لا تولد قبيحا : عوالم رجاء عليش المرعبة المختبئة في جحور بعيدة

محمد احمد الغريب عبدربه
geuvera_almasrey@yahoo.com

2016 / 11 / 3

ماذا لو لم تحل الشمس علينا في احدي الايام، بمعني أننا قد اختبئنا في جحورنا خوفا من الظهور، هذه التقليد الغرائبي كان يحل علي أديب اللاسواء في التاريخ الادبي المصري الاديب الراحل رجاء عليش، الذي نبش باحترافية في موضوع القبح، ووضع حدا فاصلا وواضحا بين الانسان القبيح والغير قبيح في المجموعة القصصية لا تولد قبيحا، التي تعد رسالة مؤلمة وقوية وحادة لمعاناة الانسان القبيح.
في المجموعة كان السرد مؤلم ومباشر، رسائل للقبيح وللاخر وللعالم والي الله، رسائل مفتوحه لكل شئ حول الانسان القبيح، عالم من المناجاة المتتالية التي لا تنتهي، كلمات رسائلية تحمل كتل من الحزن والمأساة حول الفرد القبيح، بذلك رجاء عليش بني عالما نفسيا ووجوديا واضحا ومباشرة للقبح في الانسان، سيكولوجيا محددة وذات اهمية لفهم هذا الانسان الذي يعاني باستمرار.
دخل ونظر لهذا العالم القبيح، وحلل علاقه القبيح بالاخر، واوضح انه انسان لا يثق فيه احد، يرفضه الجميع، لا يمكن الاعتماد عليه، واعتباره فردا كاملا، وبذلك افرد حالة من الرفض السلبي الدائم للانسان القبيح من العالم، نفي وجوده وقدرته علي التعايش مع الاخر والاشياء وتأكيد هويته كانسان له حقوق، واشاره الي المعاناة الداخلية للقبيح، وان القبح عالم داخلي لا يترك صاحبه، يسير معه كظله، كان يتحدث رجاء عليش عن نفسه، فدائما يتذكر قبحه ويجعله يتألم ويرفض كل شئ، المرأة والرجل والمجتمع والنجاح والبهجه والسعادة ترفضه، الجميع يرفضونه ويعاملونه معاملة حقيرة لا انسانيه فيه.
في أول قصة في المجموعة يحكي عليش عن مأساة شاب يبدو منظره قبيح، ويحب فتاة، ويشعر بالقلق والخوف من المحيطين، ويمثل له هذا الحب طوق النجاة، فالجميع يكرهونه كثيرا، ولا يريدون وجوده مطلقا في العالم، ويضحكون عليه دائما ويستهزءون به، فهو بالنسبة لهم دميه لا حق لها في الوجود غير الضحك والمرح عليها، هذا جعله قلق ويفكر مع نفسه في كيفية التخلص من هذا الوضع الصعب له، عليش وضع الشخصية هنا في مأزق وجودي بسبب ذاته، فيكون الحل الامثل في مخيلة الشاب هو التخلص من نفسه، ولكنه يستمر في محاولة مقاومة هذا المأزق، وحقق انتقاما مع شلة كانت تشتمه دائما، وقام بعراك قوي معهم.
وفي احد القصص الاخري يعبر عليش علي الاغتراب والسأم التي تعيشه الشخصية، وانها خارج العالم، ولا تفهم منطقه، تعيش في داخلها، لا تستطيع علي تحديد شئ، وان تشعر به كما يشعر به الاخرون، انه احساس صعب، يزيد من ثقل الذات، ويمنحها فراغ داخليا وألما نفسيا شديد، عدم الاحساس بالراحة في بيت الزوجية، والهروب الي الخارج لمحاولة ايجاد اي معني للحياة دون جدوي.
طقوس الموت تثير ارق احد شخصيات المجموعة، هناك شعور بالاتبذال، والخوف الشديد، رفض لهذه الطقوس، وليس رفض الموت، التفاصيل الكرنفالية للدفن والجنازة، والحالة التي تحيط بالميت شئ مقزز مقلق، يخلق اسئلة غريبة ليس لها اجابة، الموت افضل حالة من هذه الطقوس،
دائما في المجموعة هناك عالم داخلي للذات هش ضعيف لا يقوي علي التعامل مع العالم الخارجي الملئ بالصراعات والصيرورة، هذا العالم الداخلي يحدث نفسه عن كل شئ عن تفاصيل الموت، والاخر، والحياة، والمرأة، والزواج، والناس التي تسير في الشارع، وعن الوجه القبيح، والانسان الخائف، فليس هناك شئ لا يتحدث عنه، يتحدث مع الاشياء بخوف وترقب، ورجوع وكر وفر، هذه المساحات الداخلية المتخبئة للذات المليئة بالخوف والفراغ والقلق، تصنع عالم نفسيا مرعبا قاسيا، معبرا عن لحظات الانسان الحائرة القلقة.
دائما العالم يحاصر الذات والشخصية في القصص لدي عليش، المراقبة والمحاصرة فعل خارجي ضد الذات التي تخاف من الاشياء، فيكون فعل الهروب والعيش في العالم الداخلي للذات امر محتوما، خوفا من الصراع المستمر مع الخارج، والذي يكون الخسارة من نصيب شخصيات عليش الهشة.
واحد اسباب الرئيسية للخسارة شخصيات عليش هو سمة القبح والدمامه والغرابة لدي الشخصيات، فتقول الشخصية القبيحة في احدي القصص علي لسانها، "الانسان القبيح المكروه من كل الناس لن يصدقه احد، حتي لو قال الصدق، انه متهم من كل بالكذب، مشكوك فيه دائما لأنه غريب وقبيح ومنفر"، هذا اكبر تجسيد رمزي لعالم عليش في الشخصيات، انه تجسيد الرعب والخوف والقلق والحزن والهروب.
عندما يصاحب قبيح صديق وسيم، يكون هناك تفاصيل مرعبة بين الشخصين، القبيح لا يعيش كما يعيش الوسيم، تكون الكراهية مكنونة بداخل القبيح، لا يستطيع ان يقضي علي هذه الكراهية، هذه علاقة شائكة مدمرة حزينة، لا ذنب القبيح في شئ، والوسيم يستغل امكانياته التي منحها الله له في الشعور بالسعادة واهتمام الاخرين به والزهو والفرح، ويقف القبيح عاجزا امام هذه الميزة التي يفتقدها.
وأخيرا يتميز اسلوب رجاء عليش بالصور والتعبيرات الادبية البسيطة الواضحة والجميلة نسبيا، ليس الاسلوب الادبي معقدا ومتقدما، ولكنه سلس وشيق، وتتميز هذه المجموعة بتفرد الموضوع والتركيز عليه، وهو موضوع القبح لدي الفرد، واثارة الابعاد النفسية الداخلية بالاساس، بجانب توضيح العوالم الخارجية والاشياء لهذا الموضوع.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن