أطلال ذاكرة (1)

العياشي الدغمي
elayachi.doghmi@gmail.com

2016 / 1 / 11

أطلال ذاكرة (1)
المهمة الشاقة...
الجو ممطر، والبرد قارس... كنت أبلغ حينها السادسة من عمري، طفل بريء متسخ الملابس، مفعم بروح طفولية هياجة، كثير الحركة والأسئلة كذلك.. أعشق اللعب كباقي الأطفال بلا مبلاة بمرور الوقت أو توقفه حتى، كنت ماهرا في صناعة وابتكار الألعاب خاصتي. ألعاب تجسد بساطة الأفكار الطفولية وقناعتها في الآن نفسه، إنها كانت عبارة عن (دراجات، مصنوعة من بقايا الأحدية المطاطية المستعملة...صبابيط البوط) التي تعبت أناملي الفتية في تمزيقها، وتقطيعها، ونحتها، وثقبها حتى تلائم القضيب الحديدي أو الخشبي الذي سيكون المحور الواصل الدوار بين عجلتي دراجتي الموصولة بعصى طويلة منتهية بما يشبه المقود المصنوع بدوره يدويا، وبمهارة متناهية الدقة من تجميع للأسلاك وانتقاء الجيد منها ثم ليها وتطويعها حتى تتشابك مع بعضها البعض في شكل دائري هو حتما ما سيمكنني من الشعور بذاك الإحساس المغمور برفاهية السائق وغروره حين يقود سيارته وعشيقته في الكبرياء...
كنت عنيدا جدا، لا يطاق عنادي حتى لمن هم أولى بتقبله، عنيدا عند المناداة علي لتأدية مهمة صغيرة لأمي عند الجيران، ك(السخرة) أو غيرها، عنيد يوم يأتي دوري في الاستحمام.. عنيد حين يأتي دوري في (السرحة)، نعم السرحة وهي من أشقى المهام التي يمكن تصورها في عقل ومخيلة طفل قروي كل همه اللعب وليس غير اللعب... السرحة تلك المهمة التي طالما اغتصبت طفولتي، وعنفت عنفواني، وقمعت إرادتي في الوجود كطفل حر ومتحرر لبناء وصقل مهاراته في اللعب، لقد كنت الطفل المفضل لدى جدتي والمختار لهذه المهمة من بين باقي أشقائي الثلاثة، ولم لا من بين قوم بأكمله من بني وبنات أعمامي الآخرين، فقد كنت دوما على رأس القائمة ممن هم مؤهلين لأدائها، فكنت كلما سمعت صوت عمتي القوي والحاد التي هي بنت جدي صاحبة الأبقار التي سأرعاها (أسرحها) ، كنت كلما سمعت ذلك الصوت الذي مازال يتردد صداه في أعماق أعماق مخيلتي، تزلزلت الأرض من حولي وتمنيت لو حينها انشقت واختطفتني في غياهبها كي لا أردد ذلك الجواب المغمور بكل مشاعر الخوف والغضب والتردد... نعم إنها عمتي تنادي من جديد (العياااااااااشييييي) ثم تتبع هذا النداء بتلك الجملة التي طالما كرهتها حتى النخاع.. (طلق البهايم او ديهم يسرحو... او ننناااااري هي او وصلو لشي واحد من الجيران) وهذا حتما ما كان يجعل مني الشخص المفضل للسرحة.. إنني كنت في نظرهم ذا موهبة خارقة في رعي البهائم والاهتمام بها والحرص على أن لا تتسبب في أية مشاكل مع الجيران، خاصة (مي عايشة الله يرحمها) التي كانت بمثابة جزائر أخرى لمغرب جدتي (الله يرحمها بدورها إلا دارت باش ترحم طبعا).
تمايلت تارة هنا وتارة هناك، نظرت يمينا ثم يسارا، وكأن في غياهب وجداني يطرح ذاك السؤال العقيم الذي طالما طاردني.. ثم رددت مجيبا (نعاااااام أفتيحة، أنا هنا) لكن أين هنا؟ هنا وحسب حيث أنا، حيث يوجد كل طفل بريء، حيث توجد كل طفولة الكون المغتصبة في شخصي، حيث ترقد كل هموم الدنيا والدين بين رجلاي الصدئتين المقززتين من شدة ما التصق بهما من وحل وبقايا روث البهائم.. وأتممت في خواطري بهمسات طفولية غصة.(أوووووف متى سينتهي كل هذا... متى ستموت هذه العمة القذرة ومعها لعنة هذه الأبقار المسلطة علي وحدي متى متى متى)....
إنني في حضيرة البهائم، إسطبل واسع وعريض مسقف بالقصدير الصدئ المتهالك، في حضرة الأبقار أمشي بين حوافر أرجلها القاسية، في حذر شديد وانتباه مطلق، خائفا كأي طفل على جسد كل ما يمكن القول عنه أنه نحيف وضعيف البنية، خائفا من تسديدة مركزة لحافر من تلك الحوافر، نحوي، نحو هدف بلا دفاع ولا أدنى قدرة على الصد... أمشي بين الٌأبقار أفك رباطها واحدة تلو الأخرى ثم أجبرها على الخروج نحو الباب حيث هنالك تلك العمة المنحوسة تنتظر... عفوا تتفرج علي وأنا أعيش رهبتي لحظة بلحظة بين أبقارها أبقار أمها الضخمة...
وأخيرا انتهيت من المهمة الأولى لتبدأ الأصعب.... بأمر تجمعت فيه كل خشونة الدنيا وتهديدات العصر... نطقت العمة وهي تشير بإصبعها الصلب (عمتي طبعا) : (وسير ديهم لهيه او رد لبال يوصلو للجزائر عفوا ل مي عايشة) رغم أنها تعلم أن أبقارها أبقار أمها لا يهم الكل لنا لهم... تعلم علم اليقين أنها بين يدين أمينتين ... يدين لا تعرف ولا تملك أي فرصة للعبث..
وكالعادة ترعى الأبقار في المرعى، ترعى وتحصد بأفواهها كل مؤهلاتي وآفاقي وأي فكرة في الحرية أو التحرر، تغتصب حقي في اللعب، حقي في الوجود كطفل .... حقي في التمدرس...
وهكذاا توالت الأيام والأيام كسابقاتها... إلى أن...... جاء المنقد... (يتبع)
بقلم : العياشي الدغمي .. أبريل 2015



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن