تَأَسْرَلُوا أو إِرْحَلُوا ..!!

قاسم حسن محاجنة
kassem-enosh@hotmail.com

2015 / 7 / 30

تَأَسْرَلُوا أو إِرْحَلُوا ..!!
لم يكن القبول بإسرائيل كحقيقة واقعة وباقية ،بالأمر السهل على من تبقى متشبثا بأرضه وبيته من فلسطينيين ، لا ولا لاجئي الداخل ..أُولئك الذين هجروا قراهم ،كأبي وأهل قريته الذين استقروا لاحقا في القرى المجاورة ، على أمل العودة إليها ،بعد أُسبوع أو أُسبوعين ، حينما تتمكن "الجيوش العربية المظفرة" من القضاء على "العصابات "اليهودية ..!! وما زال هناك ، إلى وقتنا هذا ، من يحلم بالعودة إلى البيت الذي تركه وراءه ..
ولم تمر سوى سنة أو سنتين ، حتى بدأت تتكشف "حقائق" الهزيمة ، وحقيقة "الجيوش العربية الكرتونية ". لذا لم يكن أمام العرب في إسرائيل ، سوى القبول بالأمر الواقع ومُحاولة الإندماج في الدولة الجديدة والمُجتمع الجديد .
الباحث الشهير ، هيلل كوهين ، مؤلف أحد الكُتب الأكثر شهرة ، عن علاقة دولة إسرائيل بمواطنيها العرب ، وهو كتاب "العرب الجيدون"، كتبَ في مقدمة كتابه ما يلي : " ...النقطة ألثالثة والتي تبرز بوضوح من المواد (مواد ارشيفية من ارشيف القوى الامنية :الجيش ، الشرطة والمخابرات – ق. م )،... وهي وكأن الدولة لم تضع مواطنيها العرب أمام إمتحان الإخلاص والولاء لها ، فهذا الإدعاء غير صحيح ، بل أن الدولة طلبت من مواطنيها معايير إخلاص وولاء متشددة . فمطالبة (المواطنين العرب ) بتسليم المتسللين (كناية عن الذين حاولوا التسلل عائدين إلى قراهم وبيوتهم ) ، بناء على قانون منع التسلل من سنة1954، ومطالبة المواطنين العرب الوشاية بزملائهم في العمل ، الذين تحدثوا ضد الدولة ، مطالبتهم بعد إحياء المناسبات القومية ، كل هذه الطلبات وغيرها هي في الواقع ، مطالبة متشددة من عرب اسرائيل ، بإعلان ولائهم للدولة . إن مراقبة المضامين التعليمية في المدارس ومراقبة حديث الناس اليومي في المجتمع العربي ، والتي نناقشها في الكتاب ، تنفي الإدعاء بأن إسرائيل لم تحاول تغيير الوعي السياسي للعرب في اسرائيل ..." .
فَضلتُ الإقتباس من مقدمة الكتاب للباحث هيلل كوهين ، والذي اعتمد في تأليف كتابه على مواد وثائقية ، لكي أُشير أيضا إلى أن الكتاب المترجم للعربية ، قد استعرض علاقة الدولة بمواطنيها العرب ومن خلال الوثائق الرسمية .. أما أنا شخصيا فأُفضل القراءة بالعبرية .
الدولة كما يقول هيلل كوهن ، تعاملت مع مواطنيها العرب على أنهم طابور خامس ، وفرضت عليهم حكما عسكريا حتى سنة 1966 . والحكم العسكري يعني على الصعيد العملي ، التحكم بحياة الناس . فالحاكم العسكري هو الذي يقرر مَن هو المحظوظ الذي سيحصل على تصريح عمل ، من الذي يستطيع العمل في سلك التعليم ، ومن الذي يُمنع من مغادرة بيته ..!!
وعلى النقيض ، فحينما تم استدعاء الشباب العرب للجندية الإلزامية ،في سنوات الخمسين ، أستجاب غالبية الشباب العرب الذين تم استدعاؤهم للجندية . وكانت هذه الإستجابة المكثفة هي السبب المباشر ، لإعفاء العرب من الخدمة العسكرية .
في المحصلة ، إتسمت العلاقة بين دولة إسرائيل ومواطنيها العرب ، بالتشكك وعدم الثقة ، الدولة تشك في ولاء مواطنيها العرب ، ومن جهتهم يشك المواطنون بنوايا الدولة تجاههم . ومع ذلك ، ففي الغالب الأعم حاولت الدولة وما زالت تحاول ، تغيير الوعي السياسي لمواطنيها العرب وبشتى الوسائل ، فيرد المواطنون العرب على هذه المحاولات ، بتعميق انتمائهم الوطني ووعيهم القومي (كأبناء للشعب الفلسطيني ) .
لكن ، هل يعني هذا ، بأن لا هوية وطنية "خاصة " بعرب إسرائيل ؟؟
خلال العقود الماضية ومنذ قيام دولة اسرائيل ، نشأ جيل "منتصب القامة " ، جيل لا يستحي أن يعلن انتماؤه للشعب الفلسطيني ، ومن طرف آخر ، لا يرى نفسه "ضيفا" على الدولة ..!! كما يُريده اليمين الإسرائيلي أن يشعر ..!! جيل فلسطيني الانتماء القومي إسرائيلي المواطنة ، ولا يرى في ذلك تناقضا ..
فأجيال الآباء والأجداد ، دفعت ثمنا باهظا من أجل البقاء في الوطن ..!! قاومت الصعوبات والعراقيل وانتزعت لقمتها ولقمة ابنائها من فم "السبع "، كما يقولون . وكان ينطبق عليهم المثل " لا مع سيدي بخير ولا مع ستي بخير ..!!" ، فلا اسرائيل تقبلتهم دون قيد او شرط ، وفي نفس الوقت وصمهم اخوتهم العرب بالعمالة..!
لكن ، هناك من يُطالب عرب اسرائيل ، ومن على صفحات هذا المنبر ، يطالبهم بأن يتأسرلوا ...وإلا فليرحلوا ..!! ولو جاءت هذه المطالبة من اليمين الإسرائيلي ، لتفهمناها .. فاليمين لا يريد رؤية فلسطيني واحد ، ما بين النهر والبحر ..!!
أما لماذا يريدنا بعض الأُخوة أن نتأسرل ، فهذا غير مفهوم لي على الأقل .. ومع ذلك ما هي الإسرائيلية ؟ ومن هم الإسرائيليون ؟
إنهم مجموعات من المواطنين ، ولكل مجموعة خصائصها . فهناك الشرقي وهناك الغربي ، هناك المتدين وهناك "التقليدي"(أي من يحافظ على التقاليد الدينية ) وهناك ايضا العلماني ، هناك المتزمت دينيا وهناك الديني القومي ، هناك الأسود (الاثيوبي ) وهناك الأبيض (الإشكنازي ) ، وهناك اليهودي وهناك العربي ، هناك اليهودي (ديانة ) وهناك المسلم ، المسيحي ، الدرزي والبهائي .. وهناك المستوطن وهناك الرافض للإستيطان ، هناك اليميني وهناك اليساري (من اليهود والعرب )..كلهم يختلفون عن بعضهم البعض من عدة جوانب وتجمعهم المواطنة ، فالإسرائيلي هو مواطن الدولة أولا وقبل كل شيء . والعرب مواطنون كغيرهم ، ولهم خصوصياتهم أيضا .. لكن المواطنة هي التي تقرر ولا شيء آخر ..
وكلمة في سركم ، ليس هناك من مدعاة للفخر في الإنتماء الى الأُمة العربية ، لكن ما العمل ؟؟ فعرب اسرائيل ، هم عرب فلسطينيون .. وساهمت سياسات الدولة في تعميق هوية مواطنيها العرب وترسيخها ، كرد فعل على "تعاملها " معهم على مر العقود .. وكما برهن ذلك هيلل كوهن .
أما ، وبعد ان تحولت الدول العربية إلى "مقابر " لمواطنيها ، وتحولت اسرائيل مع الزمن الى دولة متقدمة ، تقف في الصفوف الأولى مع دول الاتحاد الاوروبي ، فرجاء لا تحسدوا عرب اسرائيل على هذا ..!!



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن