الحق في المدينة ... الحق المسكوت عنه الإطار الدولي والإقليمي القسم الثاني

خليل إبراهيم كاظم الحمداني
kekiraq@yahoo.com

2016 / 3 / 10

الحق في المدينة ... الحق المسكوت عنه
الإطار الدولي والإقليمي
القسم الثاني
خليل إبراهيم كاظم الحمداني
باحث في مجال حقوق الانسان
الحق في المدينة
كان عقد ستينات القرن الماضي عقدا صاخبا.. لم يبدأ مع صوت ضربة حذاء زعيم الاتحاد السوفيتي السابق، نيكيتا خروتشوف على منبر الأمم المتحدة في أكتوبر عام 1960 وبالتأكيد لم يخفت ضجيجه باحتجاجات الطلبة في مايو 1968 في باريس او احتجاجات السود في بالتيمور/نيسان 1968 على اثر اغتيال (لوثر كينج) الذي كان يلقي خطابا حاشدا في المدينة للقضاء على العنصرية او تلك الأصوات الحزينة اثر اغتيال ارنستو تشي جيفارا في أكتوبر 1967 او حتى على صوت الدبابات الروسية وهي تجوب شوارع براغ في ما يعرف بربيع براغ في أيلول عام 1968 ...كان عقدا صاخبا اجتاح العالم من الجنوب الشرق الاسيوي الى أمريكا اللاتينية مرورا بالشرق الأوسط وافريقيا .. شهد هذا العقد أيضا اعتماد العهدين الدوليين للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحقوق المدنية والسياسية من قبل الجمعية العامة هام 1966 كما شهد انعقاد اول مؤتمر دولي لحقوق الانسان في طهران عام 1968.. في هذه الظروف طرح وطور المفكر الفرنسي هنري ليفيفير(1) مفهوم الحق في المدينة من خلال دعوته لإعادة بناء السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتعلقة بالمدينة وإعادة بناء موازين وعلاقات القوة على وحه الخصوص من السلطات العامة الى السكان المدينيين بمعنى أن المدينة من حق كل شخص وتنتمي لكل شخص، وأن لكل شخص الحق في أن يقول رأيه في أي شأن من شؤون المدينة التي تخصه وتصوره بالنسبة لكيفية صنع قرار وخلق مستقبل المدينة ليلبي احتياجاته وطموحاته. يتعلق الأمر كله بالعدالة الاجتماعية. وهو مجموعة من الحقوق الجماعية الحضرية والبيئية المرتبطة ببعضها البعض والتي تعزز الرفاهية المشتركة لكل السكان، وهو الحق الذي يفرض جميع الحقوق الأخرى على أرض الواقع، ويتطلب عملاً جماعياً وتضامناً بين كافة المواطنين من أجل إدراكه. ان إعمال هذا الحق يتطلب حراكا جماعيا حيث انه مثل باقي الحقوق لايتم منحه كهبة من قبل السلطات العامة إنه حق جميع المواطنين أن يشاركوا في كافة مراحل التخطيط وصناعة القرار التي تؤثر على البيئة المحيطة بهم في حياتهم، إنه حق المواطنين في استخدام الأماكن الحضرية لأقصى ما يمكن وبكل إمكانياتها في كل أغراض الحياة من لهو أو عمل أو غير ذلك. ويعتبر غياب أو إهمال صوت أي مواطن من أن يكون عنصراً فعالاً في تشكيل مستقبل المدينة تقصيراً في الحق بالاستمتاع المثالي بالمدينة ، ويطرح الحق في المدينة رؤية جديدة تتعلق بمضمون المواطنة حيث يتم تناولها بسياق بما ان الحق في المدينة لكل من يسكن فيها فانه يطرح عنصرين الأول حق السكان في استخدام الحيز المديني وبلورته وتصميمه تبعا للحاجة والحق في المشاركة في اتخاذ القرار المتعلق بساكني المدينة ، ويتزايد الاهتمام بهذا الحق من اجل اكسابه مفهوما قانونيا ومؤسسيا ومن الأمثلة على ذلك ميثاق مونترَيال للحقوق والمسئوليات (2006)، وكذلك ميثاق مكسيكو سيتي للحق في المدينة (2010)، وفي غوانجهو /كوريا الجنوبية ميثاق حقوق الإنسان عام 2012 وميثاق فيينا عام 2012 كما ان هذا الحق دخل الأطر الدستورية وقانونية بأشكال شتى منها:
- نص دستوري حول الوظيفة الاجتماعية كما في الدستور البرازيلي لعام 1988 إذ يحوي الفصل الثاني فقرات مهمة حول سياسات التحضر فطبقا للمادة 182 يتم تنفيذ سياسة التطوير الحضري من قبل حكومة البلدية طبقا للخطوط التوجيهية العامة المنصوص عليها في القانون والتي تهدف الى (فرض التنمية الشاملة للوظيفة الاجتماعية للمدينة وضمان رفاهية قاطنيها ) كما تنص الفقرة الثانية على ان الملكية في المناطق الحضرية تؤدي وظيفتها الاجتماعية حينما تلبى الشروط الأساسية اللازمة للمدينة على النحو المبين في المخطط الرئيسي )مما يجعل الوظيفة الاجتماعية للملكية سمة مطلوبة على نحو دستوري في التخطيط الحضري.
- نص دستوري حول الوظيفة البيئية والاجتماعية -;-كما في دستور دولة كولومبيا، والقانون رقم 388 / 199 الذي أشار الى ان الضمانات بأن الملكية الفردية وغيرها من الحقوق المكتسبة من خلال القانون المدني، لا يمكن إرجاعها من خلال قوانين لاحقة، وعندما يتم تطبيق القانون لأسباب من أجل المنفعة العامة، أو المصلحة الاجتماعية، ويؤدي إلى حدوث تضارب مع الحقوق الفردية، ينبغي التنازل عن المصالح الخاصة لصالح المنفعة العامة والاجتماعية. فالملكية هي وظيفة اجتماعية تنطوي على التزامات لذلك، فهي لديها وظيفية بيئة متأصلة (الدستور الكولومبي 1991 / المادة 58.
- نص قانوني حول التخطيط والتنظيم الإقليمي الأساسي القانون 388 / 1997 (كولومبيا أيضا) الذي يصف ثلاثة أنظمة تخطيطية: 1 ( خطط المرسوم الإقليمي للمدن التي تأوي أكثر من 100.000 نسمة، 2( خطط الاستخدام الأساسية الإقليمية، للمدن التي تأوي ما بين 30.000 و 100.000 نسمه، 3 (قطاعات الاستخدام الإقليمي.
- نص قانوني حول المشاركة الديمقراطية حبث يمكن أن تطور مشاركة المواطنين من خلال الحق في تقديم الالتماس، وحضور جلسات الاستماع العامة، والعمل على ممارسة إجراء ، وانشاء، ومناقشة، وتنفيذ الخطط الإقليمية، والإجراءات الخاصة بمنح، أو تعديل، أوإيقاف، أو إلغاء التراخيص الحضرية، وفقا للشروط المنصوص عليها في القانون ولوائحه التنفيذية") القانون 388 / 1997 المادة 4 م كولومبيا أيضا.
- نص دستوري حول الحق في المدينة. الوظيفة البيئية والاجتماعية في الإطار الحضري جيث تنص المادة 31 من دستور دولة الإكوادور على:
" لكل شخص الحق في التمتع الكامل بالمدينة وأماكنها العامة، وعلى أساس مبادئ الاستدامة، والعدالة الاجتماعية، واحترام مختلف الثقافات الحضرية، والتوازن بين القطاعات الحضرية والريفية. ويقوم ممارسة الحق في المدينة على الإدارة الديمقراطية للمدينة، مع احترام الوظيفة البيئية والاجتماعية للملكية والمدينة، فضلا عن الممارسة الكاملة للمواطنة.
- نص دستوري حول احترام التنوع في المدينة حيث يكفل الدستور البوليفي التنوع والتمثيل المباشر للشعوب الأصلية في الحكم المحلي. وتنص المادة 284 من دستور بوليفيا على
1. يجب أن يتشكل مجلس المدينة، من أعضاء منتخبين، ويكون انتخاب المجلس بالاقتراع العام.
2. الأمم أو الشعوب الأصلية المحلية الريفية في البلديات التي لا تشكل فيها استقلالية للسكان الأصليين المحليين ينبغي انتخاب ممثليهم في مجلس البلدية مباشرة، وبحسب القواعد والإجراءات الخاصة بهم، وبما يتوافق مع ميثاق البلدية الأساسي.
- نص دستوري حول الحق في الملكية ووظيفتها الاجتماعية -;- تنص المادة 56 من دستور بوليفيا على: " لكل فرد الحق في الملكية، الخاصة، الفردية أو الجماعية، بشرط أن تقوم على خدمة وظيفة اجتماعية. ثانيا، الملكية الخاصة مصونة بشرط أن لا يكون استخدامها يشكل ضار على المصالح الجماعية.
يتمحور معنى الحق في المدينة على الاستخدام العادل للمدن بما يتوافق مع مبادئ الاستدامة، والديمقراطية، والمساواة، والعدالة الاجتماعية. فهو حق جماعي لجميع سكان المدن، مع إعطاء الأولوية للفئات المستضعفة والمحرومة، حيث تكتسب تحركاتهم وتنظيمهم المشروعية من خلال سعيهم المعتاد للهدف كي يتحقق، وهو عمليا، الحق في حرية تقرير المصير، ومستوى معيشي
لائق ويعتبر الحق في المدينة، مبدأ مترابط ولا يتجزأ عن جميع مبادئ حقوق الإنسان المعترف بها على المستوى الدولي ومتصور بشكل متكامل ضمن جميع الحقوق المدنية، والثقافية، والاقتصادية، والبيئية، والسياسية، والاجتماعية التي تكفلها المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان. كما يفترض ذلك ضمان الحق في العمل اللائق، والحق في إقامة الجمعيات الأهلية والانضمام إليها، و كذلك الحق حرية التنظيم والانضمام إلى التجمعات السلمية، والأمن الاجتماعي، والحق في التمتع بأعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه، وأيضا الوصول إلى المياه الصالحة للشرب والخدمات الاجتماعية الأخرى، فضلا عن الحق في الغذاء، والمسكن والملبس اللائق، وجودة التعليم، والمشاركة الثقافية، إضافة إلى الحق في الحصول على المعلومة، والمشاركة السياسية، والوصول إلى العدالة، والحق في السلام. ويتضمن كذلك، احترام وحماية واعمال حقوق الأقليات والتعددية الإثنية، والعرقية والجنسية، والثقافية، مع احترام المساواة بين الجنسين وبين المهاجرين.(2)
وأُرسي مفهوم الحق في المدينة تحديداً في الميثاق العالمي للحق في المدينة الذي شاركت في إعداده مجموعة واسعة من المنظمات والشبكات، بما فيها اليونسكو وموئل الأمم المتحدة ولا بد من الإشارة هنا الى ان هذا الميثاق اعتمد في طرحه على مجموعة من السياقات القانونية يمكن ادراجها وكما يلي:
- المواد 343، 454 من ميثاق منظمة الدول الأمريكية 1948
- التعليقات العامة رقم 4 ، 7 ، 11 ، 15 ، 16 ، من لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
- المادة 65 من دستور البرتغال 1976
- المادة 47 من دستور إسبانيا 1978
- المادة 182 ، 183 من دستور البرازيل 1988
- بعض المواد المتضمنة في دستور مدينة بوينس أيرس المتمتعة بالحكم الذاتي) الأرجنتين 1996
- الميثاق الأوربي لحماية حقوق الإنسان بالمدينة سانت دينيس، 2000
- النظام الأساسي للمدينة) البرازيل 2001
- ميثاق مونتريال للحقوق والمسؤوليات) مونتريال، 2004
- خطة عمل مؤتمر القمة الأيبيرو أمريكية السابع عشر لرؤساء الدول والحكومات، الإعلان السابع عشر، الفقرة 29 ( 2007 ؛)
- المادة 31 ، 376 من دستور الإكوادور ) 2008 ؛)
- ميثاق مدينة ميكسيكو سيتي للحق في المدينة / 2010 .(3)

وفي مقاربة لموضوع حقوق الانسان في المدينة وتحديدا موضوع التهميش والاقصاء ووضع المجموعات السكانية مختلفة الثقافات يمكن الاشارة الى حادثتين الاولى الاحتجاجات في تركيا وتحديدا احتجاجات حديقة جيزي في 28 / 5/ 2013 حيث قامت مظاهرات واحتجاجات واسعة في مدينة اسطنبول التركية واحتلت حديقة جيزي وميدان تقسيم. وكان الهدف الاساسي للمحتجين منع السلطات من تغيير وضع الحديقة والميدان بإقامة منشآت تجارية عليها. وهذه الحديقة كانت تقليديا مركزا للاحتجاجات العمالية والسياسية. وقد وقع اشتباكات واسعة بين البوليس والمحتجين وسقط عدد من القتلى ومئات من المصابين قبل أن تذعن السلطات لرغبة المحتجين. وتقرر الويكيبيديا ان هذه الحركة بدأت باحتجاجات منتزه ميدان تقسيم في تركيا في 28 مايو 2013. في البداية، قاد ناشطون بيئيون الاحتجاجات ضد إزالة أشجار في ميدان تقسيم وإعادة إنشاء ثكنة عسكرية عثمانية (هدمت في 1940) تحدثت تقارير عن أنه من المقرر أن تضم مركزًا تجاريًا. تطورت الاحتجاجات إلى أعمال شغب بعد أن هاجمت قوات الشرطة المحتجين. واتسع موضوع الاحتجاجات ليشمل الاعتراض على سياسات الحكومة، وانضمت مدن أخرى للتظاهر حيث وقعت المظاهرات في إسطنبول، وأنقرة، وأزمير، وموغلا، وأنطاليا وفي 31 مايو، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، حيث أصيب المئات وذكر وزير الداخلية التركي أن 939 شخصًا من المشاركين في الاحتجاجات قد تم احتجازهم لكنه أضاف أن بعضهم أفرج عنه بعد الاستجواب.
وطالبت المعارضة على أثر هذه الأحداث بوقف إزالة المنتزه ومحاكمة الشرطة واستقالة محافظ إسطنبول، وصرح رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أن المشروع سيستمر، واعترف بتجاوزات الشرطة، ودعا إلى وقف المظاهرات فورًا وتجمّع مئات الأتراك أمام مقر البرلمان الأوروبي في بروكسل منددين بحكومة أردوغان وانتظمت مسيرات تضامنية في عدة مدن في ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وفي نيويورك بالولايات المتحدة. (4)
والخلفية التاريخية للحراك الاجتماعي والسياسي لهذه الحديقة بشرحه السيد آرا دمبكجيان وكما يلي (في سنة 1930 تم هدم المقبرة الأرمنية القائمة هناك منذ مئات السنين في قاطع بنكالتي Pangalti من قبل بلدية المدينة. في الوقت نفسه باعت البلدية شواهد القبور المصنوعة من المرمر للاستفادة من الأموال وإخفاء أي أثر يدُلُ على تلك الجريمة. أما الأرض التي فرغت من ساكنيها الأموات فتم إنشاء حديقة إينونو جيزي مع الفنادق المختلفة مثل هيلتون و إنتركونتيننتال و ديوان و محطة إذاعة و تلفزيون تي آر تي التي أُقيمت جميعها على الأراضي الأرمنية المستولاة عليها من قِبل البلدية. يعتبر قاطع بنكالتي، الذي هو جزء من مقبرة القديس يعقوب الأرمنية، أكبر مقبرة غير أسلامية في إسطنبول. بُنيَت المقبرة في 1560 بعد أن وَهَبَ السلطان سليمان القانوني برسم همايوني تلك الأرض الى الأرمن، و في تلك السنة بالذات، و عندما أصاب الطاعون المدينة، بدأ الأرمن بدفن موتاهم خارج المدينة عبر مصَحَّة (مشفى) القديس يعقوب و التي أصبحت تدعى بعدئذٍ مقبرة القديس يعقوب. و في 1780 تم توسيع المقبرة التي سُيِّجَت بالكامل في 1853وفي 1919 بُني نصبٌ تذكاري تخليداً لضحايا الإبادة الجماعية للأرمن في 1915 و التي راح ضحيتها أكثر من 1.5 مليون من الشعب الأرمني.
في 1933 أقامت بلدية إسطنبول دعوى قضائية للاستيلاء على أرض المقبرة الأرمنية. تحدّى البطريرك الأرمني بدعوى مضادّة و لكن المحكمة التركية (النزيهة جداً) أجَّلَت النظر فيها الى أن قرَّرَت وزارة الداخلية الاستيلاء على تلك الأرض الممتدة على مساحة 850 ألف متر مربع ... و سَلَّمَتْها الى البلدية، و في الوقت نفسهِ (تفضلت ) بترك ستة ألاف متر مربع الى البطريركية الأرمنية صاحبة الأرض. و أكْمَلَت (النزاهة التركية) عملها و أجبَرَت المحكمةُ البطريركيةَ أن تدفع 3,000 ليرة تركية تغطية لنفقات الجلسات. و بعد الأستيلاء على الأرض باعتها البلدية الى المستثمرين.
أستمَرَّت عمليات الأستيلاء بين سنوات 1931-1939 و راحت ضحيتها كنيسة القديس يعقوب التي هُدِمَت و أُزيلَت و أُقيمَت في مكانها حديقة جيزي و ساحة تقسيم. كان تهديم تلك الكنيسة، التي عَمَّرَت لمئات السنين، بمثابة المسمار الأخير في نعش الوجود الأرمني في تلك البقعة من المدينة. و لم تكتفِ الحكومة التركية بذلك بل استخدمت الحجارة الناتجة من تدمير الكنيسة و المقبرة في بناء الحديقة و الساحة و بيع مرمر شواهد القبور للمستثمرين.
كان الأستيلاء غير الشرعي و تدمير و تهديم المباني ضمن سياسة الحكومة التركية في تتريك أو تصفية القوميات غير التركية بدءاً من عملية الإبادة الجماعية للأرمن في 1915.(5)
والحادثة الثانية هي عن حركة (احتلوا وول ستريت عام 2011) وهي حركة احتجاجات دعت إلى احتلال وول ستريت في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية. بدأت المظاهرات عندما نادت بها مجموعات على موقعي الفيسبوك وتويتر، في 15 أكتوبر دُعيَ إلى عولمة المظاهرات لتصبح حدثاً عالمياً يستهدف جميع مدن وبلدان الأرض، مما أدى إلى خروج المظاهرات في أكثر من 1000 مدينة في 25 دولة تضم بعضاً من أكبر اقتصادات العالم، وتوسعت الحركة لتتحول إلى حركة عالمية.
بدأت الاحتجاجات بمسيرة صغيرة في 17 سبتمبر في وول ستريت شارك فيها قرابة مئة شخص، واستمرَّت أعدادهم بالنمو شيئاً فشيئاً على مدى أسبوع، حتى جاءت الشرطة واعتقلت معظمهم (أكثر من 80 شخصاً) في 24 سبتمبر بحجة "عرقلة حركة المرور". وبعد هذا الاعتقال الجماعي الأول من نوعه ترك المحتجون وول ستريت واتجهوا إلى ساحة في "حديقة زوكوتي" المُجاورة، وأصبحت هذه الساحة هي معقلهم الرئيسي حيثُ ابتعدت عنهم الشرطة نظراً إلى أن الحديقة مكان عام يُفترض أن يفتتح طوال اليوم. في 30 سبتمبر قادت الحركة مسيرة إلى مقر شرطة نيويورك احتجاجاً على الاعتقالات المستمرة، ثم حاولت قيادة مسيرة أخرى شارك فيها ألفا متظاهر عبر جسر بروكلين، لكن الشرطة اعتقلت 700 شخص منهم بحجة عرقلة المرور أيضاً، على الرغم من الإفراج عن معظمهم بعدها بساعات.
في 15 أكتوبر وبعد أسبوع من الدعوات المسبقة انتشرت الاحتجاجات للمرة الأولى لتشمل جميع مدن العالم، إذ خرجت المظاهرات في أكثر من 1500 مدينة حول العالم مئة منها في الولايات المتحدة وحدها، وتحولت المظاهرات إلى اشتباكات عنيفة في العاصمة الإيطالية روما. وعلى الرغم من انحسار المظاهرات قليلاً بعد ذلك اليوم فقد استمرَّت الاعتصامات ببعض المدن الأمريكية خصوصاً نيويورك وواشنطن طوالَ الأسبوع التالي، لكن الشرطة هاجمت الاعتصامات مجدداً في 16 أكتوبر واعتقلت أكثر من 300 متظاهر في أمريكا. (6)
وفي مقاربة رائعة لهذا الموضوع يتحدث ( ديفيد هارفي ) عالم أنثروبولوجي و عمران كبير و متميز) بانه (يمكن للعمال أن يناضلوا من أجل أجور أعلى و ظروف عمل أفضل ، و ربما نجحوا في مجال عملية الإنتاج من وجهة نظرهم .ولكنهم ، يأخذون أموالهم الإضافية، و يعودون إلى ديارهم ، ليجدوا أن عليهم فجأة دفعها مرة أخرى إلى البرجوازية في شكل ارتفاع الإيجارات و رسوم بطاقات الائتمان ، فواتير الهاتف ، وهلم جرا . لذلك ، من وجهة نظر العامل ، هناك قلق ليس فقط فيما يحدث في عملية الإنتاج ، ولكن أيضا كم تكاليف السكن ، وكم تدفع ثمن السلع والخدمات والسلع في المحلات و الرسوم خفية من دفع الفائدة على الرهون العقارية ، وجميع ما تبقى منها .لذلك ، أنا افسر هذين الشكلين من أشكال الصراع الطبقي ، و الذين يتم في الكثير من النظريات الاحتفاظ بهما منفصلين ، باعتبارهما وحدة متناقضة. ولذلك، فإن الصراعات التي تجري في المدن حول الحياة اليومية لا تقل أهمية عن الصراعات الجارية في أماكن العمل. وهذه الوحدة كانت دائما مهمة جدابالنسبة لي ، على الرغم من أن الكثير من الناس يفضلون عدم الاعتراف بهذا .هذا ، إذن، يؤثر في كيف تتشكل المدن، ما هي تكاليف المعيشة ، وكيف يوزع الإيجار مستويات الدخل في أماكن مختلفة ، وكيف يحدث العزل (كلمة معناها جيتو يقصد بها مجموعة معينة من السكان معزولة عن محيطها مثل حارة اليهود لكن الكاتب يتحدث هنا عن الفقراء ) . هنا ، ينبغي أن نتحدث عن العزل ،التاريخي للفقراء ، ولكن الآن للأغنياء ، الذين يشكلون غيتوهات لأنفسهم ويغلقون علي أنفسهم بعيدا عن العالم .
لذلك ، أرى أن هذا يمثل مشكلة واحدة موحدة ، وإن كان هناك ما أسميه الوحدة المتناقضة بين ما يحدث في نقطة الإنتاج و ما يحدث في مساحة المعيشة . الآن ، وجهة نظري هو أنك يمكن أن يكون لها انتصارات هائلة في الواقع عند نقطة الإنتاج ، ومن ثم فإن جميع أن تضيع عليه مرة أخرى في مساحة المعيشة . يتم تحريكها العمال بسبب ارتفاع الإيجارات و ، يمكننا أن نرى هذا الحق الآن ، في الواقع ، إذا نظرنا إلى العاصمة في العام استخراج الفوائض مرة أخرى من العمال من خلال إقامة ارتفاع الإيجار، و رسوم الهاتف ، وهلم جرا .
هذا مهم بالنسبة لي عندما ادرس للطلاب . أستطيع أن أعلمهم نظريا حول مكان العمل ، ولكن معظم الطلاب ليسوا في مكان العمل . ولكن ، إذا بدأت تتحدث عن الإيجارات التي يدفعونها ، سوف يفهمون بالضبط مغزي ما تتحدث عنه (يلاحظ أن طلاب الجامعات الأمريكية غالبا يقيمون بعيدا عن أسرهم و يستأجرون أماكن للسكن) . تقول لهم انهم يقاتلون عن نفس الأشياء ، وبالتالي يلعبون لعبة الصراع الطبقي .
بالنسبة لي ، أن الصراعات حول الحيز الحضري ونوعية الحياة اليومية في حي لها نفس الأهمية لإدراك الآليات ماهية الصراع الطبقي . الشيء لا يصدق عن رأس المال ، بطبيعة الحال، هو مرونته الشديدة :لو خسر هنا ، فإنه يكسب هناك . كان لدينا فترة في ظل الديمقراطية الاجتماعية عندما فقد بعض السلطة في مكان العمل ، و حاول أن يمتص مرة أخرى أكبر قدر من الفائض من خلال هذه الآليات الأخرى . وأعتقد أنه من المؤسف أنه في كثير من طرق التفكير ، بما في ذلك الماركسي التقليدي ، ما يحدث في مساحة المعيشة يعتبر مسألة ثانوية . رأس المال في غاية السعادة إذا أعتقد الجميع أنه قضية ثانوية ، وذلك لأن هذا المجال لا يتم الاقتراب منه كجزء من آليات الصراع الطبقي .بالنسبة لي ، أن الوحدة المتناقضة بين الإنتاج و تحققه مهم في الطريقة التي نفكر بها عن العلاقة بين إنتاج القيمة ، و فائض القيمة ، و تحققه. بطبيعة الحال ، واحدة من المشاكل النظرية الماركسية هو أن لا أحد يقرأ المجلد الثاني من كتاب رأس المال عن عملية تحقق القيمة . كل واحد سيقول لك عن عملية الإنتاج ، ولكن لا أحد يناقش عملية التحقق . المجلد الثاني هو كتاب صعب جدا للقراءة، ولكن أفتقاد هذه القطعة هو السبب ، أعتقد، أن هناك قصورا خطيرا في التحليلات الراديكالية التي لا ترى الوحدة بين الإنتاج و تحققه .(7)
يتبع ..




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. (هنري ليفيفر (1901-1991) عالم اجتماعي ومخطط حضري وفيلسوف فرنسي)
2. ((المفهوم والتطبيق لميثاق الحق في المدينة لبناء مدن عادلة، ديمقراطية مستدامة - في دراسة دولية أجراها كل من التحالف الدولي للموئل/ Habitat International Coalition، والمنتدى الوطني للإصلاح الحضري/ Fó-;-rum Nacional de Reforma Urbana) البرازيل (، ومعهد بوليس))
3. المصدر السابق
4. المصدر/ https://ar.wikipedia.org/wiki 2013) احتجاجات تركيا
5. ( الكاردينيا / مجلة ثقافية عامة / ساحة تقسيم في إسطنبول وتاريخها/ 6/7/2013)
6. https://ar.wikipedia.org/wiki / احتلوا وول ستريت
7. حوار مع ديفيد هارفي أجراه موقع جدلية في 25/11/2013 (نقلت الترجمة بدون تصرف) ولد هارفي عام 1935و هو منظر اجتماعي وجغرافي ماركسي من أصل بريطاني و أستاذ لعلم الإنسان بمركز الدراسات العليا لجامعة مدينة نيويورك وأحد أهم الجغرافيين في العالم. بجانب كتاباته الجغرافية والأثنروبولوجية يتناول هارفي مواضيع متنوعة كالعدالة الاجتماعية, منطق الرأسمالية داخل إطارة البيئة المبنية, ما بعد الحداثة, وانتقاد الرأسمالية بشكل عام. تكمن أهمية هارفي في نقده للرأسمالية -خاصة في شكلها النيوليبرالي - وفي مركزية المفهوم الماركسي للطبقة الاجتماعية في تناوله. تدور أبحاث هارفي الأكاديمية حول عدة مواضيع منها : الجغرافيا والنظرية الاجتماعية، المعرفة الجغرافية، سياسات المدن الحضرية، الاقتصاد السياسي بالمدن الحضرية، التمدن بالدول المتقدمة رأسماليًا، العمارة والتخطيط العمراني، الماركسية والنظرية الاجتماعية، التغييرالاجتماعي والتغير الجغرافي، الفلسفة البيئية، البيئة والتغيير الاجتماعي، الحركات البيئية، العدالة الاجتماعية، جغرافياالاختلاف والطوباوية



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن