هل انهارت الثورة الإشتراكية حقا ؟

بشير شريف البرغوثي
bashirbargothe_2007@yahoo.com

2017 / 5 / 1

قبل البحث في الأسباب التي أدت بثورة عظيمة كثورة أكتوبر إلى الانهيار , لا بد من الاتفاق أولاً على أن هذه الثورة قد انهارت فعلا بفكرها و رموزها و نموذجها و امتداداتها و هذا لم يحصل إطلاقا و الدليل هو أننا نناقش الآن هذه القضية بكل حرارة و حيوية . حقا لقد تفكك الاتحاد السوفييتي و لكن ذلك لا يعني انهيار الثورة . هذا وهم خطير روجه البعض بمقاصد بريئة لكن كثيرين أيضا روجوه لغايات تكريس و تأكيد انتصار الإمبريالية في وجه خصمها اللدود و خصمها ليس الاتحاد السوفييتي بل كل الشعوب المقهورة , أي أن معزوفة اللحن الأخير هذه هي جزء من حملة ترويع للشعوب .. و كأنها تقول لها : هذا حليفكم الأقوى قد انهار فلا أمل لكم ! وللأسف فقد نجحت هذه الدعاية في مواقع كثيرة و منها الثورة الفلسطينية حيث استعمل تفكك الاتحاد السوفييتي كتبرير ساذج و / أو خبيث لعقد اتفاقية أوسلو و التسليم للولايات المتحدة بكل مفاتح العقد و الربط ثم القفز في العربة الصهيونية نحو الحل السلمي المنشود !
و كثيرةٌ هي الدراسات التي خلصت إلى أن القرن العشرين الذي شهد في بدايته اندلاع ثورات واسعة النطاق في أنحاء كثيرة إلا أن كل تلك الثورات قد دفنت في نفس التابوت الذي دفن فيه ذلك القرن العشرون , لكن هؤلاء يقفون أمام معضلة تحيرهم : فكيف ماتت تلك الثورات و تخلد قادتها ؟
بصرف النظر عن التباينات الحادة أحيانا لدى التطبيقات التقدمية المختلفة إلا أن لينين باقٍ حتى الآن , و ربما بدرجات أقل بقي أيضا ما وتسي تونغ مرجعا للسياسة الصينية و لو أدبيا أو شكليا و كذا هوشي منة و جيفارا و كاسترو و تيتو و لومامبا و غيرهم , و لكل من هؤلاء رصيده الثوري قلّ أو كثر في هذه المنطقة أو تلك من أرجاء عالمنا .
فهل تم تخليد هؤلاء لأسباب شخصية تتعلق بأناقتهم الشخصية أو ممتلكاتهم الخاصة ؟ أم بسبب ما أنجزوه لشعوبهم و للعالم من تقدم و نهوض - أو على الأقل محاولة جسورة للنهوض ؟ إذن هو الفكر ما قد خلد و عاش
أما المنهج الثوري لثورة أكتوبر و التقاليد الثورية في العمل فإنه قد انتشر بأشكال متعددة لدى كل شعوب العالم بما في ذلك أوروبا و أمريكا بل إن كثيرا من شعوب الأرض قد طبقت أسلوبا أو آخر من أساليب العمل تلك سواء من حيث ضرورة إيجاد التنظيم القيادي و الطليعة أو من حيث أشكال تعبئة الجماهير و تنظيمها و تفعيلها من أجل ان تنهض لتحمل مسؤولية تحقيق أهدافها في الحرية و العدالة الاجتماعية
لقد امتد صدى منهج هوشي منة إلى نيلسون مانديلا من حيث الإصرار و لو في أسوأ الظروف على التمسك بوحدة بلديهما و نبذ أية حلول مؤقتة كانت ستطيح بمنجزات شعبي البلدين - هذا رغم وجود اختلاف جذري في الغايات النهائية بين الرجلين و تنظيماتهما
بل إن بعض الحركات الإسلامية وجدت تربة خصبة لتشكيل طلائع نخبوية من بين فئات و شخصيات يسارية الفكر تمرست قبلا في أساليب التعبئة و القيادة و مثلا لم يكن هناك أقدر من منير شفيق الماركسي ( المسيحي ) عل نشر فكر الثورة الإيرانية ( الإسلامي ) في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية منذ سنة 1979 قبل ظهور حركة حماس و الجهاد الإسلامي بسنوات , و الأمثلة لا تعد
إن عظمة أية ثورة تكمن في النموذج الذي ترسيه للبشرية , و من هذا الوجه , فإن ثورة أكتوبر بقيت و نجت , أما المسؤولية عن العثرات التي تتعرض لها مسيرات الشعوب المكافحة من أجل تحررها من الاحتلال و الاستغلال فهي مسؤولية القيادة الثورية في كل منطقة بعينها و حسب ظروفها الموضوعية و الذاتية حيث لا يمكن تحميل الماضي مسؤولية فشل البشر في مواجهة حاضرهم , و على أي حال , فإن كفاح الشعوب يسير إلى الأمام دوما و لكن ضمن صعود و هبوط و ليس في خط مستقيم
و من قال إن معركة البشرية كلها سوف تحسم في قرن واحد من الزمان
إن إعدام هذا الإرث الثوري هو عمل عدمي و الثائر الحق هو من يهضم التجربة و يتجاوزها و ليس من يقفز في الهواء عن كل ما سبقه



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن