العرب يكرهون العمل

عايدة الجوهري
ajawhary@hotmail.com

2017 / 5 / 1

أنا أفترض أنّ المجتمعات العربية لا تكرم العامل، ذهنيًّا كان أم عضليًّا، لا لأنّها محكومة من قبل أنظمة أوليغارشية نيوليبرالية تسوّق لأيديولوجيّتها، بل لأنّ الثقافة العربية القديمة والحديثة لا تُقيم في الأصل وزنًا للعمل، كنشاط إنساني محوري، وكجهد خلاّق يهدف إلى تأمين حاجة إنسانية محدّدة، وكلقاء بين الإنسان المبدع والمنتج والعالم المحيط به، وكنشاط لا يرتبط بمبدأ الحاجة فحسب، بل بمعنى كينونة الإنسان نفسها، فالإنسان عندما يقوم بعمل معيّن مادّي أو رمزي، فإنّه يُنتج نفسَه أيضًا.
وكلّما اشتدّت وتيرة الاستبداد السياسي، أو السياسي – الديني، تضاعف احتقار العمّال المنتجين للثروات، ويحضرني مثل فاقع على هذا الافتراض، وهو ما حكمت به محكمة سعودية في شهر كانون الأول المنصرم، والقاضي بجلد عشرات العمال الأجانب وسجنهم، لمشاركتهم في احتجاجات على عدم تسديد مجموعة بن لادن أجورهم لأشهرٍ عدّة، حسبما ذكرت تقارير إعلامية موثوقة.
من أوروبا جاء الاهتمام بمصائر العمّال، كتعبيرٍ عن تطوّر النظرة إلى مفهوم العمل نفسه، وهو التطوّر الذي واكب في أوروبا صعود البورجوازية، والتطوّر الصناعي والإصلاح الديني البروتستانتي.
لم يكن الاكتشاف الليبرالي لقيمة العمل، ولا لاحقًا، الاكتشاف اليساري لدور العامل المركزي في عملية الإنتاج، يسيرَ الولادة، فتحويل العامل من «عبد» كما كان عليه في العهد العبودي ثمّ الإقطاعي، إلى سيّد كما شاءه اليساريون، استلزم جهودًا نظريّةً متلاحقة قيّمة، أعقبتها جهود سياسية نضالية.
بدأت الجهود النظرية مع الحركة الإصلاحية البروتستانتية التي قدّست العمل لا العامل، ثمّ ازدهرت هذه الجهود في الخطاب الليبرالي الاقتصادي، الذي مجّد بدوره العمل لا العامل، إلى أن بادر هيجل إلى ردم الهوّة بين العامل والعمل، ممهِّدًا الطريق أمام اليساريين كي يجعلوا من العامل مبتدأَ تفكيرهم في الاقتصاد والعدالة ومنتهاه.
حاليًّا، ورغم كلّ الإنجازات النظرية، والمكاسب العملية، النسبية، التي تحقّقت للعمال في الغرب عمومًا، نكرّر العضليين والذهنيين، لازالت هذه المكاسب مهدّدة تحت وطأة النهج النيوليبرالي، القاضي بتحرير رأس المال من «الكوابح»، وفي مقدّمها الضمانات الاجتماعية، والأجور الوافية، إلاّ أنّ هذه الإنجازات النظرية والمكاسب العينية، لازالت ماثلةً في ذاكرة بعض الشرائح الاجتماعية، وتُتيح لهؤلاء إعادة بلورة مواقفهم وخطاباتهم ونضالاتهم، من أجل تعديل علاقات القوة، ولو نسبيًّا، لصالحهم.
أمّا عربيًّا، فلازلنا في البدايات، ولا يكفي وجود اتّحاد عمّالي وازن في بلد عربي واحد، كي يكونَ المشهد ورديًّا.
وأنا أردّ هذا التردّي العامّ إلى عدم تحوُّل «العمل» بحدّ ذاته إلى قيمة ثقافية واجتماعية عليا، وإلى عدم استدخال المفاهيم والمقولات الحديثة التي راجت حوله منذ القرن السادس عشر في أوروبا.
وإذا نظرنا إلى وسائلنا الإعلامية على أنواعها، المرئية والمسموعة والمكتوبة، نجد أنّها لا تكترث بقيم العمل، وتحتفي ببلادةٍ بعيد العمّال نفسه، وبعض البلاد العربية الثيوقراطية لا تعترف به أصلاً.
ونحن قلّما نقعُ على كتاب عربي يعالج مفهوم العمل، والنظرة إليه عند العرب، فما بالك بضرورة التأمّل فيه والتنظير له، كمصدر حقيقي للثورة المادية والرمزية، وكفاعل في تمدين الإنسان وترقيته وصقله، شرط أن يتمّ في شروط إنسانية غير استلابية. وإذا فتّشنا قليلاً في تراثنا القريب، وجدنا أنّ مفهوم العمل وواقع العمال لم يشغلا مثلاً مفكّري عصر النهضة العرب، المنشغلين بالتقدّم والمدنية، فيما شغل هذا المفهوم منظّري عصر النهضة الأوروبية، ولو كانوا ذكروه على هامش الإشكاليات التي شغلتهم. ففي «الإسلام بين العلم والمدينة»، وردًّا على اتهامات وزير الخارجية الفرنسي هانوتو، دافع الإمام محمد عبده عن المدنيّة الإسلامّية، مبيّنًا انشغال العرب القدامى بالعلوم الأدبية والعقلية وبالعمران، ولكنّه لم يتطوّع للدفاع عن العمل كقيمة مطلقة، وفي «أم القرى» تطرّق عبدالرحمن الكواكبي، عرضًا، إلى مضار الإخلاد إلى الخمول، في سياق استعراضه لأسباب تخلّف العرب والمسلمين. إلاّ أنّ قاسم أمين كان أبرز من ركّز على أهمية النشاط الإنساني المنتج مختارًا باب قضية المرأة وضرورة نزولها إلى معترك العمل.
وقلّما نجد حاليًّا من ينشغل تمامًا في إبراز دور مفاهيم «العمل» و«العمال» في النهضة والتقدّم، ويميل إلى حصر التخلّف بالذهنيات والعقليات والسياسات الاستبدادية، وهذا صحيح، ولكنّ الوعي بأهمية العمل ينقل المناظرة المجرّدة إلى حيّز الواقع الملموس، كما ينقلها في الآن ذاته إلى حقل الحقوق والقيم.
ولو تأمّلنا، بسرعة، في ما يدور في عالم العمل والعمال، لوجدنا أنّ العربي يحسد من لا يعمل لأنّه «مستغنٍ» و«مرتاح»، ولا حاجة له إلى العمل، أو أنّه يقرن العمل بالتعب، والشقاء، والكدّ، والمكابدة، والتعاسة، والهلاك، وربما كان على حقّ، عندما ننظر إلى حال العمال المأجورين في مجموع المؤسسات العامة والخاصة، غير المحظوظين منهم، أو غير الفاسدين، في طرائق استغلالهم.
وبالتالي حين تسلّم مجتمعاتنا بأنّ العمل المنتج، ماديًّا ورمزيًّا، أساس كلّ تقدّم، وثروة مادية ومعرفية، وأنّه حق وواجب وضرورة، لن يتعذّر علينا عندها، كأفراد وجماعات، الدفاع عن العمال وحقوقهم والاحتفاء بهم، ولكنّنا لم نردم بعد، على ما يبدو، الهوّة الفكرية والذهنية، وبالتالي السياسية، التي تفصلنا عن هذا الوعي.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن