الجامعة العربية تأتي متأخرة كالعادة

سعد الشديدي
gelgamesh2000@hotmail.com

2005 / 10 / 10

أثبتَ الزمن أن ما يسمى بجامعة الدول العربية ليس إلا منظومة تعكس وبكل أمانة التفككّ والتخلف الرسميين السائدين في الدول الأعضاء. وأنْ يُكلَّف السيد عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدول العربية، بمهمة صعبةٍ لدرء أخطار نشوبِ حربٍ أهليةٍ في العراق، حذرّ هو شخصياً يوم أمس من اندلاعها، أمر يدعو الى الأستغراب أن لم يكن يدعو الى الضحك. فتاريخ "الجهود" التي بذلتها جامعتنا العربية سواء في التاريخ البعيد أو القريب للنزاعات والحروب الأهلية في المنطقة يشهد على فشلها التامّ في أيجاد الحلول لتلك الأزمات ونزع فتيل الحروب. حتى بات من شبه المسلّم به أن تلك المنظومة الرسمية التي كان من المفترض بها أن تكون مركزاً مهماً من مراكز اتخاذ القرارات الجماعية المؤثرة في حياة ومصير الدول العربية، ليست إلا مظلةٍ لا فائدة منها وأن وجودها أو عدمه سواء. ولكن وجودها أفضل من عدمه فهي وأن لم تكن تنفع فلا ضرر منها. وبناءاً على ذلك تحددت علاقة المواطن العربي بجامعته العتيدة.
فقد عجزت الجامعة وأمانتها العامة ودولها الأعضاء في ايجاد حلول حقيقية للصراع العربي – الأسرائيلي منذ بداية النزاع في 1948 حتى هذا اليوم. وأخفقت في التوسط لحلّ النزاعات العربية – العربية كالنزاع بين الجزائر والمغرب وكذلك بين مصر وليبيا وآخر عجزٍ لها كان في استغاثة دولتين خليجيتين بمحكمة العدل الدولية في لاهاي لحل الخلاف الحدوديّ بينهما في حين كان من المفترض أن تقوم الجامعة العربية بالمشاركة الفاعلة في تسوية ذلك النزاع. ولا نريد أن نذكّر بالشللّ الكامل الذي اصيبت به تلك المنظمة حين قام نظام صدام حسين الديكتاتوري بغزو الكويت الشقيق.
ولا نريد أن نعرّج على دور الجامعة في لبنان ابّان الحرب الأهلية اللبنانبة والذي تكللّ بأحتلال القوات السورية للبنان لأكثر من ثلاثة عقود وما سببه من معاناة لم تنتهي حتى بعد انسحاب القوات السورية من ذلك البلد.
كل ذلك يجعلنا، كعراقيين، ننظر بشكّ الى جدية الوعد الذي قطعتهُ الأمانة العامة للجامعة العربية على نفسها للتوسط لحل النزاع العراقي – العراقي، إن كان لذلك النزاع من وجودٍ في الواقع أصلاً.
وتزداد شكوكنا حدةً اذا ما عرفنا ان تحركّ الأمين العام للجامعة السيد عمرو موسى قد تأخر لأكثر من أربعة عشر عاماً. فقد كان من المفترضِ أن تشكّل الجامعة ومنظماتها العديدة قوة ضاغطة على نظام صدام الديكتاتوريّ ليوقف حروب الإبادة الجماعية التي كان يشنها تحت سمع وبصر ممثلية الجامعة في بغداد وليكبح حملات الأرهاب المنظمة التي كانت أجهزة أمنهِ ومخابراته تقوم بها دونما وازعٍ من قانون أو وجلٍ من رقابة كائناً ما كان مصدرها.
كان من المفترض ان يقدم الأمين العام للجامعة العربية نصائحة، وبحدود امكانياته والأطر التي تسمح له بها آليات عمل الجامعة، الى دولة الديكتاتور وممثله الدائم في مقر الجامعة بأتباع القوانين ومعاملة الرعية بالعدل والقسطاس. كان من المفترض ايضاً ان تعترض جامعتنا العتيدة على قرارات الأمم المتحدة بعد غزو الكويت الشقيق، والتي مازلت أعتبرها جائرة بحقنّا نحن العراقيين، وتحريض الدول الأعضاء على خرق تلك العقوبات التي دفعَ المواطن العراقي وليس نظام صدام الديكتاتوري ثمنها.
كان من المفترض أن تنصت الأمانة العامة للجامعة العربية الى أصوات الأحتجاج التي أطلقها الملايين من العراقيين ممن أستطاعوا الهرب من براثن نظام صدّام الدموي وسجّلوا شهادات دامغة ضدّ الأرهاب اليومي الذي مارسته الطغمة الصدامية بحق الشعب العراقي بكافة مكوّناته العرقية والقومية والدينية والمذهبية.
كان من المفترضِ أن تسعى الجامعة الى عزل النظام عربياً وعالمياً لأنه أساء ولمراتٍ عديدة لصورة الدول العربية والنظام الرسمي العربي بخرقه المتكررّ للقوانين الدولية والأتفاقات التي وقعّ عليها في المحافل الدولية. وما غزوه لدولة الكويت الشقيق إلا مثالاً واحداً من عشرات الأمثلة التي يمكن ايرادها في هذا الجانب.
فماذا فعلت الجامعة العربية وأمانتها العامة؟؟
قد ترتفع أصواتٌ عديدة اعتراضاً على تحميلنا الجامعة وأمانتها العامة أكثر مما تطيق وتحتمل. فليس لهذه المنظمة وقيادتها من الأمكانيات ما يؤهلها لممارسة ضغوط من هذا النوع والقيام بدور فاعل في التوسط بين الأنظمة ومواطنيها والدفاع عن المواطن حين يتعرضُ للظلم والحيف والأضطهاد من دولته التي لم ينتخبها، كما يفعل المواطن في العالم المتحضّر، وهي كذلك غير قادرة على ملاحقة الأنظمة العربية التي تمارس الإبادة المنظمة بحق مواطنيها كما فعل نظام الديكتاتوري البائد في العراق.
ولكن ما هو دور الجامعة العربية بحق السماء اذا كانت غير قادرة على حلّ خلاف عربي – غير عربي كالنزاع العربي – الأسرائيلي، وليس لها امكانية التدخل لفضّ النزاعات العربية- العربية كما حدث في النزاع الحدودي بين البحرين ودولة قطر، ولا حول لها ولاقوة في الدفاع عن المواطن العربي الأعزل وتحدّي الأنظمة العربية غير المنتخبة وأنزال عقوبات أقليمية بها أن خالفت تلك الأنظمة القوانين والأعراف والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق المواطنة؟
اينتظر المواطن العراقي خيراً من منظمة مصابة بالشلل النصفي أن تحل ما تسميه بالنزاع العراقي- العراقي وتجنّبنا مخاطر اندلاعِ حربٍ أهلية اعلنها بالفعل أحد الأطراف على الأكثرية من ابناء الشعب العراقيّ وبدأ بها على ارض الواقع منذ اكثر من سنتين؟؟
اليس عمليات القتل على الهوية التي تمارس يومياً في العراق فصلاً من فصول حربٍ دائرة بالفعل على التراب العراقي؟ اليس تدمير المدن والقرى العراقية حرباً حقيقيةَ بكل أشكالها وأبعادها؟
أننا نعيش فصول الحرب الأهلية يومياً في عراقنا الجديد دون أن نجرأ على تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية. فاعلين كما تفعل النعامة حين تدّس رأسها في التراب، ليس خوفاً من الحرب ذلك اننا نراها ونلمسها لمس اليد، ولكن أملاً في أن يشعر الطرف الذي اعلن علينا تلك الحرب بالتعب واليأس حين يرى انه لم ينجح باستفزازنا وأستدراجنا الى خنادق الدم والموت. ويبدو انه لم يتعب حتى هذه اللحظة بل وبدأ يشعر بلذةٍ غامرة وبتفوقٍ كاذبٍ سينتهي ما أن نتعب نحنُ من هذه اللعبة القميئة ونشمّر عن سواعدنا لنكنس شوارع مدننا وقرانا من الغرباء وشذّاذ الآفاق. حين ذاك يكون الطوفان العراقي قد اكتسح المنطقة بأكملها ولن ينجح أحد بوقفه حتى لو كان الأمين العام لجامعة الدول العربية وتهديداته بأندلاع ذلك الطوفان



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن