الرحلة المقدسة على خطاها فتحت مصر

احمد البهائي
f.mrahi@kpnplanet.nl

2015 / 6 / 2

تحتفل مصر هذه الأيام بذكرى رحلة العائلة المباركة التي هربت من بطش الملك هيردوس من فلسطين إلي أرض مصر ، الذى اضطهد المسيحية وأراد أن يقتل المسيح عليه السلام هو وأمه مريم العذراء ، ومكثوا فيها قرابة الاربع سنوات ، والذى قال عنها المسيح عليه السلام "مبارك أرض مصر .. مبارك شعب مصر"، فتلك المقولة ذكرت قبل ميلاد المسيح بعدة قرون ، فعند ذكر مصر في الكتب السماوية كلها توصف بأنها أرض الله المباركة .
خرج يوسف الشيخ من أرض فلسطين كما أمره الملاك ، وسارت معه العائلة التي اصطفاها الله عز وجل وكرمها ، فخرجت السيدة مريم العذراء ومعها سيدنا عيسى كلمة الله ، لتتشرف مصر بنورهما ، وتزداد كمالا بهبوطهما ليضاف تكريم مصر بهما ، كما كرمت من قبل بالخليل ابراهيم والصديق يوسف والكليم موسي والوزير المستشار هارون عليهم جميعا الصلاة والسلام .

بالفعل جاءت رحلة شاقة مليئة بالآلام والأتعاب ، وكانت هناك ثلاثة طرق معهودة يمكن ان يسلكها المسافرون من فلسطين إلى مصر في ذلك الزمان ، ولكن العائلة التي اصطفاها الله عند مجيئها من فلسطين إلى مصر لم تسلك أي من الطرق الثلاثة المعروفة ، لكنها سلكت طريقاً آخر خاصاً بها ، طريق غير الطرق المعروفة ، امر الله به ورسمه ، فسلكته الاسرة المباركة تحت اعين الملائكة ، فسارت العائلة من فلسطين بيت لحم الى غزة حتى غرب العريش بـ 37 كم ، ودخلت مصر عن طريق صحراء سيناء من الناحية الشمالية من جهه الفرما ( بيلوز) الواقعة بين مدينتى العريش وبور سعيد ، ليتوالى تنقل العائلة المباركة داخل ربوع مصر، وبهذا وضع الله خطة فتح مصر قبل ان يفتحها عمرو بن العاص ويتسور حصونها الحصينة منذ 640 سنة ، وكأن تلك الرحلة المباركة مفادها ان من سيفتح مصر عليه امرا ان يسلك مسارها ، بالفعل هذا هو الطريق الذي سلكه عمرو بن العاص وهو فاتحا لمصر ، حيث كان الطريق انطلاقا من فلسطين مارا وعابرا بشمال شبه جزيرة سيناء ، وصولا الى مدينة العريش عام 18 للهجرة الموافق 18 ديسمبر عام 639 ميلادية ، ثم سار بجيشه من العريش نحو الفرما بعيدا عن الشاطئ وبعيدا عن طريق القوافل المألوفة ، حتى مدينة الفرما (بيلوز) ، التي كانت اول موضع قتال عند فتح مصر، فكانت منيعة بحصونها وافرة الاثار فحاصرها عمرو بن العاص ، فقد قاتله جنود المقوقس عظيم مصر الروماني قتالا شديدا فيها، حتى ان سقطت بعد شهر من القتال وذلك في منتصف يناير سنة 640 ميلاديا ، وهنا يظهر امر الله جليا فالاقباط الذين كانوا في الفرما وهذا ينطبق على باقي مدن مصر كانوا عونا وسندا للعرب على فتح مصر والاستيلاء عليها بسبب ما كانوا يعانوه من جور وعسف وظلم الاحتلال الروماني للبلاد ، إذ كان السواد الاعظم من نصارى مصر تعتنق مذهبا مخالفا للمذهب السائد في الدولة الرومانية الحاكمة ،وقد كانوا بسبب ذلك هدفا دائما للاضطهاد والقمع والمطاردات ، مما دفع كثيرا منهم الى ترك مذهبه واعتناق المذهب الروماني نجاة من الموت والعذاب ، وقد سمعوا عن الاسلام قبل ان تصل الجيوش العربية الفاتحة الى مدينتهم ما جعلهم يخفون الى نصرة عمرو بن العاص ، وكأنهم يمدون ايديهم الى اطواق النجاة في بحر لجي يتلاطم فيه الموج في غضب ، وهذا ما اكده معاونة الجنود المتنصرة في الفرما للعرب الفاتحين ، فالجنود الذين اتخذوا من بين افراد الشعب المصري كانوا يدينون بالمذهب اليعقوبي مخالفين في ذلك مذهب القسطنطينية ،التي تعتبر المذهب اليعقوبي كفر والحاد ، وانزلوا انكى انواع الاضطهاد واشد صنوف العذاب بمتنصرة مصر ، وهذا دليل على ان ولاء الجنود لم يكن موجها الى امبراطورية لم تعاملهم بالسماحه والمكارم على النحو الذي عرف عن الدين الاسلامي الذي جاء جنوده لفتح حصون مصر التي لفرط ما كان فيها من تفاوت ومعاضلة كانت واهية كبيت العنكبوت ، وعرفوا ان الاسلام دين يتسم بالبساطة ويخلوا من التعقيدات في شئون العبادات وشئون المعاملات ، وتجاوبه الدائم مع مختلف الحاجات الانسانية ، ولم يجعل لاي سلطة كهنوتية اي سلطة للتدخل في تنظيم او تحديد نوع وطبيعة العلاقة ما بين الله الواحد الاحد وبين الانسان ، هذا كله جعلهم لا يرون في الجيش الفاتح الذي يدق اسوار ومعاقل القوات الرومانية جيشا غازيا يبحث عن غنائم وبسط الهيمنة الاستعمارية ، وانما يرون فيه جيشا فاتحا يحمل رايات الحرية الدينية ليس لمعتنقيه فحسب وانما لكل اصحاب الملل والنحل الاخرى دون قسر او ارغام ، وتوالت الانتصارات بفتح بلبيس وقهر قائدها الروماني ارطبون الذي كان قائداً للقدس وفر منها ، ثم حاصر حصن بابليون حيث المقوقس حاكم مصر، لمدة سبعة أشهر الى ان استسلم المقوقس وسلم بابليون ،توالت فتوحات عمرو بن العاص بعد ذلك في المدن المصرية الواحدة تلو الأخرى حتى بلغ أسوار الإسكندرية فحاصره حتى كتب النصر ، حيث قال الرسول الكريم "صلى الله عليه وسلم": ستفتح عليكم بعدى مصر فاستوصوا بقبطها خيرا، فان لهم ذمة ورحما.

يقول جوستاف لوبون " لقد اكرهت مصر على اعتناق مذهب الدولة الرومانية الحاكمة وقتها ولكنها هبطت بذلك الى حضيض الانحطاط الذي لم ينتشلها منه سوى الفتح الاسلامي ، وكان البؤس والشقاء مما كانت تعانيه مصر التي كانت مسرحا للاختلافات الدينية الكثيرة في ذلك الزمن ، وكان اهل مصر يقتتلون ويتلاعنون بفعل تلك الاختلافات ، وكانت مصر التي اكلتها الانقسامات الدينية وانهكتها استبداد الحكام تحقد اشد الحقد على سادتها من الروم وتنتظر ساعة تحريرها من براثن قياصرة القسطنطينية الظالمين " ، فرسالة الاسلام هي الاخاء والعدل والمساواة بين الجميع ليس فقط بين معتنقيه بل كل من استظلوا بمظلة هذا الدين ومع سائر البشر من اتباع الملل الاخرى حيث لهم ما لنا وعليهم ما علينا ، فالحديث الشريف "من آذى ذميا فقد آذاني " خير مثال، والمقصود بالذمي هنا هو المؤمن بعقيدة سماوية وليس كما يفسره بعض المرضى والمغلولين، فهذا الحديث هو بمثابة عنوان عريض شامل وحامل لكل مبادئ الديمقراطية .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن