في هذا أخطأ الاقباط

ماجد صفوت استمالك
maged.estmalek@yahoo.com

2016 / 12 / 15

يدرك البعض حجم معاناة الاقباط في مصر ويستنكر البعض الاخر هذه المعاناة فيلاقي الاقباط الامرين – الاضطهاد و الاستنكار - و أسباب هذه المعاناة واضحة للعيان ، فيتحمل النظام الحاكم جزء من المسئولية و تتحمل المؤسسة الدينية جزء و المجتمع المدني و منظومتي التعليم و الاعلام يتحمل كل منهم جزء من المسئولية ، حتي لو لم يدرك أحدهم ان له دور ينبغي القيام به ، ولكن يبقي سؤال ، هل يتحمل الاقباط أنفسهم جزء من مسئولية الاعتداء عليهم ؟! بصيغة أخري ، هل أخطأ الاقباط ؟! وهل تسبب خطأهم في وقوع هذه البلايا ؟

الاجابة هي نعم أخطا الاقباط وعليهم اصلاح خطأهم ...

منذ بداية السبعينات و مع موجة الهوس الديني التي اجتاحت البلاد عقب الهزيمة بدأ الناس في التمايز الديني و بدأ الشعور بالتباين يدب بين الافراد و بالطبع الاكثرية العددية تولد لديها الشعور بالافضلية (كمواطنين) و في المقابل تولد لدي الاقلية القبطية الشعور بالنقص العددي و الضعف و بدأ الانسحاب التدريجي من المجتمع ، ومع تصاعد موجة الهوس واطلاق حرية العمل الديني للجماعات و تدفق اموال خليجية محملة بأفكار وهابية ازدادت حالة الانكماش لدي الاقباط و صولا لحالة من التقوقع داخل اسوار الكنيسة ، تزامن ذلك مع تراجع دور الدولة في تقديم خدماتها للمواطن وانحسارها مقابل قطاع خاص اليد العليا فيه لأموال الافكار الوهابية ، دفع ذلك الكنيسة لتوسيع دائرة خدماتها و تكوّن المجتمع الكنسي البديل للمجتمع المصري ليشبع احتياج الافراد من التفاعل الاجتماعي و ايضا ليقدم خدمات ر عاية و تكافل ، مجتمع متكامل موازي وبديل ومغلق علي الاقباط ، بالطبع كانت هذه المجهودات مُعينة لكثير من الأُسر و تخفيفا علي الدولة ولكن مانقصده هنا بخطأ الاقباط هو أن مجتمعهم كان مغلقا ، فمركز شباب الحي التابع لوزارة الشباب و الرياضة كان فقط للمسلمين وأطفال الاقباط لديهم نادي الكنيسة ، الوحدة الصحية التابعة لوزارة الصحة فقط للمسلمين لأن الاقباط لديهم مستشفي تابع للكنيسة ، وهكذا ، ونشأ الجيل الحالي غريبا عن المجتمع المصري ، و نشأ الجيل المسلم لا يعرف شيئا عن القبطي و الانسان يخشي ما يجهله و انتشرت الاشاعات عن الاقباط وكأنها حقائق و ازدادت الهوة اتساعاً

أخطأ الاقباط عندما سمحوا لتعبير "عنصري الامة" أن ينتشر ، تقسيم الأمة المصرية الي عناصر طبقا للديانة أمر خاطيء تماماً ، عنصري الامة في أي دولة هم الزارع و الصانع ، التقسيم هنا ليس عنصرية انما تمييز لفئتين مختلفتين في اسلوب الحياة ويكمل أحدهما الآخر ، بينما تقسيم الأمة المصرية الي عناصر طبقا للديانة هو عنصرية بحتة ، وفرح الاقباط باللقب الذي فيه اعتراف بانهم مواطنون من نفس الامة هو فرح خاطيء ، فهم مواطنون لأنهم ولدوا في هذا الوطن وانتمائهم اليه والامر لا يحتاج لإعتراف ، أما هذا اللقب وهذا التقسيم فهو أمر ينبغي رفضه
خلف أسوار الكنيسة العالية يوجد ثقافة كنسية وتعليم ديني متنوع يكتفي بهم القبطي العادي - كجزء من شعب لا يقرأ – و في هذا الاكتفاء انعزال عن جذوره المصرية ، ... برغم مرور سنوات مازلت أذكر كلام الأب الكاهن الذي رأي في يدي كتباً لتوفيق الحكيم فهتف بي : ايه يا بني ده مش تقرأ في الكتب اللي عندنا أحسن ؟ ! . هذه العزلة الثقافية خارج نطاق الزمن ، بل خارج نطاق الحياة كلها ، جعلت من انتماء القبطي للتاريخ الكنسي أكثر من التاريخ المصري و للمجتمع الكنسي بأدبياته أكثر من المجتمع المصري
السماح للكنيسة بتبني المسئولية السياسية للاقباط عمل علي تسيس الكنيسة وأصبحت وسيط بين المواطنين الاقباط وبين النظام الحاكم فمثلا عندما تريد الحكومة تهدئه المواطنين سواء لتمرير قانون أو لتفادي صدام تلجأ أحيانا لرجال الدين لتنفيذ المهمة وتجد في الكنيسة (وأيضا الازهر) أداة تهدئه و في الاتجاه المعاكس عندما يطالب الاقباط بأي من الحقوق المدنية الطبيعية يتركون للكنيسة مهمة التحدث بالنيابة عنهم ، بينما كان من الأجدي التفاعل كمواطنين من خلال الاحزاب والنقابات و غيرها وترك الكنيسة بعيدة عن عن الهراء السياسي ، العزلة السياسية مع العزلة الثقافية تجعل من الاقباط فئة داخل المجتمع وليس جزء من المجتمع ، فالمجتمع ذو البناء السليم لا يحتاج فيه المواطن الي وسيط بينه وبين النظام الحاكم

أخطا القبطي لا بما فعله بل بما لم يفعله ، أخطأ القبطي بصمته عندما سمح للقيادات الكنسية بغلق الاسوار علي مجتمعه و أخطأ عندما سمح للمجتمع بفرض فكره العنصري و أخطأ عندما اكتفي بثقافته الخاصة ، وعندما سمح بوجود وسيط بينه وبين حكومته المصرية ، في المجمل أخطأ عندما رضي بالمواطنة الناقصة ولم يسعي للمواطنة الكاملة وانتزاع حقوقها الدستورية والقانونية



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن