غيتار .. ووطن الذاكرة المثقوبة

وليم نصار
willie.nassar@live.com

2016 / 5 / 1

غيتار .. ووطن الذاكرة المثقوبة
بقلم د. وليم نصار

- الفاتحة -
سؤال:- ماذا على المرء أن يفعل كي تتذكر الأجيال القادمة إسمه؟
جواب:- عليه أن يقتل شخصا يتمنى أن يصل إلى كعب حذاءه … سواء بالرصاص أو باطلاق إشاعة … حينها كلما تذكر الناس ذلك الشخص .. يذكرون إسم القاتل معه.

- وطن قبيح -
أريد أن أتكلم … لكن لا يسعفني اللسان …
أريد أن أسأل سؤالا واحدا يتيما … من هو هذا العكروت إبن العكروت .. الذي أقنعنا بأن النضال والموت في سبيل فكرة هو أنبل القضايا؟
لماذا لم يرسل أولاده للموت من أجل فكرة يروج لها؟
يا صديقي .. أيها الوطن .. لم نكن سوى مناضلين بالايجار ..

- غيتار وذاكرة مثقوبة –
منذ إصابتي بسرطان الدم للمرة الثالثة العام الماضي ... وأنا لا أستطيع النوم إذا لم يكن غيتاري بجانبي ...
استيقظت ليلة أمس على صوت غريب ...
صوت ذكرني بالرصاصة التي أطلقت على صدري قبل ثمان وعشرون عاما في بيروت ..

أشعلت النور .. تحسست جسدي لأتأكد أنني بخير ... تفحصت الغرفة للتأكد من أنني في بيتي .. ولم يعد باستطاعتي النوم ..
أخذت الغيتار من جانب السرير لأعانق أوتاره كي تهدأ نفسي قليلا .. لأفاجأ أن أوتاره قد قطعت ..
هطلت دمعة يتيمة من عيني اليسرى ... وأحسست باليتم مجددا ..

حاولت الاتصال بأبو عاصم أو يسري الغول في غزة لأشكي لهما يتمي الجديد .. لكن الاتصال كان غير متاح ...
لم أجد من يواسيني في موت غيتاري سوى صديقتي لور ... فاتصلت بها ورميت في حضنها حزني على غيتاري ..
قلت لصديقتي لور:
" بالرغم من وجود أربعة غيتارات غيره في المنزل .. إلا أن هذا الغيتار هو طفلي المدلل .. رافقني منذ أن كنت في الحادية عشرة من عمري ...
رافقني في أول حفلة أقمتها في مخيم إتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني ... وبعدها في كل الحفلات التي أقمتها قبل رحيلي النهائي عن بيروت ... إلى منفاي الطوعي ...
نشرنا تاريخنا سويا على سطوح المنازل الفقيرة ... وكنت كلما أفتقد إنسانيتي يرافقني في شن الحروب .. بقصف من الحب والموسيقا " ...

نظرت إلى غيتاري وسألته معاتبا .. لم الآن؟ !!!
لم تريد التخلي عن ذاكرتنا المثقوبة؟
أجابني:- " لقد فقدت الذاكرة ... لم أعد قادرا على تذكر شكل زهرة الدحنون ... لقد ألقوا دفتر رسوماتنا على أرض ملونة بدمائنا ... ولم أدرك سوى متأخرا أنهم باعوا دمنا ..
إرمني يا صديقي .. فقد أصبحت خارج الخدمة" ...
قلت لغيتاري:- أفهمك .. ولن أرميك ..بل سأضعك في غرفة مكتبي .. وأعتني بك كطفل رضيع ..
سأضيفك للقصيدة وردة ... رغم كل هذا السقوط والزيف المحيط بنا ..
ستبقى يا غيتاري ... الصديق والرفيق .. ولن أقول حتى الموت .. بل سأبقى وفيا لك .. إلى أن تعود البغايا عذارى ..

- ذاكرة الحرب الفاضحة -
أذكر من زمن الحرب ضد إسرائيل .. عضو المكتب السياسي لأحد التنظيمات "اليسارية" الفلسطينية ... حين طلب من مرافقه أن يلمع له حذاءه ...

أذكر من زمن الحرب .. أنني وقعت في غرام فكرة "الاستشهاد" على درب فلسطين .. فغادرت الحزب الشيوعي اللبناني مع مجموعة من "الرفاق" إلى تنظيم يساري فلسطيني .. لنجد أنفسنا متورطون في الدفاع عن المخيمات الفلسطينية التي حاصرتها حركة أمل والمخابرات السورية ...
أذكر ذلك "المسؤول" الذي تولى قيادتنا ... وكيف لم يغادر مكتبه في بيروت طوال سنتين سوى إلى المرحاض .. وكان يقضي الوقت بالنضال في حل الكلمات المتقاطعة ...

أذكر من زمن الحرب .. استضافتي لأحد المسؤولين "اليساريين" الفلسطينيين في منزلي على بشارة الخوري ... لعدم تمكنه من الوصول إلى مخيم مار الياس نتيجة القصف على المخيمات ... وكان تحت منزلي مكتب لحركة أمل .. كنت أرشيهم بعلب الدخان وقناني الويسكي الفاخر .. كي أرد أذاهم ..
هذا "المسؤول" أمضى الليل بطوله يرتجف خوفا .. ويبكي مثل طفل يطالب بتغيير حفاضه ...
هذا "المسؤول" عندما تمت ترقيته بعد سنوات ... طلق زوجته لأنها لم تعد تناسب وضعه الاجتماعي الجديد ... وها هو اليوم يحاضر على جيل لبناني وفلسطيني جديد عن الماركسية والأدب المقاوم ... وحتمية النصر على إسرائيل.

أذكر من زمن الحرب ... ذاك الفنان "الملتزم" الذي كان أيقونتي ومثالي الأعلى... لم يكن في بيروت أثناء الاجتياح الاسرائيلي ... ولم يعد إلى بيروت إلا بعد أربع سنوات ... وكان .. ولا يزال .. يعيش على قفا تنظيم فلسطيني لعلاقته الوثيقة بالمسؤول الفلسطيني "اليساري" الذي طلب من مرافقه تلميع حذائه ...
أذكره بضحكة أسى عندما يقلد أقوالي وعشقي لفلسطين حرفا بحرف في مقابلة تلفزيونية ... وفي مقابلة أخرى يشتمني ...
بعد تلك الذاكرة المثقوبة .. هل يوجد شيء إسمه فن ملتزم؟
إننا نحرث الهواء ..

- ما قبل النهاية –
لم أخف يوما من الموت .. لكنني .. وبعد تجربة المرض والشفاء منه .. أصبحت متمسكا بكل ذرة من الحياة ...
لم أساوم في يوم من الأيام على قناعة أو فكرة آمنت بها ... لكن فكرة العروبة والانتماء لها أصبحت أمرا يصيب بالاسهال ...
العروبة فكرة جاءت من عصر البلح .. فليبعها من أتى بها في أقرب سوق نخاسة ...

لم أعد أنتمي إلى هذا الشيء المسمى وطن عربي .. لا أريد الانتماء إلى وطن من أسف .. وندب .. وأناشيد ثورية .. تمجد الزعيم والقائد والملك ورجل الدين والحزب ... وتنسى الوطن ...
أعلن انتمائي للغجر .. حيث البلاد بلا حدود وتصاريح سفر ... حيث الموسيقا والغناء تؤسس أوطانا بلا أشرار .. فالأشرار لا يعرفون الغناء ..

- الخاتمة –
أنقذوا حلب …
-------------
د. وليم نصار، مؤلف موسيقي ومغن سياسي .. وناشط سلام
الموقع الرسمي
http://williamnassar.com






https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن