الطب والمشافي بين الإهمال ونقص المعرفة

ناجح شاهين
najehshahin@yahoo.com

2016 / 5 / 5

الطب والمشافي بين الإهمال ونقص المعرفة
ناجح شاهين
صغيري سومر مصاب بالسكري من النوع الأول. الليلة الماضية استفرغ ما في جوفه مرات متعددة في أقل من ثلاث ساعات. بالطبع أاحسست بالخوف من أنه يعاني من ارتفاع الحموضة الخطير في الدم والناجم عن حرق الدهون بشكل كبير للتعويض عن نقص السكر الذي قد يكون سببه نقص الأنسولين أو اضطراب ما ناتج عن تعرضه لمرض ما. فكرت في حدود الثالثة صباحاً في المشفى الذي يجب أن أذهب إليه. وبعد تردد قليل اخترت مشفى رام الله الحكومي. إذ ماذا يمكن أن تجد في المشافي الصغيرة من قبيل الرعاية أو الهلال في هذا الوقت المتأخر من الليل؟
في مشفى رام الله اقترح موظف الطوارئ أن نذهب إلى جناح الأطفال، فحمدت له قراره. وهناك في مركز الأطفال وجدنا ممرضاً شاباً، صارم الملامح، سألنا في اقتضاب عن المشكلة فوصفتها له بكل ما أمكن من دقة. فبدأ بأخذ عينة دم ثم وضع للصغير كيس الماء والملح المعروف. قلت له إنني إنما جئت لأني أخشى أن الطفل يعاني DKA بمعنى أن جسمه قد أفرز كيتونات كثيرة تؤثر على حموضة الدم. وقلت له إنني أتمنى عليه أن يقوم بفحص للدم أو البول للكشف عن الكيتونات، فقال لي إن الطبيب سياتي بعد قليل وهو يقرر ما هو المناسب.
بعد نصف ساعة تقريباً حضر طبيب شاب، متجهم الملامح، وعندما أعدت على مسامعه وصف الحالة، قال إن هناك فيروس في الجو وإن كثيراً من الأطفال قد جاءوا بالأعراض ذاتها، فذكرته بأنه على الرغم من احتمال صحة توقعه إلا أننا نواجه طفلاً مصاباً بالسكر. وسألته عن فحص الكيتونات، فبدا عليه أنه لم يدرك عم أتحدث بالضبط. وعندما سألته عن إخصائي سكر أو أطفال، قال لي بأنه لا يوجد، وأنه لن يكون موجوداً غداً بسبب عيد "الإسراء والمعراج" كما أن الجمعة عطلة والسبت عطلة.
أسقط في يدي، إذا كان سومر يعاني من دي.كي. ايه فإنه يمكن أن يتدهور صحياً بسرعة لا تنتظر نهاية العطلة السعيدة، فأعدت الرجاء بأن يوصي بفحص الكيتونات، ولكنه تجاهلني، فأدركت أن الطبيب لا يعي الموقف جيداً.
الساعة السادسة صباحاً جاءت ممرضة الوردية النهارية فاشتكى زميلها ممرض الليل من أنه لم يتمكن من النوم بسبب هذا المريض. أحسست بالرعب، فالممرض الشاب يعتقد أنه يجب أن يكون في الوردة الليلية نائماً، وأن لا يزعج خلوته أحد من العالمين. والطبيب الصغير المناوب لا بد أنه أحس الشيء ذاته، ومن هنا كان التعامل جافاً حتى مع الصغير. لقد أفسدنا عليهم متعة الاسترخاء الليلي. وبدلاً من أن يقوم الطبيب بالاتصال بصديق ما -على طريقة من سيربح المليون- يساله النصح في موقف لم يعرف فيه كيفية التصرف السليم، جلس هناك يندب حظه العاثر الذي ارسلنا له. ربما كان في إمكانه أن يزور "جوجل" وينقب ساعة أو بعض ساعة في الأعراض عله يجد شيئاً يسد النقص في معرفته. ربما كان سيتصل بإخصائي ما ويعتذر له عن إقلاق نومه لأن طفلاً يواجه مشكلة صحية وهو لا يعرف كيف يحلها.
عندما قررت أخيراً قرب الثامنة صباحاً أنه لم يعد من معنى لوجودي في المشفى، قالت لي الممرضة أن علي أن أوقع على ورقة تخلي مسؤولية المشفى. فابتسمت وقلت لها: ولكن لو لم أوقع على الورقة، كيف "ستتحملون المسؤولية"؟ أقصد هل يشبه الأمر طريقتنا في تحميل "إسرائيل" المسؤولية فضحكت الصبية وقالت: "كان الله في عونكم وعوننا. ولكن ماذا نفعل؟ لا يوجد إخصائي لدينا، لكننا نستطيع أن نبقيه تحت المراقبة." قلت في سري لأني خفت أن لا تصلها الفكرة: "تقصدين نبقيه في انتظار جودو."
خرجنا من المشفى، وقررت أن أقرأ نتائج الفحوصات التي قاموا بها وأرتب العلاقات ما بين الأعراض بعد أن أعيتني الحيلة في إيجاد مكان في رام الله يمكن أن ألجأ إليه. قدرت أن حموضة الدم في الفحص -بأمل أن يكون دقيقاً- هي 7.40 وهذا يعني استحالة وجود كيتونات بكميات كبيرة في الدم وإلا لهبطت الحموضة إلى 7.3 أو 7.2 ، وهذا يعني أن الاحتمال الأخطر يمكن استبعاده، ولا بد أن بإمكاننا التعايش مع الاحتمالات الأقل خطورة.
في العموم وفي سياق هذه الكوميديا السوداء تذكرت أن المواطنين جميعاً يحبون أن يقدموا الفتاوى في الأمور التي أشتغل بها من قبيل الفلسفة والسياسة فقلت لنفسي: لا ضير من أن أحشر نفسي في الطب والكيمياء ما دام قدر المواطن العربي مثلما يبدو أن يضطر أن يخلع شوكه كله بيديه باعتبار أن المدرس لا يؤدي عمله، والسياسي يتفنن في "الخبص" السياسي، وأستاذ الجامعة لا يدري عن التعليم والبحث إلا بقدر ما تعرف الممرضة الشابة عن أسباب حموضة الدم، مع أنها اكثر طبية وتواضعاً منه.
قدرت أننا جميعاً نخبط على غير هدى، ولكن قطاع الطب يتلقى النصيب الأكبر من اللوم مع أنه في حقيقة الأمر نتاج "طبيعي" لاقتصاد غير منتج، وتعليم هابط، وسياسة تخدم المصالح كلها ما عدا مصالح الوطن والأمة.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن