من جديد ، حلقات الاعتماد المتبادل .. أطروحة الاصلاح نموذجا .

مسَلم الكساسبة
msallamk@yahoo.com

2015 / 10 / 28

تحدثنا في المقالة السابقة عن فكرة " حلقات الاعتماد المتبادل" .. وقلنا أنها تلك القضايا والعقد التي توجد أو تنشأ بسبب مشكلات أو عقد وقضايا اخرى غيرها او يعتمد وجودها اصلا على عقد ومشكلات غيرها وليست هي العقدة بحد ذاتها ، بحيث إذا حُلت تلك المشكلات والعقد ستنحل تلك العقدة لوحدها .. بالتالي لا تكمن حلولها بمباشرتها حيث هي او بالبدء منها ذاتها بل بحلحلة عقد اخرى غيرها هي سبب تلك العقدة .. فتنحل لوحدها دون ان نقربها او نسعى لحلها البتة ، لأنه ساعتها لا تعود اصلا ثمة مشكلة او عقدة موجودة. وأن هذا المفهوم يمكن ان يطبق على العديد من مشكلاتتا ومنها قضايا معقدة سببت صداعا للأمة كلها بل واخيانا للعالم معها.

هنا سنكتشف أن هذا التوصيف ذاته ينطبق كثيرا على أطروحة اخرى وعقدة مستعصية بدورها هي أطروحة الإصلاح ذاته .. إذ سنرى في هذه الأسطر كيف أنه لا يمكن حل عقدة الاستبداد وتحلف النظم السياسية بمباشرتها (العقدة) حيث هي ، متجاهلين الاسباب والمغذيات التي تؤدي لها وتكرسها وتديمها ، بل بحلحلة وتفكيك عقد أخرى غيرها يعتمد عليها تكريس تلك الحالة بالتالي الحل ذاته.

منها : تلك التي في الثقافة ذاتها وفي الانساق او السياقات الاجتماعية الثقافية ذاتها ولخلق بيئة ثقافية اجتماعية مواتية للإصلاح ..فقد اكتشفنا بطريق التفكير بالعصف الذهني والتداعي الحر وعن طريق مفرزات عاصفة ما سمي بالربيع العربي ذاته أن التفكير والتحليل الذي يذهب إلى أن عقدة المنشار في طريق الاصلاح هي النظم السياسية ذاتها هو مذهب سطحي وتحليل ساذج .وأن النظم السياسية وإن كانت تساهم بتكريس تلك الحالة بشكل متفاوت بينها ، لكنها في الواقع هي بدورها نتيجة من نتائج استبداد آخر هو الكامن في المركب الثقافي الاجتماعي ذاته . ورغم انها احيانا قد تكون غير راغبة بذلك الدور وتشعر انه قد يشكل في المدى البعيد خطرا على وجودها . وأنها -أي تلك الأنظمة - تحرس ذلك الاستبداد كدور موكل لها من قبل تلك الانساق الثقافية الاجتماعية ذاتها . وأنها اذا تخلت عن ذلك الدور رغم زهدها فيه –ربما- شكل ذلك تهديدا لها بدوره .لكن ولكونه ربما يخدمها او يخدم بعض اغراضها فهي ربما احيانا أيضا وبصور متفاوتة تبالغ في ممارسة ذلك الدور والتمسك به .. وتتناغم مع تلك الثقافة رغم عدم القناعة ورغم اكتشافها -أي تلك الأنظمة - انها ثقافة باتت عبئا على المجتمع وتقدمه . بل وتشكل عبئا وخطرا عليها هي ذاتها كأنظمة كما قلنا في المديات البعيدة . لكنها المصالح كما قلنا .. وسطوة البنيان الثفافي المتروس ترسا في الرؤوس نتيجة قرون من التلقين والترهيب وما صنعه السيف بالأنفس والعقول .. وهكذا تصبح الحالة مثل القط الذي يلعق المبرد .. ويصبح النظام السياسي ذاته في وقت واحد هو ضحية بمعنى من المعاني ومستبدا مكلفا بمعنى آخر .وهنا نحن لسنا بصدد تبرئة للأنظمة بل نساق في اطار التحليل العلمي الموضوعي للمشكلة في الاطار الذي انطلقنا منه وهو كونها مشكلة تعتبر معتمدة على غيرها ونتيجة اكثر مما هي سبب او مقدمة .

فهناك انظمة حتى لو اقتنعت هي ذاتها بالإصلاح فإنها لن تستطيع مباشرة تطبيقه من شعوبها والثقافة السائدة لديها ..وهناك انظمة أخرى لن تستطيع ذلك من شعوبها ومن الانظمة المجاورة ايضا ، وهناك انظمة حتى لو اتفقت هي وشعوبها على الاصلاح لن تأمن الشد العكسي الخارجي أو اعتبارات اخرى غيرها .

إذا لنتفق أن هناك حلقات وعقد أخرى يعتمد عليها الموقف لحل عقدة الاستبداد ا ونطيرها ومعادلها الموضوعي " ألإصلاح " ، منها قلنا الثقافة ونفصد بها هنا وحيثما وردت الكلمة المعنى السوسيولوجي لها .. ومنها القطريات وتباين المستوى والنمط الثقافي السياسي فيها وتقبلها لفكرة الاصلاح ذاتها على الصعيد المجتمعي والثقافي اصلا قبل النظم ألسياسية وانعدام ادني درجة من التفاهم على قواسم عامة بينها -اي تلك القطريات .فيما يخص هذا الشأن وغيره ..بالتالي الشد العكسي الذي تمارسه بعضها ممن لا تجد لها مصلحة فيه ضد بعضها الآخر الى حد ربما تعتبر خطوات الاصلاح في قطر ما هي اعتداء على استقرارها وثوابتها وثقافتها وخصوصياتها ..وما الحرب التي شنت على العراق وسوريا وليبيا كانت موجهة على تحو ما بهذا التفكير وباعتبارها انظمة علمانية " كافرة " وليس بسبب استبداد تلك الانظمة السياسي ..لان الانظمة التي مولت ودفعت باتجاه تلك الحرب ليست اكثر تقدما او حرية او تشاركية ..

ومنها وبسبب القطرية ذاتها : تعدد الولاءات والانتماءات الفكرية والأهواء القطرية داخل مكونات القطر الواحد نفسه وكل يشد لجهته ..ما يشكل بدوره تنافرا وشبه شد عكسي داخلي ضد الاصلاح . . إذ أنك إذا اردت ان تباشر مشروعا اصلاحيا فهل تؤسسه على رؤى الاسلاميين ا ام القوميين م الليبراليين .الخ . وقد كان نموذج مصر اوضح مثال على ذلك حيث وقفت كل القوى حتى من تصنف منها كتقدمية وحداثية ضد عجلة التغيير التي دارت ودعموا عودة السلطة للعسكر حينما الت ثمار الثورة لفصيل او فئة ما من المجتمع رغم انه من خلال الصناديق وان ما آل لذلك الفصيل يمكن استرداده فيما بعد من خلال تلك الصناديق ، لكن ثقافة ممارسة السلطة وتداولها اصلا غير موجودة في الارضية الثقافية للمنطقة سواء لمن آلت له الامور أو لمن يقف في الصف المعارض له ..بالتالي فالتوجس والريبة سيد الموقف .. لذا فانت لا تدري هل كان لمخاوفهم ما يبررها فعلا بان يستحوذ ويستولي ذلك الفصيل على مصر (بالصناديق من جديد) ويكرر تجربة العدالة والتنمية التركي الى الحد الذي دفعت بهم تلك المخاوف أن يعيدوا تدوير العجلة للوراء ويدعموا عودة مصر وديعة مع العكسر بعد ان كانت حتى قبل الثورة ذاتها ضمن نظام يفترض انه مدني رغم كونه استبدادي .. فقط لنؤكد ما نذهب اليه بخصوص تعقيدات اطروحة الاصلاح وأنها ليست ببساطة الاطاحة بنظام سياسي واستبداله بآخر من حيث أن النظام السياسي هو في النهاية قلنا مفرز أو نتيجة لجملة معطيات معقدة وليس هو المقدمة التي تنتج وتفرز تلك المعطيات والتي من ضمنها الاستبداد ذاته . وقد وضحنا سابقا علاقته بالاستبداد ضمن تلك المنظومة الثقافية والنسق الثقافي الاجتماعي ذاته ، وان استبداده غالبا يكون بمثابة دور او وظيفة مسندة له من قبل تلك الثقافة ، دور لا يستطيع اهماله او تجاهله وإلا تعرض بنيانه للخطر .. لكنه ربما احيانا لا يدرك ذلك السر فيبالغ في ممارسته لذلك الدور ويتماهى معه مما يؤدي به الى أن يتحمل وزر تلك الثقافة فينسب الاستبداد له ويتحمل وزره وجريرته دون ان يدرك تلك الاسرار والألغاز الخفية .

لذا نستنتج انه يمكن اعتبار حلقة الاصلاح بدورها هي من "حلقات الاعتماد المتبادل" المعقدة تماما وتطبيق هذه النظرية عليها .. وأننا بحاجة لحل مشكلات اخرى حتى يتهيأ لنا حل مشكلة الاستبداد والتخلف في النظم السياسية ذاتها .





https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن