خطاب الخلافة والعودة إلى فتوى ماردين

جاك جوزيف أوسي
Jackaussi@hotmail.com

2017 / 7 / 15


فتوى ماردين هذه أطلقها ابن تيمية حين سئل عما إذا كان قتال التتار ومن حالفهم وظاهرهم من أهل ماردين وأهل الأمصار المحيطة بها جائزاً شرعاً، لأن التتار في ذلك الوقت كانوا مسلمين واعتبرهم البعض أولياء الأمور في البلاد التي حكموها، ولذلك حسب فقه الديني السائد حينذاك، لا يجوز قتال المسلمين أو الخروج عن طاعة ولي الأمر، أي لا يجوز قتالهم. وأهم ما تحتويه هذه الفتوى أنها أضافت تقسيماَ جديداَ إلى التقسيم الفقهي السائد لمفهوم الديار (دار كفر و دار إسلام) وما يترتب عليه من أحكام فقهية، وهو تقسيم (الدار المركبة) التي يحكمها ويمسك بزمام الأمور فيها مسلمون، ويكون قضاتها وجندها كذلك مسلمون، ولكنهم فاسقون أو ظالمون أو لصوص يسرقون مال الرعية، وهنا ينطبق عليها حكم دار الحرب من جواز قتالهم والخروج عليهم، ولكن ينطبق على عامة سكانها في الوقت نفسه وصف أهل دار الإسلام، فتجب حقن دمائهم ولا يجوز المساس بهم أو إيذائهم. وهذا ما لم يُطبق في أي وقت من الأوقات بسبب فتوى التتر، التي أطلقها أيضاً ابن تيمية، واختلاف قراءة كلمة في فتوى ماردين بخصوص غير المسلمين... ويقاتل (ويعامل) الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه.
وقد استلهمت معظم الحركات الإسلامية السياسية الحديثة فكرها، في جواز التمرد على الأنظمة القائمة الفاسدة أو المتعاونة مع (أعداء الأمة) والاعتداء على المواطنين الآمنين، من نص فتوى ماردين هذه وروحها.
ويُعد أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة السابق أول من استعاد هذه المفردات في بداية القرن الحادي والعشرين، في خطابه بُعيد هجمات 11 أيلول 2001 حين قال: (إنّ هذه الأحداث قد قسمت العالم بأسره إلى فسطاطين: فسطاط إيمانٍ لا نفاق فيه، وفسطاط كُفْر). وتوعّد بالثأر من واشنطن بسبب ما تعيشه البلاد الإسلامية من بؤس بسببها. ولم يشّذ البغدادي عن هذا الخطاب حين قسّم العالم إلى (فسطاطين اثنين، وخندقين اثنين. فسطاط إسلام وإيمان، وفسطاط كفر ونفاق)، واضعاً في (الفسطاط الثاني) كلّ (أمم الكفر، وملله، تقودهم أمريكا وروسيا، ويحركهم اليهود).
ففي خطابه الأول الموجّه إلى رعيته، دعا البغدادي جميع المسلمين إلى (الهجرة إلى دولة الإسلام)، إذ (ليست سورية للسوريين، وليس العراق للعراقيين). وشدّد (الخليفة إبراهيم) على أنّ (الهجرة إلى دار الإسلام واجبة على من استطاع). بطريقة توحي بحرص (دولة الخلافة) على (الرعيّة)، خصّ (أمير المؤمنين) بندائه (طلبة العلم والفقهاء والدعاة، وعلى رأسهم القُضاة وأصحاب الكفاءات العسكرية والإدارية والخدمية ... فالنفير واجبٌ عليهم وجوباً عينيّاً). وضمّن دعوته إشارة إلى أن (أصحاب الكفاءات) سيحظون بمكانة خاصة، ذلك أن (الناس متعطشون لمن يعلّمهم، ويفقههم). ولأن (دولة الخلافة) هي (دولة جهاد)، فقد حرص (الخليفة) على إنهاء رسالته كما بدأها بمخاطبة (جنود الدولة)، فقال مؤكداً: (لا أخشى عليكم كثرة أعدائكم... وإنما أخشى عليكم من ذنوبكم، وأنفسكم). واختتم بالتأكيد أن (هذه وصيتي لكم، فإن التزمتموها لتفتحُنّ روما، ولتملكُنّ الأرض، إن شاء الله).
هذا الخطاب، في عصر أصبحت فيه الأمم تسعى إلى الانفتاح على الآخر والتحاور مع المخالف فكرياً واجتماعياً، وبدأت فيه الدول بالعمل على تفعيل مفهوم المواطنة بغض النظر عن أي انتماءات أُخرى، وأصبح لدى بعض القوى العالمية من السلاح التقليدي وغير التقليدي ما يمكّنها من تدمير الأرض وما عليها، فما بالك بهذه الدولة؟
غير مستساغ بل هو يخالف حتى القراءة التاريخية لحركة الإسلام، إذ يُجمع المؤرخون على أن الفترة التي تُعتبر فترة الخلافة الحقيقية هي عصر الخلفاء الراشدين الأربعة، أما ما تلاها في فترة (المُلْك العضوض) منذ عصر الأمويين إلى العثمانيين الذين كانوا أشد الناس ظلماً للمسلمين عموماً والعرب خصوصاً، بعد أن منعوا عنهم وسائل العلم والمعرفة وساهموا في تخلفهم بشكل كبير. ولا تزال المنطقة حتى الآن تعاني من آثار هذا الاستعمار العثماني الذي لبس لبوس الدين.
إن مواجهة هذا الفكر تقتضي الاعتراف بأنه نبتة سامة ظهرت بيئة احتضنتها وساعدت على نموها، ولا يمكن اجتثاثها سوى بتجفيف منابعها في هذه البيئة، التي قد تنتج ظواهر أكثر تطرفاً من (داعش)، وفي مقدمة تلك المنابع استمرار الصراعات الدموية على السلطة، والتنكر لقيم الحرية والديمقراطية والتعددية والمواطنة بوصفها حقوقاً أصيلة للفرد، والمراهنة على الحلول الأمنية والعسكرية في معالجة الأزمات التي تعصف بالمجتمع، واستشراء الفساد السياسي والاقتصادي والمالي وتراجع مكانة الدولة وسلطتها، وظهور النعرات الطائفية والمذهبية بتشجيع من قوى سياسية للحفاظ على مكاسبها الفئوية، وانتشار خطاب ديني شعبوي مستمد من فترة حروب الفرنجة وغزوات المغول والتتار يحاكي الغريزة على حساب خطاب ديني يخاطب العقل ويماشي العصر ويحترم المفاهيم الإنسانية التي بشّر بها الأنبياء والمفكرون والمصلحون.

بقية المقال على الرابط التالي:http://www.an-nour.com/عربي-و-دولي/item/9709-تداعيات-إعلان-الخلافة-الإسلامية-على-دول-المنطقة-والعالم



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن