دستور يا شيخنا الكبير

أحمد صبحي النبعوني
alnabbouni@gmail.com

2017 / 6 / 14

قصة قصيرة جدا
دستور يا شيخنا الكبيررر

دستور يا شيخنا الكبير .. مدد يا سيدنا ..هذه الجمل ما زالت عالقة في تجاويف ذاكرتي أيام طفولتي المشاكسة .. جرت عادة نسوة حارتنا ومعهن والدتي التي كاتت تصحبني معها أينما ذهبت ، زيارة القبور في عصر كل يوم خميس ، علما إننا لم يكن لنا ميتا حديث الدفن حينها ومع ذلك لم تنقطع زيارة نسوة حارتنا للقبور ... وأنا أشاهد طقوس هذه الزيارة وأندهش وأفكر في كل تفصيل صغير من سلوكهن .. لماذا نرش الماء على القبور هل الميت سيشرب ذاك الماء ... ؟ لماذا كل هذا النواح ونحن بجانب القبر .. هل كان صاحب هذا القبر قريب والدتي مثلا ..
لماذا يجب أن نزور الموتى؟ السؤال لم يبقى بسيطاً على حالته الأولى، بل تشعّب إلى عشرات الأسئلة، مثل: لماذا يجِب أن نُدفن؟ أو عندما أسمع بأحدهم قد مات في الخارج وعائلته تريد جسده، تُطالب بجسده..
فكرة المُطالبة بالجسد، أو كيف أن الإنسان عندنا ليس حراً في جسده، لا في الحياة ولا في الممات، أي أنّ «جسد الميت بعد الموت يعود لأهله»!.. هذه الجملة الأخيرة من أكثر الجمل المُبهمة في حياتي، قد تلخّص تصوّراً ومفهوما كُلياً للحياة.. وللموت.
.بعدها وهنا الفصل الأشد رعبا في هذه الزيارة ... نذهب إلى غرفة صغيرة وسط القبور يعلوها قبة خضراء ووسط هذه الغرفة قبر كبير ملفوف بقماش أخضر عليها كتابات من القرأن .. تمد والدتي يدها على القبر وتتمتم في سرها ثم ترفع يدها إلى السماء وأنا ملتصق بطرف ثوبها مرتعب وخائف .. أتخيل أن شبح ما سيخرج من هذا القبر ...وبجانب هذا القبر الأخضر صندوق خشبي مثقوب كنت أشاهدهن يضعن النقود فيه ... وكم مرة كنت أحلم لو كان هذا الصندوق لي ... نخرج من هذه الغرفة بعد أن نمسح بأيدينا على أقمشة القبر فتهدينا صاحبة الغرفة شريطا من هذا القماش نضعه سوارا حول أيدينا ليحمينا الله ببركة صاحب القبر شيخنا الكبير المتوفي منذ مئات الأعوام ...وعندما نخرج نلتقط بعض الأحجار الفخارية الصغيرة من الأرض ونقوم بفركها بزوايا جدران الغرفة من الخارج .. إذا التصقت هذه الأحجار بالجدران فهذا يعني إن شيخنا الجليل قد تقبل زيارتنا وأن مرادنا وأحلامنا سوف تتحقق ...
لكن ما كان يزيد من حزني وخوفي هو مشهد بعض النسوة اللواتي كنا يلتففنا حول قبر جديد على مايبدو ، حيث يمسكون بأيديهم التراب ويفركوه برؤوسهن وشعورهن وهن يرددنا عبارات وجمل لم أفهم معانيها بشكل دقيق لكن الذي كنت أعلمه أنه مشهد بكاء وعويل وصراخ فوق قبر أحد الأشخاص استشهد في الحرب وهو في ريعان الشباب . قبل الغروب عبر شارع طويل تعود جميع نسوة بلدتنا بلباسهن الأسود إلى منازلهن وأنا فرح بنهاية هذا الكابوس المزعج والمفزع لأي طفل صغير يشاهد هذه التفاصيل ..وبكمية السكاكر التي كانت في جيوبي وبأغصان الزيزفون التي كنت أحملها بيدي لأضرب بها الخراف التي كانت تجتازنا أثناء عودتنا ونحن على الطريق .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن