حنطوشية / درب الجمعة

سلمان عبد
abed.salman92@gmail.com

2016 / 12 / 11





في اواخر الاربعينيات ، كنت اعيش طفولتي في مدينة " شثاثة " عين التمر حاليا ويمكن تصورحال المدينة البائس في ذلك الزمن ، بالرغم من كثرة بساتينها الرائعة و انتشار " عيون " المياه الجميلة بمناظرها الخلابة ، وخُضرها وفاكهتها الممتازة ، لكن معيشة اهل المدينة متدنية جدا ، الى درجة الكفاف ، حالها حال المدن الريفية العراقية في ذلك الزمن ، لكن اهل المدينة اناس على درجة كبيرة من الطيبة وبسطاء ومسالمين ولم يحدث ان شهدت عراكا طوال فترة وجودي في المدينة اطلاقا .
في كل يوم خميس ، عصرا ، كانت تاتي ثلة من النساء والشباب والصبيان الى " درب احمد بن هاشم " او ما يسمى بـ ( درب الجمعة ) ويقع شمال المدينة ، وهو الطريق الذي يربط مقام احمد بن هاشم بها ، وكان هذا " الدرب " يعتبر كمتنفس لاهل المدينة يلتقطون فسحة من الوقت للمرح والتخفيف من ضغوط الحياة القاسية ، وكنت ترى حلقات من النساء هنا وهناك ، وكذلك الشباب ، فلهم مجاميعهم الصغيرة الخاصة ايضا ، وكانوا يمرحون ويتمازحون ويتبادلون الظرف ، وعندما دخلت " البايسكلات " المدينة كانوا يتجمعون ويجرون مباريات سباق فيما بينهم ، ومن الاشياء التي لازلت احتفظ بها في ذاكرتي ، هو " مواعين التمن " وهي نذور تجلبها النساء الى الدرب ، فنتزاحم نحن الاطفال على هذه الصحون ونلتهم ما فيها بثوان ، وكانت عائلتي مثل اغلب العوائل لا تتذوق التمن الا بالشهر مرة او مرتين ومن انواع ليست جيدة " شمبة " او " انعيمة " ولا وجود لتمن العنبر اطلاقا ، وعندما اجيء لبيت جدي في كربلاء تحرص جدتي على طبخ التمن يوميا مع المرق اكراما لجنابي ، ومرة نذرت امي نذرا لاربعة " جمع " متتالية وقد عهدت لي بتوصيل المواعين للآكلين في درب الجمعة ، وعَرف بذاك صديقي " حسون " واتفق معي ان ناكل الماعون سوية بمنتصف الطريق دون اخذه لدرب الجمعة ، فيقاسمني الماعون الذي تنذره امه معي حين يكون الدور عليه ، دون الحاجة للذهاب الى الآكلين ، وفعلا تقاسمنا " مواعيني " الاربعة ، خميس بعد اخر ، ولم يحدث ان نذرت امه اطلاقا ولم اتذوق " تمنهم " ابدا ، وكانت خديعة ، وتدور الايام ويصبح صديقي من الاثرياء ، وكنت كلما التقيه اطالبه بحقي المغتصب فكان يقول لي :
ـــ انت كمش
كان شاطرا وانا كنت من ( المضحوك ) عليهم فانتميت بقوة من يومها الى طبقة " المكاريد " وانتسب هو لطبقة الفايخين لحد هذه الساعة .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن