أطلال ذاكرة -4-

العياشي الدغمي
elayachi.doghmi@gmail.com

2017 / 1 / 3

أطلال ذاكرة 4 ..
الوصول.. شعور غريب هو الوصول .. الوصول إلى المدرسة .. "الصدمة"
وصلت -وصلنا- إلى المدرسة، كانت الشمس قد لاحت بخيوط أشعتها الصباحية على ربوع الكدية (نسبة للدوار الذي توجد فيه المدرسة، والذي تحمل اسمه -فرعية الكدية-)، معلنة أن يوما جديدا قد بدأ، فعلا كانت لحظة حسبت فيها، أني الوحيد في العالم « le seul au monde » ، وحيدا، لا أحد، لا شيء غيري، أمام عالمي الجديد؛ لا عمتي ولا جدتي ولا أبقارها ولا المرعى ولا الحبال ولا الأوتاد، لا أحد، لا شيء، فقط أنا، لقد كانت تلك المرة الأولى التي أندهش فيها وأدرك حقا معنى الغرابة، المرة الأولى التي أحس فيها بأني ذات في عالم غريب عنها كليا، عالم في عالم، جدار "سور" طويل ومربع يحيط بمجموعة من الأبنية "ستة الأقسام" و"ساقفة" وساحة، هي نفسها الساحة التي قال لي عنها (نبيل الأشهب) التي تحوي أشجار الكاليبتوس العملاقة الضخمة، ضخامة دهشتي وغرابتي، ساحة مليئة بالكاياس (أقراط الحجر مختلفة الأحجام)، بها باب حديدي لا يقل ضخامة وصلابة عن الأشجار.. إنها "لمدراسة"/المدرسة، مدرسة/فرعية الكدية، أو على الأقل كما بدت في أعين طفل، يندهش لأبسط جديد، ولأتفه الأمور..
*********************************************************
ولجنا الباب فدخلت، خطوة هنا وأخرى هناك، تفاديا للاصطدام بمجموع الأطفال المهرولين جيئة وذهابا، يلاحق بعضهم البعض الآخر، صراخ من كل حدب وصوب، ضجيج ممزوج بضحكات طفولية عذبة، إنه نفسه الصراخ، ونفسها الضحكات تلك التي أعادتني من دهشتي، وانتشلتني من عالم وحدتي وغرابتي، لتصدمني بالواقع الآخر للعالم الجديد، إنه عالم بضجيجه وحركيته وصخبه، غريب عن الحقول الشاسعة التي خلفتها ورائي، بهدوئها وزقزقة عصافيرها -وبالطبع- بأبقار جدتي. كانت تلك أول صدمة، صدمة قوية يتلقاها العياشي، في عالم الدراسة، إنه عالم صاخب، به الكثير من الأقران يتحركون بحرية وتلقائية، لا مسؤولية تقيديهم، لا أبقار يرعونها، ولا عمة تصرخ في طبلات آذانهم، "يا إلهي .. إنها الحرية" إنها الساحة الشاسعة التي طالما سمعت عنها دون أن أعي بالضبط ما هي، إنه نفسه الفضاء الواسع الذي يحلو للأطفال أن يجروا فيه كما يشاؤون، ويصرخوا ويضحكوا ويلهوا كما يشاؤون، "يا إلهي إنها الحرية" يتردد نفس الصوت في آذاني الباطنية، -كما يتردد الآن في ذاكرتي بكل قوته وبصداه العميق والحاد- .. "إنها الحرية"، "تحرك، اجري، تحرر، إلعب"، إنه ذاك الصوت الذي حرمت منه رفقة أبقار الجدة، حيث لا معنى للحرية إلا بما يسمح به مجال الرعي، وحدود "مي عايشة"  وإرادة عمتي الشيطانية..
****************************************************************
ها قد جاء اليوم الذي يمكن فيه تكسير ذاك القيد، اليوم الذي يمكن أن أجري فيه كما أشاء، أن أطلق العنان لعضلاتي ولفكري ولطفولتي. دونما أدنى تردد وجدتني جزءا من الفضاء، وصخبه، وعنفوانه، - يا لها من لحظة، تلك التي كنت أجري فيها هنا وهناك، أطارد الأطفال الآخرين، أضحك معهم، آه، عنها تلك الضحكات الطفولية البريئة، ضحكات لا لسبب، ولأي سبب، مع من نعرف ومع من لا نعرف حتى، نضحك فقط لأننا نضحك -.. لقد كانت تلك المرة الأولى التي أضحك فيها ومن أعمق الأعماق، أضحك .. وأضحك .. وأضحك.. لقد كانت تلك المرة الأولى التي أتخلص فيها من شر عمتي وأبقارها، المرة الأولى التي أجدني أمام أطفال من عمري وليس أمام أبقار هم من مسؤوليتي، فعلا هكذا كنت أشعر، هذا ما كان يضحكني، ويؤجج طفولتي، ويخبرني بأنني طفل طليق وحر، ولست "رجلا" مسؤولا أكبر من عمري.. إنها الطفولة، نعم الطفولة الحرة، التي تعشق الحرية والتحرر، تعشق اللعب والضحك، اكتشفتها، وأنا في قمة السعادة، ألهو وأجري .. وأجري .. نسيت أنني كنت يوما راعيا ومسؤولا عن أبقار الجدة .. لأضيع في عالم كله حرية ولهو وخفة.. عالم لا قيود ولا حبال ولا أوتاد ولا أبقار فيه ولا عمة طبعا..
**********************************************************
فجأة، بدأ الجميع يختفي من حولي، الكل يجري في كل اتجاه، تبعثرت الأجواء، بدأ الجميع يهرول هنا وهناك، نحو الأقسام.. غبار يتطاير هنا وهناك، تشاؤم يسود المكان، صمت مطبق يعم الأجواء، تسمرت مكاني، كل أسئلة الدنيا تتساقط على جمجمتي... لكن ما هذا؟ أين اختفى هؤلاء؟ لماذا اختفوا بهذه السرعة؟ أين الصخب؟ أين هي الضحكات؟ أين هو الصراخ؟ أين هم؟ أهي عمتي من أفزعهم؟ لكني تركتها خلفي، تركتها في المنزل، أتبعتني إلى هنا أيضا؟ أصرخت من جديد؟ لكني لم أسمع شيئا؟ .. "هاااي، هااااي .. نتا شنو كدير تما" (هاي، هاي، أنت ماذا تفعل هناك..؟) تحرك إلى هنا تقدم، .. لقد كانا رجلين .. انبثقا من العدم، من بين الغبار الذي خلفه ضجيج الأقدام.. تجمدت مكاني.. "يا إلهي ما هذا؟" من هذين العملاقين؟ من عساهما يكونان؟ .. "تحرك إلى هنا، تقدم" يتكرر نفس الصوت، القوي الصدى، الخشن، المتعالي، الذكوري بامتياز؟ لقد ذكرني بصوت طالما كرهته حتى النخاع.. لقد أحيا في شبح الخوف الذي يسكنني، ويوقظني كل صباح (مع النبوري) باكرا، ويوجهني لرعي الأبقار.. "يا إلهي، هل هي العمة من جديد؟" لا، لا يمكن، إنه صوت رجل وليس صوت العمة، لكن من عساه يكون ..؟ "راني قلت ليماك تحرك لهنا" "لقد قلت لأمك بأن تتحرك إلى هنا" إلى أمامه/هما، كان يقصد. لكن كيف عساي أتوجه نحوهما، وأنا أخشى كل من لا أعرفه؟ وأمي سبق وأن حذرتني دوما : "لا تثق في أي كان" ولا تتحدث لمن لا تعرفه" "راه الشفارة أوليدي موجودين، راهم كيشفروا الدراري الصغار وكيذبحوهم، وكيحيدو ليهم لكلاوي ويبيعوهم بميتين مليون" ، إنه ليس عمتي، ولكن هل هو من "الشفارة" (تجار الأعضاء البشرية)..
شيء ما ساخن ومالح يخطو سالكا مسارا متماسكا، ومتواصلا، ومحددا على خداي، دون أدنى حركة، ولا أدنى صوت ولا أدنى حرف، نطقته، فقط أسئلة وأجوبة تتراقص في ذهني وأنا متجمد في مكاني، حيث يقترب "الرجلان"ّ. ألا تسمع؟ لقد قلت لك تقدم كم من مرة، ألا تفهم ما قلت؟ ما إسمك؟ ولكن لماذا تبكي؟ يكرر الرجل ذو الصوت الخشن..
فعلا لقد كنت قد بدأت بالبكاء، بكاء طفل كل ما لديه ليقوله هو دمعتان تسلكان مسلكي خديه المغبرين، .. وهل غير الدموع تعبر عن خوف الطفولة؟ وهل غير الجمود يوشي بخوالجها؟ فعلا ليس هذا ما أدركه ذاك الرجل، لقد فهم ما علمته سلطته الذكورية أن يفهم.. لقد سبقت يده فهمه، حين أحسست بقوتها وصلابتها وخشونتها وحرارتها وهي تسري مسار دموعي على خدي.. نعم لقد صفعني بقوة حتى (دارت بيا لرض) حتى انقشع الغبار المتطاير أمام لمعان برق صعق به بصري قبل واقعي.. حينها تحركت.. ونطقت بكلمتي الأولى في المدرسة .. أنا "جاي نقرا" .. لقد أتيت لأدرس.. قلت.. "ودوي من صباح .. لي باغي يقرا كيبقى هنا؟.. تحرك للقسم ديالك" .. "ما عرفتش إينا قيسم" أجبت بصوت متقطع ومتلعثم مازال يعاني صاحبه من قوة الصدمة والصاعقة.. "آجي لهنا" يتفوه من جديد.. "نتا يلاه جيتي اليوم ناس راهم بداو يقراو، سير لقيسم لول .. هاداك راه (ويشير بإصبعه الطويل والنحيل) آني جاي".. لماذا يا إلهي سيأتي؟ ليصفعني ثانية؟ أتمنى لو مات قبل أن يتمكن من الحضور للقسم كما قال.. كانت تلك من أقوى متمنياتي لشخص ما بالموت بعد عمتي ..
أهذه هي المدرسة؟ أهذا ما كنت أحلم به؟ أهي فعلا أملي في التحرر؟ أهذا فعلا هو الفضاء المجهول الذي تخيلت أنه سيحررني من صراخ عمتي وأبقار جدتي ؟ "يا إلهي .. ما هذا؟" من هذا الرجل القاسي الخشن الصوت والنحيل الإصبع، والحاد المزاج، الذي صفعني بتلك القوة؟ من هو هذا الذي قال لي تحرك وكان نتيجة عدم تحركي أن صفعت بقوة على خدي الطري؟ أهي هذه فعلا المدرسة؟ أهي أحسن من رعي الأبقار؟ أهي كما كنت أظن ؟ وأحلم؟ وأتمنى؟ هل وضعت المدرسة لأتعلم فيها وأتحرر؟ أم وضعت لأصفع فيها وأنهر؟
توجهت إلى حيث وجهني ذاك.. إلى "القسم الأول" وهذه الأسئلة تصعق ذهني من كل جهة، كما صعقتني صفعته الخشنة.. ولكن من هو؟ لماذا اختفى الجميع لمجرد حضوره؟ لماذا صفعني بتلك القوة؟ لماذا قال أنه سيأتي للقسم؟ .. هل أهرب؟ ولكني أنا هنا هارب من عمتي وأبقار أمها؟ ولكن أي مهرب بقي وإلى أين؟ "يا إلهي.. إنها "صدمة" ماذا أفعل؟
العياشي الدغمي .. أطلال ذاكرة 4،
بتاريخ 01/01/2017، المغرب .. يتبع .. الهروب/"المهرب"..



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن