نظرية المعرفة

شهاب أحمد الفضلي
shihabalfadly@yahoo.com

2005 / 10 / 10

الديالكتيك والمعرفة - الشكلانية والتجريبية والميكانيكية
شهاب أحمد الفضلي
إذا كانت المعرفة أنعكاساً للواقع فهناك ثمة مشكلات جد متنوعة وتعد أشكالات فلسفية لا ترتبط فيما بينها تتعلق بأفكار من قبيل المعرفة مثل “الادراك، والتيقن، والتخمين، والتذكر، والتبين، والأستدلال، والتأكيد، والتأمل، والتخيل، ورؤية الاحلام.. الخ”. وكلها من باب الأسئلة الفلسفية المرتبطة بنظرية Epistemology الأيستمولوجيا. وهي مشتقة من الكلمة الأغريقية Episteme والتي تعني المعرفة أو العلم. ومما تقدم فأنها “نظرية المعرفة” تفترض الكثير من التعقيد كونها تحتاج عملياً الى نفاذ العقل الى جوهر الأشياء في محاولة لأعادة تشكيل واقع معرفي يأخذ الناشيء من عملية الصراع في حزمة فائقة التعقيد تفترض الحل بشكل فاعل وخلاق، كاشفة كنشوء نوعي قوانين العالم الموضوعي دالة على طرق تبديله، محققة هدفاً غائياً متناظراً “الفوضى ـ العقل” قاطعة بذلك أي أمتداد للتشيؤ الثابت في المعرفة نافية، أي تجمد. أن مفهوم (العقبة العلمية باشلاري) بتأكيده معيارية الحكم على “فعالية فكر ما” وصلاحه يتوجب أخضاعها والحكم [ “عليها من وجهة نظر العقل المتطور” كونه القادر على صنع وأنتاج معرفة. والمطلوب تماماً تبديل ثقافة أختبارية، وقلب العقبات التي أوجدتها الحياة العادية”]. [تكوين العقل العلمي ـ باشلارـ ص16]. أن قوانين الديالكتيك يمكن أسقاطها على الواقع الفكري للكشف عن منشأ وتطور تلك المعرفة. فأذا كان الشكلانيون يرون أن التفكير بعكس المحتوى الحي وما الطبيعة إلا نسخة شاحبة لتطور الروح وأن كل شيء موجود أو هو الأماينيدى من الروح. وقد أكد العلم عدم صوابية ذلك. يقول أنجلز “أن قوانين التفكير وقوانين الطبيعة ينطبق بعضها على بعض إذا كانت معروفة معرفة صحيحة”. [ديالكتيك الطبيعة]. ويقول لينين “أن قوانين المنطق هي نتاج أنعكاس ما هو موضوعي في وعي الإنسان الذاتي”. [ دفاتر فلسفية]. أما روجيه غارودي فيقول “أن العلوم تقودنا أذن الى هذا التأكيد بأن العالم قد وجد في حالات لم يكن من الممكن معها أن يوجد أي شكل من أشكال الحياة أو الحساسية، أي الى التأكيد بوجود واقع خارجي عن الفكر ومستقل عنه”.[ النظرية المادية المعرفة- ص6].
أن ما يستند إليه الشكلانيون في منطقهم القائم على قوانين التطابق ونفي الثالث والتبرير الكافي، وفي حال أخضاعهم لمعيارية المنطق الجدلي ترى ما ينعكس عن علائقيتهم الظاهرة ببساطة العلاقة بين الأشياء، فالأول يعكس نسبية الشيء والظاهرة لاغياً تناقضية “المنطق ـ التفكير” أما الثاني فيذهب الى أن أي حكمين متناقضين لا يمكن أن يكون كلاهما غير صحيح في آن واحد أما الثالث فيعتبر أن أي حكم لا يصح إلا بتوفر أثبات كافٍ لصحته. كما لا ينبغي الخلط بين الناتج الفكري ـ المعرفي والناتج الموضوعي لعملية الصراع بين الأشكال في تمثلاتها، الاجتماعية والاقتصادية.. الخ، كون المعرفة الناتجة عن تلك التمثلات تناقضاً في المحصلة يمكن تفعيلها من خلال القانون الثاني. أما العقل “العلمي يعتبر كل معرفة جواباً عن المسألة فإذا لم تكن مسألة لا يمكن أن تكون هناك معرفة علمية” [تكوين العقل العلمي _ باشلار_ ص14].
أن هذا الترابط تأكيد على تراكمية المعرفة الناتج عن السؤال في خلق معرفة حقيقية “كيفاً” هذا إذا علمنا أن الفلسفة ماهي إلا السؤال كما يرى ذلك “هيدجر” أدركنا أن الشكل الذي يضم “المحتوى - الجوهر” يرتبطان بجدية أكثر في أبراز الجانب الأساسي في أي معرفة تجريدية كبناء فوقي لأشكال الفكر من المادة والتمثلات “الصور” والرغبات..الخ. أنضاج كلي/ شمولي لانتاج معرفة “فقط حين حصل البشر على الضروري.. بدأ البشر يتفلسفون” [دفاتر فلسفية - لينين- ص128].
بعد أن أصبح في وسع الإنسان الحصول على حاجاته في الحياة أتجه بفكره التأملي الحسي الى تركيب وهدم بناءأته في وصف أساليب تفكيره وتنميطها مما جعله ومن خلال الملاحظة تلك الى بناء بديهيات ومقولات ومفاهيم لتكون قوانين فيما بعد من أفكار خالصة ممهداً من البسيط وحتى المعقد، مما دفعه لبناء أحكام للحصول على نتائج موثوقة. وهذه فترة تضاف لصالح الجدلية كون الفكر العلمي المعرفي ما هو إلا تطور قائم على علائق جدلية ليعكس بذلك التقدم الفلسفي والعلمي الحاصل في المعرفة الإنسانية.
فالمذهب الميكانيكي زمن ظهوره في القرن السابع عشر والثامن عشر كان بلا شك ظاهرة تقدمية قياساً لمعارف عصره أما الآن فأنه يعرقل تطور العلم والفلسفة ويشدهما الى الخلف. لذا فأن عملية التناقض تبدو ظاهرة في التطور التاريخي للعلم والمعرفة أو بدونها لا يمكن أصلاً ربط أي نشوء. فالفكرة يمكن أن تغير محتواها وتنضج أكثر خلال سير عملية المعرفة. وعليه يجب أن تكون المحاكمة العقلية جدلية كون الوعي كلاً غير قابل للتبديل وأن كل شيء قائم على ما تولده الحركة وتحليل ذلك هو ما يعرف بناتج المعرفة “أن مسألة معرفة ما إذا كان الفكر البشري صحيحاً موضوعياً مسألة عملية وليست نظرية”. (ماركس ـ الموضوعة الثانية عن فورباخ).
أن الشكل الرئيسي الذي يهتم به المنطق الديالكتيكي هي البحث عن حقيقة التفكير كونه شكلاً ذا مضمون يؤدي الى معرفة حقيقية للعالم في تبدياته كتجل متعدد الأشكال يجب الاحاطة به وأكتشاف “جوهرانية” أشكاله بشمولية كنفي تصاعدي ودراسته كمتحول “الشيء في ذاته” الى “ظاهرة” وانتقاله الى “الشيء للغير” ليكون بعدها قابلاً للمعرفة. ففي حركة الشيء الذاتية يكمن تغيره، وما أنتجه الإنسان من معرفة تحديداً كمقياس للحقيقة ومحدد عملي على صلة الشيء بالأنسان، فالديالكتيك لا ينص على وجود حقيقة مجردة وأنها ظهور حسي دائماً.
فالتجريبيون على الرغم من صحة رؤياهم أن التفكير المجرد في المعرفة يمكنه رؤية ما وراء الأحساسات والأدراكات يقف “الموضوعي” كونه المصدر. كما لا تلغى الأصالة النوعية التي يتمتع بها التفكير مقارنة مع الأحساسات والأدراكات، عكس ما يراه المثاليون في أنكارهم العالم الموضوعي كمصدر للأحساسات وأنها “أولية وأما العالم الموضوعي فهو مشتقق”. (المادية الديالكتيكية - ص336).
إذا كانت رؤية كل من “ لوك، هيو، باركلي” ترى أن “ثمة مشكلة نموذجية الى حد ما من هذا النوع هي مشكلة تعليل قيام براهين قاطعة على النظريات في الرياضة البحتة” (الموسوعة الفلسفية ـ ص365). أن ديكارت في “تأملاته” أكد أن الحواس يمكن أن تخدعنا، أحياناً. أي أنها قد تخطيء، إذن فأننا لا نتردد في الشك بها. ولكن كيف يمكن معالجة ذلك؟ وأي الضمانات تقينا الأخطاء؟ ذاك أنه في المعرفة لا يجوز الظن والأعتقاد وأن نرتكب الأخطاء. أن قراراً نهائياً يمكن صدوره بطريقة التقريب فمثلاً “هجرة الطيور” يمكن التأكد من ذلك بمراقبة ما يحدث في الزمان للتأكد من ثبات الحالة في موعدها. أيضاً يمكن القول أن الانطباعات الحسية عن طريق الأحساسات البصرية، السمعية المحضة تلقى سوء التقدير وتمدنا بأساس يمكن الانطلاق منه لاقامة معرفة للعالم المحيط والخطأ هنا يكون مسموحاً للخيال بالقفز مستبقاً ما تقتضيه المعرفة الحقة من أنطباعات. الى مثل هذا التفسير في المعرفة “الصواب ـ الخطأ” لا يمكن تطبيقه في مجال الرياضة البحتة. كذلك في مجال الدراسات الأخلاقية إذ لا يمكن معرفة رغباتي ومخاوفي وتخيلاتي “الآن” فهي لا ترتكز الى أي ابصارً أو تذوق وعليه لا يمكن للانطباع الحسي أن يقدم اي أساس معرفي ولكنه قادر على مدنا بمعرفة ما يحدث في العالم المحيط بنا، بالاضافة لأرائنا فيما نعتقد وتخميناتنا بهذا العالم لتتحول بعدها الى أكداس من نتائج متشابكة مكونة أستدلالاتنا وأنطباعاتنا الحسية. إذا كان هذا النمط من المعرفة قائم في كتابات كل من “لوك، باركلي، هيوم” فأن اقامة معرفة تبدو مخيبة للآمال كونها معرفة خارج متناولنا وليس من قدرة على أمساكها فالمعرفة الحسية لا تعدو معرفتي بأني في هذه اللحظة أبصر وأشم وأسمع فهي معرفة كما أسلفنا سابقاً لا تؤتمن“ أن التقدم الحديث للفيزياء يثبت أنه لا يوجد عالم واقعي مستقل عن الفكر وأن أرادتنا معرفة العالم الواقعي تصطدم بحدود لا يمكن أجتيازها، وأن السببية والتقيد لا يمكن البحث عنهما في غير فكرنا، فهم لا يفعلون ذلك بدافع من منطق البحث العلمي وحده، بل أنهم يحاولون تبرير مفهوم للعالم أختير مسبقاً لأسباب غير فيزيائية” (النظرية المادية في المعرفة ـ روجيه، غارودي ـ ص19).
أن كل من يقوم به الفلاسفة الشكلانيون والميكانيكيون واللاأدريون..الخ. هو محاولة رسم حدود قسرية للعلم وذلك لأفساح المجال للميتافيزيقا وأن قيامهم بذلك قائم على فكرة مسبقة بسيطة لاسباب سياسية وإيديولوجية. وذلك بأستخدام نظرية المعرفة سلاحاً لفرض خدمة مصالح الطبقات المسيطرة متناسين أن المعرفة شكل حي يسير متصاعداً من البسيط الى المعقد وكذلك يأخذ في تراكميته شكلاً حلزونياً قاطعاً أي شك في التغيير البنيوي وأن أي شد بأتجاه معاكسة الحقيقة الموضوعية لا يشكل في ضوء المفهوم الباشلاري غير “عقية” “انقطاع” وفي النهاية انتصار المعرفة التي تعتمد التشكيل الديالكتيكي أساساً متيناً “الوجود ـ العدم ـ الصيرورة”



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن