سيكولوجية العصبية الدينية

ماهر رزوق
maherrazouk@gmail.com

2017 / 5 / 21

سيكولوجية العصبية الدينية



في كتابه : التخلف الاجتماعي سيكولوجية الانسان المهدور ... يستحضر المفكر و الكاتب الكبير (مصطفى حجازي) فكرة العصبيات و يتحدث بإسهاب عن أثرها الكبير في الهدر على مستوى الفرد و الوطن ... و قراءاتي للدكتور مصطفى دائماً تحفز في نفسي التساؤلات حول مسائل و عوامل مختلفة ساهمت من قبل ، و مازالت تساهم في تخلف الانسان العربي و عدم قدرته على اللحاق بالحداثة الأوربية و الغربية ...
يذكر الدكتور مصطفى أن العصبيات لها أشكال متعددة لكنها جميعها تساهم في إضعاف الوحدة الوطنية و عجز الانسان العربي عن تكوين وطن يضمن المساواة و الأمان و التوازن النفسي و الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي ... ذلك طبعاً لأن فكرة قيام وطن يضمن كل ما سبق ، ستؤدي إلى تماهي هذه العصبيات فيه و زوالها بشكل تدريجي ... فالعصبية تتغذى على فكرة التقسيم و التمايز ، و فكرة الوحدة الوطنية تعد من ألد أعدائها !!
من الأشكال المتعددة للعصبيات هناك العصبية العائلية و القبلية و الطائفية و الدينية و العرقية و العشائرية ... الخ
كل من هذه العصبيات تلعب دوراً هاماً في تقسيم المجتمع و السيطرة على طاقات الشباب و هدرها على أفكار جامدة لا تساهم أبداً في تقدم الانسان العربي ...

لكن سؤالي الأساسي هنا : لماذا قد تتغلب إحدى هذه العصبيات على الأخرى ؟ و كيف تستطيع أن تلغي دورها و أثرها تماماً ، فينبذها الشخص و يرميها كالملابس القديمة المهترئة ... لينضوي فقط تحت لواء عصبيته الجديدة !!؟

في حالات كثيرة شهدناها في الساحة العربية ، هذه الأيام أو من قبل (في التاريخ) ، كان هناك أمثلة واضحة على هذا الأمر : مثل شخص ما يتجاوز عصبيته العائلية و القبلية و العشائرية ... و يقدم على قتل أمه أو أخوه أو أخته ....و ذلك بسبب عصبية كانت أكثر تأثيراً كالعصبية الدينية أو الطائفية !!
ما الذي يساعد في تفوق الرابطة الدينية على رابطة الدم !!؟

تعترف الديانات الثلاث (يهودية ، مسيحية ، اسلام) ، بنبوة إبراهيم و تعتبره كلّ منها ، أنه المؤسس الأكبر و عماد فكرة توحيد الإله ... و بالتالي فقصة ابراهيم مع ابنه اسماعيل ، تعتبر تراثاً مشتركاً بين هذه الديانات و أثرها ينطبق عليهم جميعاً ...
و القصة المعروفة تقول ببساطة أن ابراهيم تحدث مع الإله في الحلم ... و أن الإله أمره أن يذبح ابنه اسماعيل ... و أن ابراهيم امتثل لأوامر إلهه ، و كان سيقدم على التضحية بابنه ، لولا أن الله استوقفه و أبدل اسماعيل بالخروف في آخر لحظة ... !!

هذه القصة تجعلنا نفكر : بأن تراثنا الديني قد علمنا منذ القدم ... أن الأوامر الدينية (الالهية) ، يجب أن تنفذ مهما كان الثمن ... و أن الروابط العائلية أو القبلية أو أي روابط أخرى لا تعني شيئاً أمامها !!
كذلك يصف القرآن تنكّر الأبناء لأهلهم (و العكس) ، في يوم القيامة ، أي أن هذه الرابطة العائلية ، هي رابطة مؤقتة ... بينما الرابطة الدينية باقية للأبد !!

لكن يتبادر للذهن الآن سؤال مهم : لماذا كان لهذه القصة الأثر الأكبر على المسلمين ... بينما تلاشى أثرها على اليهود و المسيحيين ... رغم اشتراكهم جميعاً بهذه القصة في التراث !!؟

أعتقد أن السبب يعود إلى أن اليهود كان شغلهم الشاغل : أرض الميعاد و حلم تأسيس وطن يجمعهم ... كما أنهم عدّلوا في كتبهم المقدسة ، فحذفوا و أضافوا ليخدموا قضيتهم الكبرى التي تغلبت على مشاعرهم الدينية و أحلت مكانها واجباً دنيوياً مقدساً أيضاً !!

أما المسيحيين فالسبب أعزوه إلى أن المسيح نفسه كان ثائراً في عصره على جمود الشرائع و قسوتها ، و بالتالي على التراث ، فأصبح رمزاً لرفض ما يتخالف منها مع سعادة الانسان الروحية و يشوه معالمه الانسانية و ينزع الرحمة من قلبه !!

المسلمون هم الوحيدون الذين ظلوا مخلصين لذلك التراث ، حيث حفظه قرآنهم الذي هو كلام الإله نفسه ، و لا يسمح لهم أبداً بالتشكيك بصحة هذا الكلام أو مصدره !!
فكان لهم الحصة الأكبر و الأعمق من أثر هذا التراث على نفوسهم و بالتالي كانت عصبيتهم الدينية أقوى و أصلب من أي عصبية أخرى ... بل إنها عملت على إزالة كل أثر لأي عصبية أخرى حتى حققت الغائها تماماً و سيطرتها هي فقط على عقولهم و أفعالهم و ردود أفعالهم !!



MAHER RAZOUK



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن