آخر أيامه في الصلاة صائماً حتى وفاته. وتتفق جميع الروايات على غموض نهايته حيث لم يجد أحد جثمانه. الحقيقة أنه مات في حدود ٤٩٧، أما ثورة سيلون التي أعلنت نهاية المدرسة الفيتاغورية فقد حددث سنوات عديدة بعد موته في حدود سنة ٤٥٠ قبل الميلاد. أما أتباعه فيدعون إن الآلهة حملت جسده إلى أعالي جبال الأولمب، حيث مازال إلى يومنا هذا يتابع سعي أتباعه ومريديه المستمر في سبيل الوصول إلى تحديد ماهية الحقيقة.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن