رواية – أقفاص الرمل (9)

حمودي زيارة
Hamziyra@hotmail.com

2015 / 5 / 3

الفصل الرابع
دأبت تنسل عاصفة رملية هوجاء, كرأس ثعبان الكوبرا من جرة الحاوي, من مصاريع غسق الافق البعيد الغارق في كثبان الرمل. تعهدت نفثات الريح بحمل طولها الفارع. نشأت تنتشل بحزم عنيد فتات الغبار, وهشيم الرمل فتقذفه في دوامات خانقة, ومثارات ناشزة واْعمدة افعوانية ملتوية, تحدوها اصوات مروعة تقوض صمت المخيم العتيد. تهفو العاصفة مسرعة على هشاشة المسافة الممتدة من حافة الافق.
الى تخوم المخيم, تثابر العاصفة سادرة تجتث حفنات الرمل. وكأن لعنة تحض سخط العاصفة بقذف سدوم الغبار في دوائر متراكضة وهلامية. تستمر العاصفة بالتمغط, متسلقة بسرعة جامحة نحو الاعلى, دافعة الغبار والظلام تحت سنابكها. ما أن يتسنى للعاصفة أن تلقي غلالة ظلالها القاتمة على اركان اسلاك المخيم حتى ينتشر لغط واضطراب وصراخ متواصل, ارتباك هزيل لخطوات عديدة, تضرعات ضاجة, تأوهات يشوبها الحنق. في الوقت الذي يغرز الغبار انيابه في اعطاف المخيم, تغادر الخطوات الدروب لاْنه يتعذر تماما المجازفة بالبقاء في العراء, ويختفي الجميع حيث يكمنون في اروقة الخيام. تتواصل اصداء الاصوات تشنف الاسماع:
- العاصفة اْخذت تدنو.
تطلع عباس الى صوب العاصفة بعيون مترهلة الاجفان, عندما أطبق نثار الغبار على انفاسه, فأبصر اشباح تورمات الرمل تتوسد حافات الافق, عندئذ اجتاح وجهه الشحوب وتقطب جبينه, وتشاوف قلقا يوصم شفتيه الوجوم, في ثنايا الغبار تولت قسوة الخوف تناسق خام خطواته, وكذلك ارث حزنه الذي يعتمل في جوانحه, تأوه بوجع وانظاره ما فتأت تتابع تقدم العاصفة, هرع نحو ثقب خيمته, مبادرا باغلاق واحكام كل النوافذ والثقوب, طائفا في فراغ الخيمة كلمسة ضوء في لجاج النهر, هذا بعد أن ضبط احكام الاوتاد والاحبال, وتيقن باْن الخيمة في قصارى الاستعداد لمواجهة العاصفة, رمى عباس عقب ذلك جسده العالق بأحبولة العناء على فراش رث, تعلو الوانه الصارخة والباهتة انتفاخات الاحجار التي تطعنه من الاسفل, وبينما هو مضطجع على فراشه غارز نظره في عمود الخيمة, راحت زوايا الخيمة تضطرب بشدة تحت شراسة معاول العاصفة, قبض الهلع على قلب عباس, نهض وقبل اْن يستقيم قوامه امسك بالعمود, لاحظ عباس بأن العمود أخذ يجلد الارض ويهتز بقوة وبشكل مخيف, وذلك نتيجة ازدياد الضغط داخل فضاء الخيمة, خطر الى عباس اْن يفتح كوة صغيرة في جانب من جوانب الخيمة لتقليل من حدة الضغط ومن اجل اسكان اضطراب العمود, ولكنه فضل العزوف... الغبار اْخذ يتسرب الى تجاويف الخيمة, فشرع منكبا يلتهم نفحات الهواء, مما اطبق على انفاس عباس فشعر باْنه جرذ في قبو الخيمة يلفظ انفاسه الاخيرة. صرخ عباس بعدما اطلق عمود الخيمة الى ثورة الريح:
- نوبات الصراع المزمنة مع الريح والرمل محض احتيال للبقاء (واضاف) كثبان الرمل لديها قصارى الحق للاعلان عن سطوتها متما شاءت, وعليّ اْن انصاع الى جنونها وكأنني ياللوجع, أحمق ضيّع معالم الطريق.
وما أن حرر عباس العمود من قبضته , انكبت العاصفة بغضب تهز الخيمة بأحتداد, مما جعل اطرافها السائبة تصدر اصوات صاخبة كقرع الطبول اليابانية. اْجتثت العاصفة العمود وعلقته في فضاء الخيمة, فأستمر بالصعود والنزول على نمط خارق, مما اضطر عباس بأفشاء انظاره حول جوانب الخيمة ورقصات العمود الطائشة كيما يذب عنه مخاطر العاصفة... تناهت الى سمعه اصوات هادرة قريبة ومروعة في نفس الوقت, نازعته غريزته بالخروج, لم يستطع اْن يواجه العاصفة, ويخرج ليعرف حقيقة الصوت... جلس عباس في زاوية الخيمة اليسرى التي تواجه العاصفة القرفصاء, واضعا ذقنه بين ركبتيه, بعد أن ابعد بخفقة من يده ذبابة التي شاركته قبوه وبصوت أجش قال:
- تعسا لمسافات حياتي, ومحطات عذاباتها , فقد كانت صراع مخيف, ومطاردة شرسة من اجل القضاء على رائحة الحلم, الخلجة الوحيدة التي تضفي طلاوة لحياتي.
***

على أثر مرور العاصفة, تعالت اصوات اّذان رخيمة تترادف بهدوء في مسارب الرمل التي نمشت الدروب, تعلن عن انقشاع العاصفة, وعن بداية مرحلة جديدة مع مخاض اّخر وعلى ضوء الجلبة وخليط الاصوات التي باغتت سمعه, ادرك باْن الحياة عادت باْدراجها الى وهاد ومراتع المخيم, وهذه الاصوات الفاقدة التناغم مجرد احتفال مائس بهزيمة العاصفة, الامر الذي جعله يقرر الخروج من ربقات الخيمة, واْن يضع قوامه الضامر في مواجهة بقية اْعقاب العاصفة. دب بخطوات حذرة ومتاْدة الى الخارج, وبعد أن حل عقدة الباب, تطلع وكأنه أطل من حفرة عميقة, حيث علت تقاطيع وجهه خطوط للتراب, ولمسات متغضنة تنم عن امتعاض وجزع, وعلى الفور راحت يده اليمنى تنفض ماترسب من رمل على ثيابه. بنظرة بغيضة تقتفي ادبار العاصفة تداعبها نشوة انتصار تمور في خلده, بصق في اعقاب اذيال العاصفة وقال:
- ربما استسلمت الى عربدة جنونك او خفت الموت ولكن مازلت هنا اتشبث بأنفاسي , انتظر جنونك القادم , سأكون هنا , وسألتقط انفاسي بعد أن ألفظ غبارك النتن.
لما جال عباس انظاره في مدارات المخيم, مالبث اْن رأى عدد من الناس تهفو الى جهة االصوت القاصف الذي قض المخيم في وسط العاصفة. هرع بدوره الى المكان, وكان على مقربة من خيمته المتداعية, المكان يعج بحشد كبير من الناس, العيون تعقد نظراتها بدهشة حول الحدث, حيث تستطيع اْن تطالع اسطوانة ضخمة , تقدم عباس بخطى مترددة, وبنظرات بلهاء, فما أن اطل على المكان حتى عقدت الدهشة حاجبيه, فقد شاهد نصف خزان الماء الذي كان يقبع في الجانب الشرقي للمخيم, يجثم على خيمة كانت تبعد عشرة امتار تقريبا عن خيمته, ولسوء الطالع كان يثوي في داخلها رجل مسن ونتيجة لهبوط حطام الخزان على خيمته, لذا اصيب بجروح بالغة... الناس أخذت تتألب باعداد هائلة, وتحملق بأستغراب, عندها راحت تنخرط بأحاديث للتندر والوجع. اْما النصف الثاني من الخزان فقد حملته العاصفة الى خيمة اْخرى حيث تقع في الناحية الجنوبية من المخيم.
بصمات العاصفة تجلت واضحة على الوجوه والدروب من خلال الانقاض, والخراب الذي مزق صفاء المخيم, الصفاء الذي يعقب مرور العاصفة مباشرة حينما تلملم اطرافها وتذهب بعيدا نحو خطوط الافق, انئذ يبدو الجو في حلة قشيبة, وجلاء اخاذ, يتضوع برائحة التراب العذبة وكأن المخيم يموج وسط مروج ربيعية. قفل عباس راجعا الى خيمته, بعد أن اودعت نظراته بعض الوجع في قلبه , من أجل أن ينظف الخيمة ونفسه ايضا , قبل قدوم الليل.
***

مواسم العواصف في الحقيقة تبداْ في اطراف الشتاء, وذلك عندما تتطامن البرودة قليلا وتلتقط الاجواء تيارات طفيفة من الدفء لذا دقاق الرمل بتؤدة تستجيب لهبوب الريح ما اْن تنشاْ العاصفة بالقيام والتماثل, حيث انثيالات الرمل تهفو متقاذفة في الفراغ عندما تثيرها طلائع سنابك الريح. الخوف الكامن في طيات العاصفة يبسط نفوذه على وقائع الحياة, بحيث لاشيْ بمقدوره اْن يتجراْ ويقف كند اْمام استبداد العاصفة, يتوجب على فرد اْن يدس نفسه في مخبأ مناسب قبل اْن تنهشه مخالب العاصفة. تبقى العاصفة كابوس مفزع دونما نظير في تقويم المخيم.
***

على مدار بقاء عباس وارتهانه في المخيم , الذي نوعا ما يميل الى الازل, حيث اترع ذهنه بذكريات جمة, اصدقاء كثر تبنتهم مدن تدثرها ندف الثلج. وضع عباس نفسه رهن خيارين ليس الا, الخيار الاول هو اْن ينال الخلاص والانتساب الى المدن البعيدة عن طريق الحظ, اما الخيار الثاني هو اْن يساوم باْيام عمره المتبقية على المطاولة والصبر دون أن يسمح لليأس اْن ينال منه قيد أنملة. منذ أن نقشت اقدامه بواكير بصماته في اخاديد الرمل, قرر عدم الرجوع الى المدن التي وشمتها دماء بيوتات الفقراء, بعد اْن اْبق من مداراتها, مالم تقف عن قوافل التوابيت. في اغلب الاحيان, كانت عينيه ترقرق اسفا على خلجاته التي تضطرب في جوانحه لعدم المثول لمشيئة المدن, وذلك نتيجة افكاره الصارمة, الكثيرمن اصدقائه من خلال احاديثه ومواقفه يظنون بأنه قد خرج للتو من السجن.
رزمت نكبات الحياة وكدمات الاحباط أخر خربشات احلام عباس وتباريح اختلاجاته, والقت بها مع جسده الغث الداكن في فيافي الرمل الممتدة دون نهاية. فقد مضى الى الان اكثر من اربعة سنوات من عمره المدنف بثمالة الحياة ونزق عنفوانه, خارج اغراء الحياة وتفاصيل مشاويره التي تداعبها هيامات مدينته, في مخيم قمئ يحشر مخالب اعمدته الصداْة في اْوردة الرمل, وتكبله الاسلاك العالية الجاثية على اخاديد الكثبان, والمصلوبة في قبسات هجير الشمس الحارق. تلوذ في مدارات المخيم فوهات بنادق عربية, هذا كله كان يحدث بمرأى من احداق السماء.
***

قضى عباس سنواته التي نافت عن الاربعة في نثارات رمال قفار الحجاز القاحلة التي ناءت في غابرات الايام باْقدام اجداده وقد كانت وطن لهم, نذروا القلب والسلاح لها, قارعوا الاعداء من اجلها, تباكوا السماء اْن تحف مفازاتهم بالثناء واليمن. قطن الارطاوية في البدء بعد اْن مكث اكثر من شهر في حفر الباطن القصبة التي تحاذي الحدود العراقية, زج مع لفيف من العراقيين في اقفاص تحيطها لفائف من الاسلاك, الاقفاص غير مزودة بالاغطية والفرش فما كان من الجميع سوى طمر اجسادهم بالرمل لتفادي نثيث الريح البارد ولكن في كل ملمة اعتادت عريكة الانسان اْن تجد منفذ يخفف عنها الالام الوجع, ففي بواكير الصباح التالي, راحت الاسلاك تتراقص حيال لهب النار الذي اْشعل في وسط المكان من رقائق الخيام وخشب الاوتاد. تطلب من عباس اْن يرتهن قرابة السنتين في فيافي مدينة الارطاوية العجفاء.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن