حلب و سقوط المرجعيات الثورية.

عبدو خليل
khlilabdo450@yahoo.com

2016 / 12 / 15

مازال البعض ينظر إلى حلب وهي تمضي إلى سباتها وسط قلق و عجز دولي ، على كونها مجرد معركة عسكرية مصيرية بين فصائل المعارضة الإسلامية وبين قوات النظام السوري المدعومة من إيران وروسيا. تلك هي نظرة أغلب ساسة المعارضة ونشطائها. حتى أن البعض راح يقلل من أهمية حلب و يؤكد على استمرارية الثورة معها أو بدونها، في محاولة لتجاوز تلك الفجوة التي اتسعت في خاصرة طموح الحالمين بإسقاط الاستبداد السوري الذي روع العالم بوحشيته الفظيعة تجاه أبناء شعبه.
في الحقيقة ليس بالأمر اليسير رسم تعرجات الخط البياني لصيرورة الحدث السوري خلال السنوات الخمسة الأخيرة. نتيجة التدخلات الخارجية وتخبط الأجندات وتصارعها وصولاً إلى منعطف حلب . الذي يعتبر نهاية لمرحلة وبداية لأخرى، ليس من تاريخ الثورة السورية إنما من تاريخ سوريا الحديث والمنطقة برمتها. ليس بالمعنى العسكري الصرف. كما يتوهم البعض. إنما بجملة التغيرات السياسية والثقافية لحوامل الثورة السورية و لقيم مجتمعية و مفاهيم و رؤى كانت قبل هذا التاريخ راسخة و سقطت مع سقوط حلب، وذلك هو الأهم على المدى المنظور لأنها ستقود المرحلة المقبلة. أو بالأحرى ستكون المدخل نحو فضاءات وقناعات غير تلك التي كانت تعتبر من البديهيات. خاصة فيما يتعلق بالنظرة الى الإسلام السياسي و الحلم بدولة الخلافة. تلك اللعبة التي استهوت البعض و ولجوا إليها وأقاموا الإمارات والدويلات على أشلاء الفقراء والمستضعفين، مستفيدين من النقمة الشعبية على نظم الاستبداد العربي.
و بنظرة أولية يمكن الجزم ببداية سقوط الإسلام السلفي والجهادي الذي تنطع ليأخذ دور القائد في الفيضان الشعبي العربي على الاستبداد. تلك التيارات كان لها حصة الاسد في المرجعيات الثورية. خاصة في سوريا التي تعتبر النموذج المثالي لإزاحت كل المرجعيات الثورية، المعتدلة منها أو ذات الطابع الشعبي، وفتكت بها بلا هوادة أو شفقة، لذا كان من البديهي أن تشير الجموع الغاضبة. المحاصرة منها في حلب، أو تلك التي تراقب المشهد عن بعد، أن تشير بأصابع الاتهام إلى تلك المرجعيات و تحملها مآلات الأمور، ويجب أن لا ننسى أن شرقي حلب كانت أولى المناطق السورية التي لفظت داعش وتمردت عليها قبل ثلاث سنوات. ودفع خيرة ناشطيها المدنيين حياتهم ثمناً لذلك التمرد، قتلتهم داعش بدم بارد في مشفى العيون الواقع بالقرب من دوار حي القاطرجي. تلك الحادثة كانت بداية التمرد الشعبي على سلوكيات الجماعات التكفيرية في المناطق التي خرجت عن سيطرة نظام البعث.
و بالعودة إلى بدايات الاحتجاجات نجد كيف كانت عيون السوريين الشغوفين بالتغيير تتجه نحو الشمال السوري، حيث حلب. كان هناك ثمة إحباط قوي من صمت هذه المدينة، و عدم اكتراثها بما يجري من حولها. حتى أنها صارت مثالاً في التخاذل ، وبات الحلبي مبغوضاً ومكروهاً في عموم المناطق السورية، ولكن كان للمدينة و سكانها المعروف عنهم حبهم للبزخ والرخاء كلام آخر.
في الواقع كانت المدينة المتمرسة عبر آلاف السنين في فنون التجارة و الصناعة والحرف تراقب مجريات الأمور بعين الريبة والشك. بعين المشتري المتفحص، وتلك هي سمة المدينة كما أسلفنا. لا تقدم على تجارة خاسرة. هالها المشهد الأول و سال لعابها، كيف لا وهي المدينة الملتاعة من نظام عمل ليل نهار على تفكيك قواها الاقتصادية و التجارية عبر العقود الأربعة من حكم الدكتاتور الأب و الابن. لكنها بدت مترددة و حائرة. كانت الصور الأولية لمظاهر التسلح في الريف المحيط بها تعني لها الكثير. جموع من الفلاحين و البسطاء والجياع يحملون السلاح و يقومون بتصفيات جسدية دون محاكمات أو أي رادع. لمجرد الشبهة. يسرقون المصانع و المستودعات ثم يقومون بحرقها.
تطورت الأمور وامتدت الفصائل المعارضة بعتادها لتحتل الجزء الشرقي من المدينة. ذات الغالبية الريفية المهاجرة . فقر مدقع وأحياء عشوائية كانت لا تنال من الدولة سوى فتات الخدمات. غالبيتهم يعملون كعمال أجراء أو في أحسن الأحوال موظفون من الدرجات الدنيا. وقعت هذه الأحياء تحت سيطرت المعارضة المسلحة التي كشفت سريعاً عن مشروعها الإسلامي. أقامت المحاكم الشرعية بقيادة بعض المشايخ من أبناء الريف وأخذت بجلد الناس في الساحات العامة، و بدلت نظام التعليم بما يتناسب مع سلفيتها التي أخذت تتصاعد مع دخول المجاهدين الوافدين من شتى أصقاع العالم. بدا المشهد وكأنه انتقام من المدينة التي التزمت الصمت .
تلك ربما هي الصورة المختصرة لواقع الحال في حلب. والتي حالت دون دخولها حلبة الصراع بالمعنى الفعلي. اكتشفت سريعاً أن لا مشروع مدني أو ديمقراطي للانتقال بسوريا من طور الاستبداد إلى طور أوسع وأرحب، وهذا ما يفسر ابتعاد اللوبي الحلبي الصناعي والتجاري عن أية تشكيلات سياسية أو عسكرية للمعارضة السورية، إلا ما ندر. لا يعني هذا الأمر مطلقاً رضى المدينة عن آلة النظام العسكرية و مؤسساتها الفاسدة. إنما كانت تعي أن عملية التغيير مكلفة و شاقة، وأن المشروع الجديد هو استبداد من نمط جديد. بلبوس ديني و ريفي.
أخيراً يمكن القول إن حلب لم تكن في يوم من الأيام مدينة عابرة في هوامش التاريخ. هي مدينة لا تصنع فقط السجاد والقماش والحرير إنما كانت وما زالت قادرة على تحويل دفة التاريخ. و ما يقال عن سقوط حلب رغم كل الأهوال والفظائع التي ارتكبت في حواريها الشرقية هو بالنهاية ليس سوى سقوط للمرجعيات السلفية والجهادية، ويدرك النظام ومن معه أن المدينة أقوى من أن ينال منها بهذه السهولة، وسيطرته لم تكن لتتم لولا رفضها المضمر. أي حلب. لتلك المجاميع التي لم تمتلك مشروعاً مقنعاً يليق بها كمدينة ضاربة في القاع. هذه المعادلة يدركها النظام جيداً منذ ثمانينات القرن الماضي، و على المعارضة السورية اليوم أن تتعلم هذا الدرس أيضاً.
بقي أن نقول أنه على مر التاريخ لم ينتصر أحد في حلب سوى أهلها.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن