عودة الإله جانوس من بوابة إسطنبول

بوناب كمال
bounab.kam@live.fr

2015 / 7 / 17

على غرار ما كانت عليه العاصمة الإمبريالية " إسطنبول" المجاورة لكل من أوروبا و آسيا، فـ " العثمانية الجديدة" Neo - Ottomanism تتسم بازدواجية الوجه تماما مثلما كان الإله الروماني " جانوس" Le dieu romain Janus وجه للشرق والآخر يتجه ناحية الغرب.
تقوم العثمانية الجديدة على مبدأ " علمانية أقل تشددا في الداخل ودبلوماسية أكثر انفتاحا في الخارج" ، إذ أدرك قادة حزب العدالة والتنمية ، أكثر من غيرهم، أن التطرف العلماني الكمالي قد حجب الموهبة الجغرافية لتركيا، وعلى قول المؤرخ أرنولد توينبي Arnold Toynbee أن " تركيا تشبه غرابا أسود، طلى نفسه باللون الأبيض إعجابا ببياض اللقلق، فما عاد لقلقا وما أصبح يشبه الغربان" وحسب " محمد آركون" أن العلمانية الأتاتوركية ذهبت بعيدا في جرأتها كونها اخترقت نسيج الدين بجرأة وسماجة دون اكتراث للنتائج والمخاطر، لكنها في النهاية ، دائما حسب آركون ، لم تكن إلا " كاريكاتيرا للعلمنة" بدليل العودة العنيفة إلى الدين بدءا من عام 1940، كما أكد " سمير أمين" أن العلمانية لم تتجذر في المجتمع التركي واتخذت شكلا بدائيا يكاد يكون مرادفا لمعاداة الدين، إذ أن الدين والقومية وُجدا في الحالة التركية كنقيضين.
إن عودة تركيا للانغماس في محيطها الإقليمي وإعادة بعث علاقاتها مع العالم العربي لم يَحُل دون تسارع خطاها لكسب رهان عضوية الاتحاد الأوروبي وبناء دولة معصرنة وفق النمط الغربي، وهو ما أدخل تركيا في مفارقة سياسية فريدة من نوعها، حيث أن النخبة العلمانية الكمالية أضحت أقرب الفرقاء السياسيين المدافع عن موقف رفض العضوية، إلى حد اعتبار عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي بمثابة نهاية للأتاتوركية وانتحارا للدولة القومية التي سعى مصطفى كمال لتأسيسها قبل ثمانين سنة.
إن الحديث عن التحولات في منطلقات وتجليات كوجيتو العقل السياسي التركي يقود إلى قول مصطفى كمال أتاتورك " فبدلا من زيادة الضغوط لدى أعداءنا بملاحقتنا أهدافا مثالية لن نقدر أبدا على تحقيقها، لنتمسك بأحكام العقل ولنعرف حدودنا" إن ما يقصده أتاتورك بـ " الحدود" هو الإمكانات والقدرات التي تفرض منطقا أو التزاما للتحرك في نطاق محدود، لذلك كان سعي الأتراك الدؤوب في ما مضى هو الاستفادة بأكبر قدر ممكن من منظمة حلف شمال الأطلسي NATO ، أين يمكن تشبيه الأمر كمن يضطلع بـ " عصر ليمونة" ليستخلص منها كل ما تحتويه، فمن خلال أموال هذه المنظمة تم بناء مطارات ومؤسسات واتصالات ومد أنابيب وقود، بالمقابل أوكلت تركيا زمام جيشها إلى هذه المنظمة حيث تملك ثاني أكبر قوة عسكرية بين دول الناتو.
كثيرا ما مارست تركيا تجاه الدول العربية سياسة قوامها التوتر والضغط، كما حدث عام 1957 عندما حشدت قواتها العسكرية على الحدود السورية الشمالية، وتكررت هذه المواقف أثناء تأجير قاعدة " إنجيليريك" التركية لنقل القوات الأمريكية إلى لبنان، وكذلك وقفت تركيا إلى جانب فرنسا ضد الجزائر في الأمم المتحدة عام 1958.
راجعت تركيا علاقاتها المتعثرة مع العالم العربي اعتمادا على نظريات " العمق الإستراتيجي" " سياسة تعدد الأبعاد" " دبلوماسية تصفير النزاعات أو دبلوماسية اللامشكلة" " الدبلوماسية الاستباقية" و " القوة الناعمة" وكلها آليات ساهم في بلورتها بشكل كبير البروفيسور أحمد دافوت أوغلو Ahmet Davutoglu ، إلا أن تطورات الوضع في المنطقة ، وخصوصا في سوريا، جعل الدور التركي محل رهان كبير، فيبدو أن علاقة الود بين إسطنبول وحارس أبواب السماء الإله جانوس قد تحطمت على بوابة دمشق.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن