نموذج اخر من التفكير -التكفيري-

مسَلم الكساسبة
msallamk@yahoo.com

2015 / 3 / 2

التكفير لا يخص الفكر الديني وحده ، ومخطئ من يظن العقلية التكفيرية تنحصر في التراشق بين اتباع الديانات السماوية وفي داخل الدين نفسه بين المذاهب والفرق بحق من خالفهم ولم يؤمن بما يؤمنون. بل هو طريقة في التفكير ونمط من انماطه في الفكر والكتابة والسلوك والتعاطي مع المسائل بالمجمل . وما التكفير المذهبي والديني إلا أحد اشكاله وفروعه .

التكفير هو الاسراع في اتهام الآخر وهو استسهال التعميم وإطلاق الاحكام .. وهو نفي وإقصاء وشيطنة المخالف .. كل من اتصف فكره بهذه الصفات فهو تكفيري سواء كان متدينا او علمانيا او مؤمنا او ملحدا ..

طالعتنا احدى الصحف المحلية لكاتب من كتاب اعمدتها بمقالة ملخصها ان من شكوا بأفلام داعش الاخيرة وظنوا انها يمكن أن تكون مفبركة هم "داعشيون اكثر منها" وعنوان المقالة يختصرها: (داعشيون أكثر من داعش) . http://www.alghad.com/articles/854903-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D9%85%D9%86-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4

ولا أدري كيف استنتج الكاتب هذا الاستنتاج وأطلق هذا الحكم والاتهام الخطير وعمم هذا التعميم المبرم بان "كل" من قالوا ان تلك الافلام ربما تكون مفبركة ومصنوعة إنما قصدوا من قولهم الدفاع عن داعش ونفي قيامها بتلك الافعال بالضرورة ؟ متناسيا او ناسيا ان مجرد صمتها عن نفي ما ينسب لها هو بمثابة اقرار يدينها وان كان بدوره قد تساءل مستخدما هذا الصمت ذاته كحجة على من يتهم ، ثم هل يستحيل عقلا بالفعل ان تقوم مجموعة كهذه غامضة النشأة والفكر والتكوين بأي سلوك سواء حقيقي أو مفبرك يخدم اغراضها الغامضة المشبوهة ؟

والأهم كيف غاب عن بال الكاتب ان القائلين بالفبركة ليسوا فئة واحدة وان دوافعهم للإنكار والشك ايضا ليست ذات الدوافع المشتركة ، بل وأن الانكار بدوره في مثل هذه الحالة هو في وجه من وجوهه اسلوب وشكل من اشكال المبالغة في الإدانة ، فحينما اقول لك مستحيل ان أصدق أنك أنت يمكن تعمل هذا فكأنما أمهد لإدانة قوية جددا بحقك ، وما دام انني لم اصدق ولم اقبل فكرة انه يمكن ان يصدر عنك عملا كهذا فحينما يثبت- وهو ثابت فعلا لكنني اتعمد إنكاره للتهويل فوق هوله أصلا - انك فعلا عملته فتوقع حجم الادانة والرفض كم سيكون.

قد يكون هناك من انكر او استحسن وأيد الإنكار بنية سيئة ليبرئ داعش او يخفف الضغط عنها وهذا لا ننفيه ، لكن هناك من انكر لانه يحترم عقله ومن انكر لانه مستقل في تفكيره ومن انكر لأنه يتمتع بحس انساني عال جعله غير مصدق هذا الاجرام وكي يبالغ في ادانة وتهويل وتفظيع ما اقدمت عليه تلك العصابة.

صحيح انه ليس على المطرب ان يعرب بالتالي ربما ليس مطلوبا من كاتب مقال صحفي يومي ان يطبق المنهج العلمي في مقالاته فيَحذر من ان يعمم ويطلق احكاما واستنتاجات لا تلزم بالضرورة عن تلك المقدمات التي استند عليها ، فهو في النهاية ليس فيلسوفا او باحثا علميا بل كاتب مقال يومي مطلوب منه ان يملأ مساحة محددة من جريدة يومية. عدا ان بعض الكتاب ربما يُستكتبون ويوجَّهون احيانا ويستجيبون تحت لافتة مصلحة الوطن او المصلحة العامة الخ.

لكن مع ذلك وبالرغم منه فالدقة وتوخي الحقيقة هي (سنس) او احساس يجب ان يتوخاه الجميع ، سيما من يصابح الناس ويماسيهم بكتاباته وأفكاره ومقالاته ، ويتوخى ان يكرس نفسه كاتبا وقائدا من قادة الرأي.

لا ننكر ان نقد من انكروا الفيلم المشؤوم إياه وما تلاه من أفلام الإجرام الداعشي ، والتحذير من أن انكارهم ذاك قد يكون متعمدا ليصب في مصلحة داعش ، هي فكرة لا بأس بها وبفائدتها ، أما أن يعمم القول بان " كل " من شك ان الفلم مفبرك هو ذو نية سيئة وهو يريد ان يخفف الضغط عن داعش و "هو داعشي أكثر من داعش" ...الخ فهذا كلام لا يمكن ان يعفى بدوره من سوء النية والتجييش والاصطياد في الماء العكر .

وهو يعيدنا لخطورة الإعلام ودوره في التلاعب بالعقول وفي التجييش لفكرة ما أو شيطنة أخرى...الخ.

وشخصيا كنت احد الذين كان ردهم للوهلة الاولى عند سماع الخبرالمتعلق بالطيار الشهيد البطل معاذ الكساسبة هو الإنكار بمجرد ان اخبرني صديق على الهاتف إلى درجة رفضت الخبر بالشكل الذي قدم به دون مشاهدته او متابعة القناة التي بثته حتى.. لعدة معطيات عقلية وإنسانية جعلتني استبعد ان يكون هناك بشر على وجه الارض يمكن ان يبلغوا هذا الحد من الإجرام.بل ولا أنكر أنني كنت اتمنى فعلا ان يكون الخبر مفبركا لأن ىمعناه سلامة طيارنا البطل . رغم انني متأكد ان الدواعش ممكن ان يصنعوا ما هو اشنع وأفظع ، وهذا ليس تناقضا بل هذا اسلوب لخلق ارضية ملائمة لزخم مبالغ به في الادانة فيما بعد.وربما أيضا لأننا اعتدنا من تلك الجماعات على اساليب اخرى للقتل ليس من بينها الحرق هذا الابتكار الداعشي الجديد..

أما لماذا لم تنف داعش عن نفسها وسكتت وهي بالمناسبة الحجة التي استند اليها الكاتب ليبالغ في ادانة من شكوا باحتمال الفبركة ، فببساطة لان داعش لها اسياد هم من يأمروها ان تخرس او ان تخرج فتنفي او تؤكد اذا كان جزء من المخطط ان تفعل..او حتى يجرمون باسمها دون علمها وينسبونه لها دون ان تستطيع ان تنبس ببنت شفة ، وهو ما غاب ربما عن بال الأستاذ كاتب المقالة او ربما تجاهله اتساقا مع الهدف من المقالة .. الا اذا كان يعتبر ان داعش هي بنت ذاتها وأنها تمول ذاتها بذاتها وتصنع اسلحتها وسكاكينها بذاتها وتبيع نفطها على ذاتها لذاتها ؟؟؟

لذا وسواء اكانت الافلام مفبركة أو حقيقية ، وسواء نطقت داعش أو خرست ولم تعلق فنحن امام عصابة اجرامية بشعة تعمل بمنهج ومنطلقات غامضة ولصالح جهات غامضة .. وكل ما خلا ذلك هوامش وتكتيكات تلجأ لها بالاتفاق مع أسيادها وبما يخدم البروباجاندا التي تريدها ، بروباجاندا الرعب والإرهاب ..

كما وسواء احرقت او لم تحرق ، جزت الرؤوس بالمدى او لم تفعل فالنتيجة هي هي .. فهي مجموعة اجرامية مؤلفة من اللقطاء الذي ليس لهم ارتباط بأهل او اسر ليدركوا معنى الانسانية والمودة والرحمة ، ومن المحكومين بالإعدام والذين اعتقت رقابهم مقابل ان يتحولوا الى قاطعي رقاب وعشماوية تحت لافتة مجاهدين ، ومن المغرر بهم والذين يظنون انهم يحسنون صنعا ، ومن موظفي شركات صناعة الموت وممن اضطهدوا وعذبوا في الارض فوجدوها فرصة للانتقام ورد صاع او قسط من الظلم الذي نالهم ، فاستغلت مظالمهم والنقمة في دواخلهم ووظفت كوقود لصالح تلك الجماعات وأفعالها الشائنة.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن