الثيموس والفايسبوك Thymos and Facebook

بوناب كمال
bounab.kam@live.fr

2015 / 7 / 11

ليس بغريب أن تجود قريحة داهية مثل " فرانسيس فوكوياما" بمسوغات فلسفية ، وإن اقتضى الأمر أسطورية، لتمرير مشروع الهيمنة الأمريكية على العالم في أدبيات علم السياسة، ففي كتابه ذائع الصيت " نهاية التاريخ" يستند فوكوياما إلى " جمهورية أفلاطون" لتبرير تنوعات سلوك الإنسان الذي تتحكم فيه على الدوام ثلاثة قوى متناقضة: الشهوة، العقل، الثيموس ( الهمة والشجاعة أو القوة الغضبية).
الثيموس هو أقرب إلى أن يكون إحساسا إنسانيا فطريا بالعدالة، ينتج إذا شعر الإنسان بأن تقييمه من الآخرين لم يتناسب ومكانته الحقيقية في المجتمع، فيكون رد فعله على ذلك " غضبيا" لنيل الاعتراف والتقدير.
بعد أن استلهم من أفلاطون، عرج فوكوياما في ذات السياق إلى " هيجل" الذي ذهب إلى أن رغبة الإنسان في نيل التقدير والاعتراف قد زجت به في معركة شبه أزلية لنيل " المنزلة"، انقسم نتيجتها المجتمع الإنساني إلى طبقتين: سادة وعبيد.
برع الباحث في الفلسفة " عبد القادر بوعرفة" في إبراز الاستثمار المعرفي لـ " فوكوياما" في الأسطورة، مفندا أن يكون غرضه تنظيم النهاية بقدر ماكان سعيه حثيثا لـ " تأسيس الهيمنة"، فـ " نهاية التاريخ" لا يعدو أن يكون مزيجا متأرجحا بين الثيولوجي والفلسفي.
وفي مشهد فانتازي محبك بشدة يستدل فوكوياما في الصفحة 153 بالمسار النضالي لـ " فاكلاف هافيل" قبل أن يصبح رئيسا لجمهورية تشيكوسلوفاكيا خريف 1989، أين سرد هذا الأخير قصة بائع خضروات يعتقد أنه أكبر من مجرد حيوان خائف، بل هو كائن أخلاقي في مقدوره الاختيار، إن درامية هذا المشهد أعادت لذهنية الكثيرين ، خاصة المدافعين عن فرضية المؤامرة، لحظة " البوعزيزي" صاحب عربة الخضار وهو يحرق نفسه مدفوعا بقوة " الثيموس" وانتقاما من صفعة امرأة نظامية له.
يحتاج مفهوم القوة الغضبية اليوم إلى إعادة ضبط له بعد أن أوثقه فوكوياما بُعقد شديدة التأدلج، و دون حاجة إلى توسيع نطاقه للوحدات الدولية يجب مراعاة نشأته الأولى في تمحوره حول " الفرد" كمستوى تحليلي أساسي له، ولعل الفايسبوك كمظهر ما بعد حداثي هو من أفضل الوجهات المناسبة لإسقاط تطبيقات " الثيموس" البشري .
يعتبر الفايسبوك أداة فعالة عابرة للحدود تتجاوز قدرة الحكومات على رقابة المعلومة وتوجيهها، فكل من تسنى له اكتساب حد أدنى من الثقافة الرقمية بإمكانه أن يساهم في هندسة التشكيلات الاجتماعية، ولعل الانتفاضات الجماهيرية الأخيرة في المنطقة العربية هي أحسن من احتضن جدلية العلاقة بين الثيموس والفايسبوك.
لا جديد في القول بأن الخلل الذي يكتنف طبيعة النظم السياسية العربية والمعاناة من الكبت في كافة الميادين هي التي جعلت من الفايسبوك مرتعا لتفجير الطاقة الغضبية، ولكن أن يستعمل هذا الفضاء الافتراضي لأغراض تتناقض مع ضوابط الكتابة الإعلامية والقواعد البلاغية المألوفة فذلك مربط الخلل الأكبر، لأن تدفق المعلومات غير العقلاني زالت معه أصلا أهمية المعلومة، و اختلط فيه المجال العام بالمجال الخاص، والحق بالباطل والواقع بالافتراض، والحقيقة بالخيال، والمجتمع المدني بالمجتمع المتعدد الثقافات، والدولة بالفرد. ويرافق هذا التضاد انزلاق عميق نحو أنماط من التواصل المرن المتحرر من كل أشكال الضبط الأخلاقي والأيديولوجي، يدور في حدودها صراع للفوز بالاعتراف وتحقيق الذات، تحقيق لن يتأتى إلا بجمع مئات الإعجابات ( تقنية Like أو J’aime ) وهو ما يطلق عليه باحثو الإعلام بـ " عصر الرومانسية الإعلامية" وهي في حقيقتها مقولة لا تخلو من إرهاصات فلسفية ترتبط بمقولة " الثيموس" أو " إثبات الذات"
في الجزائر ، مثلا، قام أحد الشباب المتحمسين بنشر فيديو له على اليوتيوب يقوم فيه بحرق وثيقة الهوية وشهادته التعليمية احتجاجا منه على السياسات العامة في البلد، وماهي إلى ساعات حتى تهاطلت آلاف الإعجابات على تعليقاته الفيسبوكية والتي تضاعفت مع دعواته الطائفية تزامنا مع أحداث غرداية الأخيرة، يمثل هذا مثالا حيا لما قد يفعله " الثيموس" بالإنسان في عصر الفيسبوك، دون مراعاة أدنى اعتبار لأمن الدولة، أمن الجماعة، وحتى أمن الفرد، وهو ما يستلزم وضع خط رفيع بين مجالات استخدام الفيسبوك وحدود حرية التعبير.
المراجع:
ـ فرانسيس فوكوياما " نهاية التاريخ وخاتم البشر" . ترجمة: حسين أحمد حسين
ـ عبد الله الحيدري " عصر الرومنسية الإعلامية"
ـ عبد القادر بوعرفة " الأساس الأسطوري لنهاية التاريخ"



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن