رواية - اقفاص الرمل (1)

حمودي زيارة
Hamziyra@hotmail.com

2015 / 4 / 13

الفصل الاول
استقل الرعب عربة الليل بعد ان القى سلاحه على كتف الموت, يحرض ريشة الليل بلونها الاسود ان تشوه زركشة لوحة النهار, نثر ترسانته في معابر المدينة. اخذ يتوارى كالصمت, في ثنايا سواد تلك الظلمة. استمر يتشطر في رتابة دورته, يتلمس دروبه, التي دست معالمها في انفاق الليل السوداء, بتوجس وارتياب. يعابثه تطفل نشيج خوف البيوت, وهواجس ركلات احذية افراد الامن, واحلام المدينة البليدة, التي لا تكاد ان تدرك اتقاد الفجر. في تلك الليلة, تهالك جسد عباس النحيف في فراش رث, تصدر منه راحة عتيقة. اهتز بسكراته, بعدما وخزت اختلاجه, اصوات ناحبة, وظنون متدافعة, مشوبة بايقاع حزين تجتاح وجيب قلبه. وهاجس عنيد يستحوذ على اعماقه. اضافة لاوجاع مخالب الانين في خلده. راح مشهد يتشاوف في منامه, لامراْة هرمة, اخذ ت تنهش تداعيات خياله. بدأ جلد المرأة الرميم يلوذ بعظامها الناتئة, المطلي بقتامة الطين واشنات الوحل. محاطة بوجوه قوات الامن الميدوزية, التي واصلت تفتر ساخرة من تضرعات الاشفاق, التي تبرز منحدرة من اوداجها. المراْة كانت تولول بلوعة حانقة, عندما دفعت الوجوه ذاتها بجسد ابنها الغض, قربان الى قرارة الحتف... وماكان منها الا ان صرخت باْنفعال متمرد:
- انه ولدي هذا الذي فاض عويله كدمعة على ابواب الصفيح وفي بيوت الطين والقصب... (وبهلوسة ضجت), لا لم يمت, فقد لمحته ينتشل عظامه ويمسح بقع الدم ويتسلق انفاسه صاعدا الى اعنان السماء.
حاول عباس بمضض اْن يبقى محافظا على اعتداده, ولكنه شعر باْن اصابع غليظة تمتد الى عنقه مشفوعة بصوت قبيح مرددا :
- اعترف.
زعق عباس بتردد وهو يتفصد عرقا:
- لا لم اقترف اي جريرة, انا مواطن اعشق خارطة الوطن, وابتهل الى ترابه ففيه رفات اجدادي, انا اعترف بأن لا توجد في بيتنا صورة الرئيس ولكن اقسم لم امزقها يوما.
تململ عباس في منامه, وشعر بأنه يختنق من قبضة الاصابع, وعلى ضوء زعيق مافتأ يملئ ثنايا المدينة, ويخنق انفاق الدروب, ويميد الجدران... انتبه عباس على انفاس مقتضبه, والفزع يكتظ في احداقه, ينظر بتفرس وذهول في ارجاء الغرفة, يتقرأ جسده الذي استباحه العرق والخوف, عمد عباس الى انارة الغرفة من المفتاح القابع فوق راْسه, امتدت اصابعه تعالج طيات اللحاف باحثة عن المذياع, حيث اعتاد عباس الرقود معه, ادار عباس المذياع, ما اْن التقطته اصابعه فاذا بصوت الرئيس يردد:
- علينا جميعا, ان نحافظ على كرامة تراب الوطن ورائحته, من عفونة فئران الاوحال, وجنود الظلام.
تمتم عباس بسخرية
- انت, الذي استباح كرامة الوطن, ومرغت رجولته التراب, وجلبت ترسانة الاعداء لاْبادته, وانت الذي جعلت حياتنا تحتضر في صناديق خوفك.
وبينما كان عباس غارقا في شرود توجعه, واذا بقصف مفزع ومخيف يشوبه البكاء والنحيب, ياْتي من جهة السماء, وصياح مسعور يملئ بخوفه فراغ الدروب, ويخنق الانفاس:
قد ابتداْ القصف, واعلنت الحرب وصوت اخر ياْتي من الناحية اليمنى, متوزعا على متاهات الازقة زاعقا:
- اندلعت الحرب.
عندها قال عباس, فاْنهم اذا تاْمروا على البيوت والنخيل, وبراءة الشطاّن, ونسائم الامهات الفاغمة.
وحينما اشتد اوار القصف, قفز عباس مذعورا, مبهور الانفاس, يتفحص فراغ الغرفة باْمعان, بعينين محتقنتين... ومااْن وضع قدميه على بلاط الغرفة البارد, ركلته خطواته بقوة غير متزنة, ناشدا فناء البيت, وبشعور ساذج انكفأْت نظراته, وقتما بانت السماء تحتفي بشهب غريبة حمراء, تصعد الى احتداب الاثير ملتهبة ومن ثم تتلاشى .
لم تشهد سماء المدينة مثلها من قبل رغم جنون سنوات الحرب التي تمخضها الوطن أبان الحرب الايرانية, يعابثها شهيق بنادق قريب, وقصف مستمر يعوي صداه على زنخة الجدران, وهدير مرعب يسور المدينة الغائصة في الخراب من كل جانب.
وبلمسة لدنة من يد رقيقة, انتبه عباس ناظرا الى الاسفل, حيث ألف اخته الصغيرة رباب تقبض بقوة على أنامل يده. وعلى مقربة منه, ظهرت امه تتستر باْبيه, وفي باحة البيت الضيقة. اخذ الجميع يسمرون احداقهم الى نفثات التهاب العيارات التي استمرت تمخر اطراف المدينة. عيونهم تجلت وكاْنها تناوسها مسارات الشهب التي تتاْلق في مديات السماء الناشئة من شراهة القذائف والقصف العنيد, يخامره تولول حزين من امه, وتوسل ملح من ابيه يدعوهم ان يدخلوا الى المجاز لئلا تصبهم رصاصة.
***
وعلى اصوات الدعاء, والندب, والتوجع, استمرت رعود القصف تخنق المدينة... وانوار كثيفة ومفرطة تغطي اركان السماء, وكاْنها شبكة عنكبوت, هدير مدافع وخيم, رشقات بنادق تاْتي من كل مكان, صياح يختلط بلوعة, ازيز عيارات قريب, انفجارات مدوية من ناحية الشرق حيث مخازن الاسلحة, اصداء اصوات قذائف تقصف موقعا ما, وتحسب من خلال هذا القدر المرعب, كأن السماء اعلنت الدمار والهلاك على المدن التي تتوسد دجلة والفرات.
***
الليل عندئذ كان شديد الظلام في أوج قبضته, وقارس حد البكاء, الفجر مازال على مرمى. كويكب القمر غار وراء خرز قلائد القصف المتلاحقة, وركام الادخنة والغيوم. وعلى اصوات خاطفة لطائرات حربية مارقة بسرعة فوق تضاريس المدينة, صرخ علوان عودة اْن يدخلوا الى المجاز, ومااْن استقروا في رقعة المجاز, حاولت بدرية حسون احمد الهندي اْن تشعل المدفئة النفطية الصدأة, جالت بنظرها في المجاز تبحث عن علبة كبريت لم تجدها, لذا ذهبت الى المطبخ, وبعد لحظة قصيرة عادت يحدوها الرعب مسرعة تلهج باْهل البيت قائلة:
- لا اْظن اْن بيتنا سيتماسك هذه الليلة ان استمر القصف.
نظر عباس الى ابيه, فبدت على وجه تعابير خوف وقلق وشحوب, قال علوان, وكاْنه شعر بنظرات عباس تطالبه ان يقول شئ:
- اْن الامر اخطر واكثر ذعرا مما نتوقع, فاْن اليانكيز سوف لا يكتفون بتدمير عناد وأنفة الحكومة, بل سيتركون بصمات احذيتهم على تراب الوطن الى الابد, فهذه ميزة ارباب الحرب, فاْنهم لن يلقوا السلاح حتى يشربون الانخاب على ركام الجثث ورنين الدراهم.
اهتزت بدرية على دفْ مكانها, مشيرة على زوجها, بصوت غير واثق:
- الساعة الخامسة الاّن, الا تريد ان تذهب الى العمل.
وبنبرة يشوبها توجس.
- بالطبع, سوف اذهب, لا اريد ان اكرر نفس الحكاية, وارتكب نفس الخطاْ, عندما بقيت في البيت بداية الحرب الايرانية, لا اريد ان اوخز استجمامهم كي لا يستدعوني الى هوان التحقيق مرة اخرى.
برحت بدرية مكانها تخطو بتوفز نحو المطبخ لاعداد الفطور بعد ان تناولت قارورة الذبالة (البطل).
وعلى ضجيج القصف الذي احتكر تعرجات الدروب, واوصد الابواب برتاج الخوف, واوشم الجدران بثقوب الرصاص. يتسمر الصمت يصبغ وجوههم, ماعدا عيونهم التي انصرفت بذهول تحدق في الظلام. علوان اخذ يتمتم بالحوقلة والاستغفار ريثما تعاظم القصف وتشتت هذه المرة, فبداْ مروع وسادر, وكاْن عذاب الهي تناهب الكون... مضى وقت قصير على بدرية منذ ان ذهبت الى المطبخ, واذا بها تدخل مسرعة الى المجاز, واضعة المقلاة ضمن وميض ذبالة البطل الراقصة, وقد تطلعت عيون البيض الصفراء من رجاجة السمن بنحو مقرف, وما اْن تناول علوان اول لقمة, نبس على الفور باْنها مالحة.
اجابت بدرية بحذر تتلمس الكلمات:
- لا ادري بالضبط كم وضعت من الملح من شدة الظلمة والخوف.
- لا ضير, فهذا اسلوب حياتنا, ألفنا على مزاولتها رغم الصعاب, دعوني اذهب الى العمل, وسنرى مايكشفه الغد.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن