ماذا يختارالكهنوت اسلامى: الارتقاء أم المذهبية؟

طلعت رضوان
talatradwan@yahoo.com

2017 / 12 / 16


لماذا لم يكتب المفتى (صراحة) أنه ضد المذهبية؟
ولماذا تجاهل المذاهب الفقهية الأربعة بخلاف الفرق الإسلامية؟
انتقد مفتى مصر الأصوليين الذين ادّعوا عدم وجود مذاهب فى عهد الرسول، ووفق نص كلامه ((انطلقتْ دعوة اللامذهبية من عدم وجود المذاهب فى زمن النبى، وما تلاه من القرون)) وأضاف أنّ هؤلاء الأصوليين قالوا عن المذاهب أنها ((مُـحدثة وبدعة وضلالة، واعتبروا المذهبية أخطر بدعة وردتْ على الأمة منذ قرون، لأنها صرفتْ الناس عن الكتاب والسنة، والأخذ بالآراء البشرية، وتحكيم الرجال فى شرع الله)) فكان تعليق المفتى ((ولا ريب أنّ هذه التشكيكات التى تــُـطرح على العامة ولا تــُـحال إلى (علماء) المجامع (العلمية) تــُـعد مصدرًا خطيرًا لنشر الفتن والتشويش على المسلمين، فضلا عن إلصاق صفات الضلال والابتداع والكفر)) ثم استشهد بالكثير من آيات القرآن ليـُـدعـّـم وجهة نظره، واختتم كلامه قائلا ((إنّ القول ببدعة تقليد المذاهب هو الزور والبهتان، ألم يعلم هؤلاء أنّ إتباع النبى فى زمنه حصل بطريق مباشر كما حصل بواسطة الأمراء والولاة. وكان الصحابة يفتون فى حضرة النبى، ولم ينكرعليهم ذلك. فهل كان ذلك تحاكمًـا إلى الطاغوت كما تـدّعون؟)) (د. شوقى علام- مقال بعنوان: اللامذهبية وخطر الانحراف- أهرام17مارس2017)
لقد أرهقنى هذا المقال رغم أننى قرأته أكثر من مرة، كى أفهم موقف فضيلة المفتى، فافتتاحية مقاله تــُـقر بعدم وجود اللامذهبية فى زمن النبى، وأنّ الأصوليين (الذين انتقدهم) من رأيهم أنّ اللامذهبية ((بدعة وضلال..إلخ))
وبغض النظرعن (اللغة الدينية) فى كلام الأصوليين والمفتى الذى تجاهل تناول (خطورة المذهبية) التى تؤدى إلى التعصب، فلماذا اختلف المفتى معهم؟ ولماذا تجاهل وجود أربعة (مذاهب فقهية)؟ ولماذا لم تكن إدانته للأصوليين من موقف الدفاع (عن اللامذهبية) لترسيخ انفتاح العقل على كل التيارات الفكرية بدلا من السجن داخل مذهب معين؟
لقد ذكــّـرتنى تلك المعركة بين المفتى والأصوليين بما كتبه إسماعيل مظهر سنة1929عن الفرق بين المذهبية والتحضر، حيث كان (مظهر) أحد المُــفكرين المصريين الذين شهدوا بزوغ فجر القرن العشرين، وحيث نهضتْ مصر من غفوتها لتـُـزيل غبار قرون التخلف الذى تسبّب فيه الغزاة من فرس ويونان ورومان وعرب وعثمانيين. كتب إسماعيل مظهر مقالا فى مجلة العصورعدد مايو29بعنوان (المذهبية والارتقاء) والمُكوّن من 16صفحة من القطع الكبير، صنـّـف فيه المذهبية إلى: 1- مذهبية اعتقادية تؤدى إلى التعصب لفكرة أو مبدأ أو أسطورة وتنتقل بالوراثة عبر الأجيال 2- مذهبية التعصب للعرق الذى يؤدى إلى النفور من بقية سلالات النوع البشرى وتدفع إلى الحروب 3- المذهبية الطائفية. التى أشعلتْ الحروب الأهلية. 4- المذهبية الفردية أى التعصب للذات الذى يؤدى إلى التحجر.
وعن المذهبية الاعتقادية يدخل الدين كطرف أساسى للتعصب. فذكر أنّ البعض يعتقد بأنّ الصراع بين العلم والدين انتهى. وأنهما تصالحا على أنْ يكون لكل منهما مجاله: الدين عالمه (الذات) والعلم عالمه (الموضوع) بينما نفى فريق آخر وقوع الصراع بينهما. بينما رأى مظهر أنّ الإنسان ثارعلى المعتقد للدفاع عن الارتقاء. ليُصارع التقاليد الموروثة والأساطير. وإنّ الدين هو أقسى ضروب المذهبية أثرًا فى النفس وأقواها ولكنه يضعف أمام العقل الناقد. وإنّ المذهبية الاعتقادية كانت من أقوى الموانع دون الارتقاء. وأكبر دليل على هذا الصيحة التى صاحها الغرب فى وجه الكنيسة، وانتهتْ بفصل الدين عن الحكومة.
وعن خطر المذهبية الطائفية فإنّ مجرد وجود أقلية مندمجة فى أكثرية، تسبّبتْ فى ظهور التعصب، لأنّ طبيعة الأكثرية الميل إلى الاستبداد والاستئثار بالمصالح الكبرى فى دولة ما من الدول. ومن صفاتها احتقار الأقليات، وهو ما يؤدى إلى إذلال الأكثرية للأقلية، فيبقى جسم الأمة مسمومًا بسم الطائفية. ولا جـُرم أنّ هذا من أكبرعوائق الارتقاء. إنّ الآثار التى خلفتها تواريخ الكنائس على مر العصور بلغتْ أقصى الضرر بترقى الإنسانية. بل كانت الحائل الأكبر دون الإخاء الإنسانى. وكانت موئل الخلافات ومبعث الشرورالاجتماعية. وعلينا أنْ نتذكرأنّ الإنسان ليس له أى اختيار فى دينه. وأنه يولد محفوفــًا بثلاث ضرورات أولية: الأولى أنه يوجد والثانية أنه يموت والثالثة أنْ يكون له دين. أما الضرورتان الأولى والثانية فطبيعيتان. أما الثالثة فهى صناعية فيها من أثر العادة أكثر مما فيها من الطبيعة. ولن يكون نظام هذا شأنه مفيدًا للإنسانية أو مسايرًا للارتقاء. بل هو نظام موروث يُحدث اتجاهـًا فكريًا من شأنه أنْ يزيد من فجوات النظام الاجتماعى ويُـكثر من تصدع الاتحاد الإخائى. بينما حاول الفلاسفة سد هذا التصدع الإنسانى. لهذا فإنّ إلغاء نظام الكنائس نعمة كبرى. وفى إلغائه أكبر خدمة للإنسانية.
فى ختام هذه الدراسة كتب إسماعيل مظهر((إنّ الثوب المذهبى إذا لابس أية صورة من صور الفكر أو المعتقد أو الميول أو النزعات، كان أكبر دليل على بدء طور من الانحلال تظهر نتائجه تدريجيًا على مر الزمان. إنّ الارتقاء والمذهبية عدوان لدودان. ولن يكون ارتقاء مع مذهبية. ولن تكون مذهبية مع ارتقاء. إذن وجب علينا أنْ نـُـضحى بأحدهما ليخلص لنا الآخر. ولاجُرم أننا نـُـضحى بالمذهبية لنخلص بالارتقاء ونتجه إليه فى خطانا نحو الحضارة الصحيحة)) فهل يستطيع المفتى أو أى أصولى الارتقاء إلى مستوى هذا الفكر المستنير (فى عام1929)؟ لذلك لم تكن د. لطيفة الزيات مغالية فى رأيها وهى تصف مشهد وداع عميد الثقافة المصرية (طه حسين) إذْ كتبتْ ((وأنا أشيع جنازة طه حسين شعرتُ أننى أشيّع عصرًا لا رجلا عصر العلمانيين الذين جرءوا على مساءلة كل شىء. عصر المفكرين الذين عاشوا مايقولون وأملوا إرادة الإنسان حرة على إرادة كل ألوان القهر))
000
هامش: إسماعيل مظهر(1891- 1962) عالم لغوى ثم اتجه إلى علم الأحياء وعكف على قراءة مذهب دارون فى النشوء والتطور. وترجم كتابه (أصل الأنواع) عام 1918كما صدر له كتاب من تأليفه بعنوان (ملتقى السبل) عام 24 تحاور فيه مع المذهب المادى عند شبلى شميل كما انتقد فيه رسالة (الرد على الدهريين) لجمال الدين الإيرانى الشهير بالأفغانى. ورأس تحرير الموسوعة العربية الميسرة ومجلة (المقتطف) وأصدر مجلة العصورعام 27.
***





https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن