في إشكالية خطاب المظلومية

معتز حيسو
motaz1123@gmail.com

2016 / 7 / 24


يُشكِّل منهج «صدام الحضارات» الإطار التحليلي العام لخطاب «المظلومية السنيِّة». وانطلاقاً منه، يحلل عددٌ من الكتَّاب معطيات الصراع السوري ومستوياته وأشكال تجلياته المتداخلة والمتشابكة.
ولذلك علاقة مباشرة بانزياح طرق وآليات التفكير السياسي ليبرالياً كان أو يسارياً، إلى حقل التحليل الديني واعتماد تجلياته وتمظهراته الميدانية اليومية مرجعاً للتحليل. ما يؤدي إلى وقوع أصحاب خطاب المظلومية في إشكالية منهجية تُبعدهم عن الجذر السياسي للأزمة، وارتباطها العضوي بتناقض وتداخل السياسات والمصالح الدولية والإقليمية.
معلوماً إن غير حكومة حمَّلت منطلقات «الربيع العربي» على مقدمات دينية وطائفية تُناقض مقدماته وأبعاده ودوافعه الأساسية، ما دفع بالأوضاع في سوريا تحديداً إلى حقل صراع ديني، مذهبي وطائفي إشكالي، تجاوزت تداعياته حدود الجغرافيا الوطنية، ويهدد بتصدُّع مجتمعات أخرى متعددة.
وإذا كان المسلمون السنَّة يعانون مظلومية تاريخية يكشف عن تجلياتها صراع يرتبط بسيطرة «الأقليات» على السلطة، فإننا نتساءل عن أوضاع أبناء الأقليات. ألم تكن معاناة أبناء المجتمع الواحد بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية والمذهبية والعرقية متقاربة، طبعاً باستثناء ذوي الامتياز والنفوذ أياً كان انتماؤهم. ما يعني أن اهتمام أنظمة بلدان الربيع العربي وغيرها، يتركّز بالدرجة الأولى على ولاء «المواطنين» وخضوعهم. ومن يغرد خارج السرب يتعرض للقمع والاضطهاد أياً يكن انتماؤه. ولا يغيِّر من طبيعة ذلك ما نلحظه من ارتفاع منسوب الانزياح إلى حقول دينية ومذهبية وطائفية، فجوهرها يتمحور ضمن صراعات سياسية وظيفية تتسم بالتبعية والارتهان. وفي سياقها تندرج تموضعات رجراجة غير مستقرة، تربطها علاقة إشكالية بأسباب الصراع وتداعياته. أما محاولات إبعاد مجريات الصراع عن جذره السياسي فإنه أدخل فئات اجتماعية واسعة في حالات تناقض استقطابي انعكست تداعياته واستندت بآن، على وإلى أشكال الوعي والعلاقات الاجتماعية.
ما يعني أن تحميل الأوضاع السورية على مفهوم المظلومية يحمل إجحافاً بحق السوريين كافة، ويتناقض مع مساعيهم لإحداث تغيير وطني ديمقراطي. أما اعتماد خطاب المظلومية لإنصاف أهل السنَّة ورفع المظلومية التاريخية عنهم في سياق الصراع على السلطة ومن أجلها، فإنه يعزز من تفاقم الاستقطاب الطائفي والمذهبي. ويتجلى ذلك باعتبارهم الأقليات القومية والمذهبية، سنداً للسلطة، ما يكشف عن إشكالية في آليات التفكير... وفي ذلك ظلم للأقليات، وتجاهلاً لمواقفهم الرافضة لسياسات السلطة وآليات التغيير المحمول على العنف الطائفي والديني.

الصراع في سوريا وغيرها من الدول العربية صراع سياسي بامتياز
فالأكراد وأقليات أخرى عرقية تعرضوا للتمييز وما زالوا، ويعارضون النظام في كثير من القضايا. ويكشف عن ذلك تباين مواقفهم السياسية والميدانية، وطبيعة مشاركتهم مع أطراف من المعارضة. فكيف نفهم مثلاً موقف «قوات سوريا الديمقراطية» التي يشكل الأكراد قوامها الأساسي إضافة إلى مجموعات عشائرية وفصائل أخرى عربية، وغالبيتهم من المسلمون السنَّة، ويحاربون بدعم أميركي وغطاء روسي، «داعش» وفصائل أخرى، بعضها «معتدل». أيضاً فإن مواقفهم تتباين في لحظات كثيرة عن مواقف الائتلاف الوطني المعارض، وهيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني. من جانب آخر تتبنى مع أطراف أخرى كردية «مشروعاً فيدرالياً» يرفضه السوريون، لكنه مدعوم أميركياً، ويحظى بموافقة روسية أوَّلية، ما يضعهم في مواجهة مؤجلة مع النظام، وبعض من الدول الإقليمية مثل تركيا وإيران...
أما فيما يتعلق بالأقليات الطائفية كافة، فإن أوضاعها لا تقل سوءاً عن بقية الفئات الاجتماعية. وموقف النظام من المعارضين من أصول أقلوية، لا يختلف عن موقفه من المعارضين من أصول أكثروية. مع ذلك فإن أنصار «الثورة السورية» ودعاتها، وأيضاً معارضة الخارج والداعمين لها، يتنكرون لمواقف المعارضات «الأقلوية» المرتهنة كما يزعمون للسلطة. ما ساهم في نشوء مظلومية أقلوية مركّبة نتيجة تموضعهم بين طرفي استقطاب قصووي، ما جعل كثيراً منهم يتنحى خوفاً واحتساباً. لكن ذلك لم يقيهم من صلف المجموعات الجهادية والثوروية، ومن سلطة تطعن بولائهم.
في السياق فإن تساؤلات عدة تُثار بسبب استهداف المجموعات الجهادية للمخالفين لهم من أبناء جلدتهم. وجميعها يتجلَّى في سياق معارك التصفية والإبادة المتبادلة داخل الأطراف الجهادية، «المعتدلة منها والمتطرفة» وجميعهم من المسلمين السنَّة. ألا يخالف ذلك مضمون خطاب المظلومية وجوهره؟ إذاً كيف لنا أن نفصل معرفياً وسياسياً بين تجليات الصراع الظاهرية، ودوافعه المخفيِّة؟ وهل يمثُّل هؤلاء الدين الإسلامي، أم أن ما يقومون به يندرج في إطار وظيفي لا علاقة له بالدين في شيء.
ما سبق يستوجب النظر إلى مجريات المعارك الدائرة بكونها حرباً ضد الحضارة الإنسانية والإنسان بآن. ما يعني أن أبعادها تتجاوز حدود الانتماء الديني أو الطائفي والمذهبي والعرقي، علماً أنه يتم الاشتغال على توظيف الانتماءات المذكورة سياسياً. بمعنى آخر فإن الصراع في سوريا وغيرها من الدول العربية صراع سياسي وسلطوي بامتياز. لذلك فإن اعتماد خطاب المظلومية سنيِّة كانت أو شيعيِّة، يُعطي للصراع أشكالاً تخالف مضامينه. وذلك يدفعنا للتمسك بخطاب عقلاني وموضوعي يربط بين العلمانية والديمقراطية، فمعاناتنا تتعلق بجانب كبير منها بأسباب سياسية لا علاقة لها في العمق، بالانتماء الديني والطائفي.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن