رقص السماح

أحمد صبحي النبعوني
alnabbouni@gmail.com

2017 / 6 / 2

رقص السماح
الرقص الشعبي هو إبداع الناس، ونتاج الحياة نفسها، يعكس أعمالهم ،
وأعيادَهم، واحتفالاتهم، وتاريخَهم ، وعاداتهم الخاصة و الاجتماعية.......
ودراسة الرقص تعود بنا إلى الماضي البعيد حيث نجد أقدم الرَقَصات الشعبية...
قد ارتبطت بالعمل ، أو كانت انعكاس لأفكار الإنسان. ومن الطبيعي أن يشاكل الإنسان الذي يمتلك جسدا يحكمه الإيقاع والانسجام والتناسب والتناغم والحركة المرنة بعض الإيقاعات الحركية في الطبيعة، وقد وجد في هذه المشاكلة مجالا للتعبير الجمالي بالحركة عن مشاعره؛ وهكذا وخلال تعاقب الحضارات البشرية نشأ علم الجمال الحركي متلازما أو متوازيا مع علم الجمال الصوتي.
تنتشر في سورية وبلاد الشام عموماً أنواعٌ من الرقص، منه المشهور جداً مثل (الدبكة) و(العربية) و(السحجة).. غير أن السماح يمتاز بأنه رقصٌ ارتقى من سحر الشعر والموسيقا بآن معاً.. واستحالتْ إيقاعاتهما إليه.. فـ (السماح) فنٌ يحمل ثلاثة فنون متعاشقة..وهو يعكس السمات الثقافية العميقة لامتدادت حضارية شاسعة تبدأ من الشرق الذي جاءت منه التأثيرات الفارسية والعراقية والتركية على الموشح الحلبي.. ومن الغرب.. من الأندلس المكان الذي جاء الموشح نفسه منه.. وهكذا جمعَ (السماح) الثقافات التي أدت إليه جميعاً، وهو يستحق أن يشكل قيمة ثقافية فنية راقية تُقدم إلى العالم.
قد تطور الفن الموسيقي وبلغ أوج كماله في عهد الملك الفارسي جمشيد، فكان يحب المرح والمجون واعتنى تنسيق رقص السماح، حتى اصبح يحتل المكانة الأولى في بلاطه، وأكبر دليل على عظمة الفن الفارسي، أن أكثر النغمات التي نعرفها وتدخل في موسيقانا العربية والموسيقى الشرقية وحتى في الموسيقى العالمية، فارسية الأصل وتدل عليها أسماؤها، كالسوزناك والحجاز والنهوند والنواثر والعجم ومنها عجم عشيران، وعجم كرد والشاهناز والنكريز والطرز نوين والفرحفزا والفرحتاك....
ومن أبدع الأوزان في رقص السماح هو ( السماعي بأقسامه الثلاثة) فان تم التنسيق والانسجام، وتجلى الاندماج الفني بأروع مظاهره بين العذارى المائسات في القد والأيدي والأرجل وانخطفن في دلال وحشمة ووقاربالهزات والانثناءات التي تفرضها الأصول، وغدت القدود تزدري ميل الغصون، وقد فتكت سهام العيون بالناظرين، فخفقت القلوب بالتنهدات والأنات الخافتة، فسكروا من نشوة المعاني والفنون، خلت نفسك في عالم السحر والخيال والشعر والأحلام، واسمع ماقاله احد الشعراء الصوفيين في هذا المعنى:
الكاعبات الناهدات المترفات الناعمات………. المرهفات السالبات الجالبات شجون
الناعسات لواحظا الحاليات مراشفا……….. الراقصات عجائبا وجنونهن فنون
وهذه الرقصة اختصت به مدينة حلب وحدها دون سواها من عقيل المنبجي المدفون في ذروة جبل في قضاء منبج يسمى باسمه جبل الشيخ عقيل، ومنبج هذه مدينة تبعد عن حلب 60 كم ....وكان رحمه الله شيخ طريقة الأحمدية الموهوبين المرموقين ذوي الكرامات والخوارق، اخترع هذه الطريقة من الأذكار التي يلجأ إليها أصحاب الطرق الصوفية في خلواتهم عندما يتحلقون حلقات حلقات في الزوايا يذكرون الله في طرائق شتى، وفي أنغام متنوعة وموقعة على الضروب والأوزان، يرمز إليها بالأرجل، أو بالأيدي، أو بتقديم الصدر أو بتأخيره، وما هي إلا أن تبدأ حلقات الأذكار بإنشاد الموشحات حتى ترى أصحابها يتنقلون على حسب التواقيع ولأوزان، ويروحون ويجيئون في القاعات ويضربون الضرب بالأيدي والأرجل.
وبعد هذه المرحلة يعود الفضل في انتشار رقص السماح، للفنان الشيخ عمر البطش الذي أدخل عليه العنصر النسائي فجمله في تشكيلات فنية مبتكرة وحركات انسيابية جعلت منه رقصاً دنيوياّ شعبياّ. حيث يرتدي فيه الرجال الأزياء الحلبية الشعبية مثل القمباز أو الصدرية والسروال ويشدون على وسطهم الشال مع الحذاء الحلبي الأحمر. بينما ترتدي النساء الألبسة الفضفاضة المحتشمة مع الطرحة على الرأس. بعد تطور هذا الرقص على يد البطش غدت حركات الأيدي والأرجل خلال الرقص تنطبق مع إيقاعات الموشحات بحيث يختص كل إيقاع إما بحركات الأيدي أو بحركات الأرجل أو بالاثنين معاً.
ابتكر البطش وصلات جديدة من السماح لم تكن معروفة من قبله، منها وصلات مشبكة من مقامات الرصد والحجاز والبيات على أوزان المحجر، والمربع، والمدور، والمخمس، والسماعي، والثقيل الدارج، ومن أجمل وصلات رقص السماح "يا عربياً في الحمى"، و"إن طال جفاك يا جميل"، وموشح "لما بدا يتثنى".
أحمد النبعوني



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن