سيد حجاب .. واحد من مهندسي الوجدان

حمدى عبد العزيز
hamdyazizzz@yahoo.com

2018 / 2 / 1

منين بييجي الشجن (ا)
ــــــــــــــــــــــــــ

علاقتي بدأت بالشاعر الكبير سيد حجاب قبل أن أري صورته أو أراه متجسداً كدم ولحم وروح كما سيصادفني حظي بعد ذلك سنوات كثيرة وأن أتعرف إليه وأن يضمني إلي أصدقائه وأن يكون لي أستاذاً ومعلماً وشقيقاً أكبر ..
بينما لم يكن في ظني يوماً أن العمر قد يمتد بي ليحدث ما كنت أحلم به
.. مجرد أن أصافحه شخصياً ،
كان أمراً شديد الخيال بالنسبة لي

فنظرتي لشعر العامية المصرية قد تغيرت تماماً يوم أن صادفت نسخة ديوانه (صياد وجنية) عند أحد باعة كتب ومجلات الأرصفة بالقرب من مدخل سينما (علي بابا) التي كنت قد تعودت التسلل إليها أيام المدرسة الثانوية كأي صبي من التالفين الذين يوهمون أهاليهم أنهم ذاهبون إلي المدرسة فيتجهون إلي السينما لمشاهدة الحفلة الصباحية التي كانت تمتد من العاشرة حتي الظهيرة في السينمات الشعبية فتعرض ثلاثة أفلام ، وياحبذا لو كان فيلم (أبي فوق الشجرة ) الذي كان يكتسح جميع هذه السينمات مع أفلام فريد شوقي بينهما ..

كنت قد اهتممت مبكراً بقراءة شعر العامية المصرية تحت تأثير الراديو الذي كان يذيع حلقات الملحمة الشعرية الإنسانية الوطنية (جوابات الأسطي حراجي القط .. العامل في السد العالي) بصوت مبدعها الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي الذي سألتقي هو أيضًا به بعد ذلك بثلاثين عاماً في ظروف ليس مجال سردها الآن ..

وكانت بالأضافة لذلك علاقتي منذ أن كنت في مدرسة "الوحدة العربية الإبتدائية " بمكتبة (الطافش) التي تقع في حي الكيتكات بإمبابة والتي تبيع كتب كلمات أغاني المطربين والمطربات والتي كنت اشتريها كلما وفرت من مصروفي قرشين أو ثلاثة لأدخل عالم الكلمات التي كانت تتطرب قلبي الصغير ..

تلك المكتبة التي اكتشفتها بفعل طلب مدرس الموسيقي منا شراء كتاب الأناشيد الوطنية التي كنا نشدو بها في الطابور الصباحي (بلادي بلادي ) ، (اقسمت باسمك يابلادي فاشهدي ) ، (دقت ساعة العمل الثوري ) ، (ناصر .. كلنا بنحبك ) ..

نقلني غرامي المبكر بهذا العالم إلي قراءة الشعر وخصوصًا شعر العامية المصرية فقرأت أعمال الأبنودي ، وبعدها كنت أقرأ فؤاد حداد من خلال جريدة الأهرام التي كان يعود بها أبي كل ظهيرة فأنتزعها من تحت باطه ومن بين كل ماجلبه لأطالعها ثم أقرأها له بعد أن يفرغ من الغداء ..

أبي كان يحلو له أن يختبر قدرتي علي القراءة من خلال الإستماع لقراءتي لصفحات جريدة الأهرام وهو يستمتع بذلك مع كوب الشاي كنوع من خلق حافز للمذاكرة لدي ، وربما لأنه كان يأتي من وردية العمل مجهداً ولايستطيع تمقيق عينيه في القراءة ،وأظل أقرأ الأهرام لي وله علي الكنبة التي كانت إلي جوار سريره النحاسي المسقوف بقماش أبيض عليه نقوش زرقاء لطيور ذات أجنحة وزيول بديعة إلي يخلد إلي قيلولة الظهيرة ..

سيتوقف بعضكم ضاجراً محتجاً ..
ماهذا ياعم حمدي .. أنت تأخذنا لمناطق بعيدة عن الموضوع وتتفرع بك الحكايات وتنسي أنك تتكلم عن أستاذك الجميل سيد حجاب ..

علي مهلكم ..
من قال أنني لا أتكلم عن معلمي واستاذي فصديقي الحبيب سيد حجاب ..؟

هناك أناس يؤثرون في حياتك لدرجة أنك لايمكن أن تفصل حديثك عنهم عن حديثك الذاتي ذلك لأنهم ببساطة ساهموا في تكوين هذه الذات وفي بنائها ..

وسيد حجاب شكل جزءاً طولياً في تكويني ووجداني علي مدي سنوات عمري حتي رحل فظلت روحه وكلماته هي إحدي مغذيات وجداني الدائمة ..

سأختصر إذن ..
قرأت الأبنودي فؤاد حداد ففؤاد قاعود ..
إلي أن عثرت علي ديوان (صياد وجنية) عند بائع الكتب علي الرصيف ، وذهبت به إلي البيت كصيد سمين ..

كنت أسهر للمذاكرة حتي ساعات تقترب من الفجر فأضع "صياد وجنية" مشرعاً تحت الكتاب المدرسي حتي أفلت من عقاب أبي الذي كان يراقب حرصي علي المذاكرة وعدم الإنشغال اللعب والشخبطة والرسم علي الأوراق بألوان (اللخبطة) الزيتية ..

وبمجرد أن أطمئن إلي إنصراف أبي عن المراقبة أكمل قراءتي لشعر سيد حجاب ..

( .. ملعون أنا ..
لو احلب الكلمه ..
من ضحكة النجمه
، وانسى أغنى لضحكة الإنسان .. )


ــــــــــــــــــ
حمدى عبد العزيز
25 يناير 2018



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن