في العراق - طبقة وسطى- تجهل مهماتها التاريخية !

حسن اسماعيل
samahalhasny@yahoo.com

2015 / 5 / 10

اذا كانت وظيفة المثقف تكمن في الكشف عن الألتباسات كما يقرر الايطالي أمبرتو ايكو , فأن المثقف العراقي مدعو اليوم لقراءة كاشفة للبنية الأجتماعية الراهنة التي أنتجها تراكم هائل من التشكلات والأفرازات الجديدة ومارافقها من التوترات والتشوهات الاجتماعية والتي شملت كافة الشرائح , وذلك منذ انهيار النظام الملكي العام 1958 .
لاخلاف ان الطبقة الوسطى هي الطبقة الأخطر بحكم اتساعها وطموحها وقدرتها على الفعل التاريخي . فالطبقة الوسطى العراقية ترعرعت في احضان النظام الملكي ( شبه الإقطاعي / شبه الرأسمالي ) ومع الدولة العراقية الناشئة في بداية العشرينات من القرن الماضي , وقد نجحت في تقويض النظام الملكي نفسه في 14 تموز 1958 لكنها لم تنجح في تحقيق اهدافها اذ كانت مقاومة اعدائها عنيفة ومدعومة من الأجنبي . فالملاكون الكبار استخدموا السلاح لإفشال قانون الإصلاح الزراعي , فيما عمد الاقطاع الديني في مدينة النجف الى اصدار فتوى تحرم ( الصلاة على الارض المغتصبة من أصحابها ) كما جاء في نصها , وأردفها بفتوى أخرى تحرم قانون الأحوال الشخصية الذي منح المرأة العراقية بعض الحقوق .

كانت حكومة عبد الكريم قاسم تمثل نظاما شعبوياً معادياً للامبريالية تحققت في ظله مكاسب مهمة للطبقات الاجتماعية الدنيا . وكانت تمتلك الشرعية الثورية لكنها فشلت في تحويلها الى شرعية دستورية . وبنجاح الثورة المضادة في 8 شباط 1963 بدعم أمريكي . حصل تداخل جراحي داخل الطبقة الوسطى العراقية انتقلت عبره السلطة من الفئة المدينية الى فئة تنحدر من مناطق ريفية ونائية وقبلية . وهو الأمرالذي أدى إلى تحول وتبدل كبيرين في بنية وتركيبة الطبقة الوسطى وبالتالي في توجهاتها وسياستها العامة .
تلقت الطبقة الوسطى المدينية الضربات واحدة تلو الاخرى بعد عودة حزب البعث ثانية الى السلطة العالم 1968 . وتجسد ذلك بتشجيعه للهجرة الكاسحة من الريف الى المدينة في ظل اقتصاد ريعي لايعير الأنتاج الزراعي اهتماماً , ترافق مع الطفرة النفطية بعد حرب أكتوبر 1973 وأرتفاع أسعار النفط أربعة اضعاف , وتوظيف الأموال الطائلة لأستيعاب ابناء الريف الذين يشكلون 80 % من السكان في المشروع الفاشي للبعث المسمى ب ( التنمية الانفجارية ) والقائم على زيادة عدد السكان الى اقصى حد ممكن والتوسع في التعليم وعسكرة المجتمع , حتى اضحى معظم سكان المدن العراقية نازحين من الريف على أثر هجرة غير مسبوقة جرت في عقدي السبعينات والثمانينات . ومايزال هؤلاء متمسكين بثقافتهم الريفية كون عملية التمدين – حسب علماء الاجتماع –تحتاج الى ثلاثة أجيال.
كل تلك المجريات شوهت ملامح الطبقة الوسطى المعروفة تأريخياً وعالمياً بأعتبارها قائدة الحراك الاجتماعي في المنعطفات التاريخية في حياة الشعوب لما تمتلكه من وعي وثقافة ومستوى معاشي يساعد على فعاليتها . فالطبقة الوسطى العراقية التي تخلقت في العشرينات وتبلورت وتم النصر لها في 1958 لديها ملامحها الواضحة , الاجتماعية والأقتصادية والسياسية كما لديها ثقافتها وأخلاقياتها الخاصة بها , على العكس تماما من المجاميع الهلامية التي تنسب اليوم – فرصياً – الى الطبقة الوسطى اذ نجد هذة الاخيرة تعيش حالة من عدم الانتماء أو التسيب الطبقي – ان صح التعبير – حالة من اللا أستقرار و التنقل بين المواقع الطبقية المختلفة كجزء من التوتر الاجتماعي الشامل الذي يلف البلاد بسبب النظام السياسي المغلق – الذي عاشه العراق – في ظل البعث – والذي لابد ان يقود – كما يؤكد ابن خلدون – الى الفوضى التي نشهدها اليوم وتنعتها الولايات المتحدة بالفوضى الخلافة !
منذ ا نهيار الطبقة الوسطى ( الحقيقية ) بأغتيال نظام 14تموز , لم تولد حتى اليوم خريطة طبقية واضحة تكون بديلاً يقام على انقاض النظام الملكي ( شبه الاقطاعي , شبه الرأسمالي ) المنهار , وذلك بسبب الفوضى الاجتماعية السائدة . ونظرة فاحصة الى معظم أفراد الطبقة السياسية الصاعدة بعد الأحتلال الأمريكي تشيربجلاء الى انحدارها الريفي وأعتناقها الأدلوجة الدينية وهما وجهان لعملة واحدة يؤشران جهل وانتهازية الفلاح . وقد تم ( سلق ) هذه الطبقة على عجل في المعمل البعثي النفطي .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن