عــلـى طـــــريـق الـديـكــــــتـاتـــوريـــــة

محمد علي الاتاسي

2002 / 11 / 18

 


الطاغية نموذجاً

 

شكّل الاستفتاء الاخير على تجديد ولاية الرئيس العراقي صدام حسين بنسبة
مئة في
المئة من الاصوات، او ما سمّي هناك الزحف الكبير والبيعة الابدية، فرصة
جديدة
لكشف آليات عمل النظم الديكتاتورية في منطقتنا. هنا قراءة في معاني هذا
الحدث.

 

 

في تأويل رقم المئة في المئة من الاصوات التي نالها الرئيس العراقي صدام
حسين
في الاستفتاء على رئاسة الجمهورية العراقية لفترة جديدة مدتها سبع سنوات،
تنجلي
حقيقة واضحة واساسية ترتبط بفهم القيادة العراقية لدور الشعب ومكانته في
العملية السياسية. فالشعب كتلة صماء يغيب عنها التمايز والتباين، تصوّت
مجتمعة
بـ"نعم" وتتوحد في القائد الفرد وتمشي على هدى خطاه (او بالاحرى تتخبط على
وقع
نزواته). لذلك لم يبالغ نائب الرئيس العراقي عزت ابرهيم الدوري عندما صرح
في
اعقاب الاستفتاء بالمكانة التي يريدها صدام لنفسه ويرددها من بعده
المحيطون به.
قال نائب الرئيس: "صدام حسين امة لامتلاكه صفات الامة".

واذا كان فريدريك الكبير قال في الماضي انه لا يعبأ بما يظـنه رعاياه ما
داموا
يقومون بما يأمرهم به، فإن شاشة التلفزة في يومنا هذا باتت قادرة على
ايهام
الديكتاتور بأنه يعرف دواخل الناس كما يعرف ظواهرهم. انه هم، وهم هو.

وما على الصورة الا ان تستجيب هذه المعادلة. ففي اول اجتماع بعد الاستفتاء
لقيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي في حضور صدام حسين، قال
الديكتاتور: "انا اعرف العراقيين كما تعرفونهم، لذلك فإن المقصود بنعم ليس
اختيارهم رئيس جمهورية، لأني اعتقد انهم عبر كل تجاربنا معهم قد اختاروه
منذ
زمن بعيد، وانما المقصود ان يقولوا لقيادتهم اتريدون استفتاء، حسنا ها نحن
العراقيين كلنا نقول لكم نعم، ها نحن نظهر امام شاشات التلفاز مثلما نظهر
امام
انفسنا لنقول اننا وقيادتنا حالة واحدة ومصير واحد، حاضرا ومستقبلا مثلما
كنا
في الماضي الذي يمتد عبر 34 عاما".

وفائده هذه المناسبات الاستعراضية في نظر الرئيس العراقي انها تمكنه من
رؤية
شعبه  كاملا مكتملا على صورته من خلال شاشة التلفزة. اما في الاحوال
العادية
فإن الرئيس قد يمل صورته على التلفاز لأنها ربما عجزت عن تذكيره بأنه
الشعب
والشعب هو. ألم يقل صدام حسين في فترة سابقة لأحد قادة الفروع البعثية في
منطقة
الديوانية الذي اتى ينقل اليه تحيات ابناء منطقته لرئيسهم الآتي: "اني
مشتاق
اليهم اكثر فهم يرونني على شاشة التلفزيون وانا لا اراهم وهذا هو الفرق
ولذلك
اشتاق اليهم والى كل العراقيين كذلك".

انها امة في رجل ورجل في امة. هكذا يريد الديكتاتور العراقي لشعبه ان يكون
وان
يبقى حاضرا ومستقبلا. ومن تكون هذه حاله، يجد انتقاصا من شخصه العظيم ان
يتعرض
لامتحان ثقة كل سبع سنوات في استفتاء يكون هو فيه المرشح الوحيد.
فالعراقيون في
رأيه "قد اختاروه منذ زمن بعيد"، اما هذا الاستفتاء الذي يحتمه ما تبقى من
دستور جمهوري في مملكة صدام حسين، فما هو الا مناسبة متجددة لاجبار الناس
على
اظهار الطاعة والاذعان والتماهي مع من يجسد في شخصه تاريخ العراق الممتد
ثمانية
آلاف عام. فصحيفة "الثورة" كتبت الآتي في وصف الاستفتاء: "اندفعت جموع
الشعب
بكل شرائحه وطيفه وفصائله تسير بهم القلوب قبل الاقدام لمعانقة خيارهم
ووعيهم
وحكمتهم الممتدة والمتجذرة في لوح عمره ثمانية آلاف عام من الجهاد والبناء
متمثلا بشخصية القائد صدام حسين".

وعليه، ليس غريبا ان تغيب كلمة "استفتاء" عن الخطاب الاعلامي العراقي وتحل
مكانها تعابير من مثل "الزحف الكبير" و"البيعة الابدية" وان تسمى بطاقة
التصويت
"بطاقة المحبة" بل وان ترتقي العملية الانتخابية الى مصاف الصلاة العفوية.
تقول
صحيفة "الثورة" الناطقة باسم حزب البعث الحاكم: "العراقيون ابتكروا المحبة
بصلاة عفوية فراهنوا على رمزهم ومفجر ارادتهم ومقاومتهم ضد نازيي العصر.
وعلى
هدي هذه المعاني يترشح المعنى السامي للانتماء الى صدام حسين رجلا وقائدا
ومنارا تهتدي به الجموع في كل مكان للتصدي لكل قراصنة العصر".

وكما جرت العادة في مثل هذه الانظمة الشمولية المستوردة لمقولة الحزب
الواحد
والقائد المنزه، يتم التغني بالخصوصية الوطنية والقومية لتبرير مثل هذه
المهزلة
الانتخابية التي سمّوها "الزحف الكبير". فتحت عنوان "البيعة الكبرى تجسيد
عراقي
للديموقراطية"، كتبت صحيفة "الثورة" الآتي: "لقد عبّر العراقيون الغيارى
في يوم
البيعة الكبرى عن اصرار فريد على بناء تجربتهم الديموقراطية المستجيبة
لخصوصيتهم الوطنية والقومية ورفضهم الاستسلام لصيغ الديموقراطية
الليبيرالية
المصنعة في الغرب والتي تسعى الدوائر الامبريالية والصهيونية الى تعميمها
وفرضها على شعوب العالم بوصفها النموذج الامثل".

اما مجلة "الرأي" العراقية فشرحت تحت عنوان "كتبناها نعم بالدم لا بالقلم"
تفوّق ديموقراطية صدام حسين على تلك الديموقراطية "الرخيصة" الممارسة في
الغرب:
"في ديموقراطية لا يفهمها الغرب الذي يبيع الناخب صوته ويشتري المنتخب
الاصوات
كشراء السلع الرخيصة. في ديموقراطية رائعة عاش العراقيون يوم البيعة
الكبرى في
عرس كبير تحولت فيه ساحة الوطن الى مركز استفتاء واحد لا يسعه فضاء فيه
قضت
العائلة العراقية نهارها وجزءا من ليلها".

 

من يصدّق من؟

تقول الباحثة ليسا ويدن في وصفها آلية عمل هذه الانظمة التي تضع الدولة
ورموزها
فوق المجتمع (النخبة المقدسة والسكان الزمنيون): ان السياسة تصبح اخفاء
وتقنيعا
ويتصرف المواطنون كما لو انهم يحترمون ما يريد النظام ان يحترموه، فسياسة
التظاهر والادعاء وطقوس الطاعة التي يتسابق الجميع على المشاركة فيها مع
ان قلة
قليلة هي التي تؤمن بها، يشعر القيمون عليها ومستهلكوها انها زائفة.

الا ان الوضع في العراق يختلف قليلا، فهناك على الاقل رجل واحد على رأس
السلطة
يصدّق حقيقة طقوس الطاعة هذه وينتشي بها، ولو من على شاشة التلفاز. يقول
صدام
حسين: "اشعر ان كل العراقيين قالوا  "نعم" اي وضعوا علامة "صح" ولكنهم
وجدوا ان
ذلك لا يشبع مشاعرهم فراح بعضهم ينغز اصبعه ليخرج منه الدم ورغم ذلك يجد
نفسه
ما زال لم يشبع مشاعره، فيهجم على الثلاجة ليخرج كل ما فيها ويوزعه. ورغم
ذلك
يجد انه ما زال لم يشبع في التعبير، يريد ان يفعل المزيد فإذا كان رجلا
يسحب
البندقية يطلق العيارات النارية ورغم ذلك ربما يبقى يجد انه لم يشبع. واذا
كانت
لديه سيارة يزينها ويخرج بها في الشوارع كما سمعت ورأيت في التلفاز".

عندما تنحصر كل السلطات في يد رجل واحد هو مصدر كل شرعية ومورد كل امتياز
وتصل
شخصنة النظام الى حدودها القصوى التأليهية، تصبح المزايدة في تقديم طقوس
الولاء
والطاعة لشخص القائد الوسيلة الانجع لدى الحاشية والمقربين من اجل الترقي
في
المناصب ونيل الامتيازات، كما ان الناس المستبطنة للسيطرة والواقعة ضحية
لها في
الان نفسه، لا تجد بداً  امامها من ان تشارك في هذه الكذبة الكبرى درءا
للاخطار
وحفاظا على الذات. واذا كان صدام حسين قد تحدث بافتتان عن اشباع المشاعر
في ما
سمع ورأى في التلفاز فإن صحفه وحاشيته حرصت على ان تنقل له كل المشاهد
التي تدل
على تسابق الناس على الاذعان والتبعية. فأمين سر فرع "سعد بن ابي وقاص"
لحزب
البعث صرح بالآتي: "لقد تجولت والرفاق اعضاء الفرع فرأيت بعيني معاقا تبعد
داره
عن مركز الاستفتاء مسافة 200 متر  جاء زحفا ومن دون مساعدة احد ليبكر
ويتزاحم
مع الناس، لقد كان منظرا رائعا مهيبا وهو يتسلق الصندوق ويضع بطاقة
المحبة".

واذا كان صدام حسين يقول مكرّما كبار السن من شعبه: "اننا نتعامل مع
العراقيين
كما نتعامل مع اخوتنا ونتعامل مع الكبير منهم كما نتعامل مع ابينا رغم
اننا
ابوهم في نظرة الشرع والمسؤولية"، فلا عجب بعدها ان تنقل الصحف العراقية
الوقائع الآتية عن كبار السن في يوم الاستفتاء:

"الشيخ العجوز الذي جاء متأخراً ساعة واحدة بعد بدء الاقتراع بكى على فرصة
يتشرف بها ويفاخر بأنه كان الأول في منطقته. والمعاق الذي جاء زحفاً قال
للأسوياء أنا أحق منكم بحب صدام حسين". "امرأة ضريرة تتقدم الصفوف نحو
صندوق
الاستفتاء بمساعدة ولديها وتطلب ان تخط بنفسها كلمة نعم". "امرأة عراقية
مسنة
عمرها 113 سنة حضرت الى المركز الاستفتائي وظلت تردد نعم. نعم. وألف نعم.
للقائد صدام حسين". "عند الساعة التاسعة صباحاً بكى شيخ يحمل أعباء ستين
عاماً
من الكد والتعب والتاريخ. وكان الجواب المفاجأة: أبكي لأنني لم أستطع
الحضور
مبكراً لأكون أول الناس الذين يضعون بطاقة المحبة... لقد تأخرت ولهذا
حزنت".

واذا كان صدام حسين يقول شارحاً علاقة الحب التي تجمعه مع اطفال العراق:
"أما
أطفال العراق فإن علاقتي بهم معروفة ولم أصنعها أنا ولم ألتق ببعض الأطفال
إلا
أن أهلهم يقولون لي أنهم ينطقون بما يعبّر عن تعلقهم بقيادتهم وبالصلة
بها"،
فلا عجب بعدها ان نقرأ الخبر الآتي في الصحف العراقية: "اتصل رفيق بأهله
مستفسراً عن عودة إبنه الصغير الى البيت فأخبرته زوجته ان ابنهما لا يريد
مغادرة مركز الاستفتاء حتى  المساء، ما زال ينشد أمام الناخبين والزوار
أناشيد
المحبة التي تعلمها في الروضة".

ونساء العراق، او الماجدات، كما يسميهن صدام حسين، كان لهن قسط في هذا
الاستفتاء، فالصحف نقلت عن احدى مسؤولات الاتحاد العام لنساء العراق
الآتي:
"الماجدات جسدن في يوم الزحف الكبير ابهى صور الحب والولاء للقاء صدام
حسين
حفظه الله ورعاه. لقد شاهدت احدى النسوة وهي تضع خصلة شعرها في صندوق
الاقتراع". في حين كاد اللواء الدكتور فاضل زيدان ان يضع قلبه وهو يضع
بطاقته
في الصندوق إذ قال: "بقلوب عامرة بالايمان وبأحاسيس عالية وبصدقها نكتب
نعم
ونضع القلب في الصندوق ونبايع من لا نبايع غيره". في حين شهد مركز
الاستفتاء
رقم 21 المواطن أحمد جبار مع عروسه يؤديان دورهما في الاستفتاء ويضع كل
منهما
بطاقته في الصندوق وهما في يوم زفافهما، على ما اوردت اجهزة الاعلام
العراقية.

ولمن لا يصدّق ان الأموات يصوّتون من قبورهم لصدام حسين عليه أن يقرأ
الخبر
الآتي من الصحف العراقية: "في الوقت المحدد لبدء سباق المحبة ارتفع صوتها
مهيباً وهي تتقدم الصفوف: سأكون الأولى، حضرت مبكرة وأنا في مكاني الذي
يليق
بي، سيكون الصوت الأول والبطاقة الأولى من نصيبي. أنا أم الشهيد البطل،
والشهداء الأبرار يبايعون أولاً لأنهم الأكرم منا جميعاً".

لكن "السحر انقلب على الساحر"، والشعب العراقي الاسير والمضطهد لم يرض ولم
يستطع ان يتظاهر بتصديق نظامه حتى النهاية. فعندما أمر صدام حسين بإفراغ
السجون
العراقية من نزلائها، وصرح أحمد حسن الخضير رئيس ديوان الرئاسة بأن
"العراق هو
الآن البلد الوحيد في العالم الذي لا يوجد فيه أي موقوف او سجين ولمختلف
الأسباب"، وهتف السجناء، وهم يخرجون الى الحرية، ومنهم من هو محكوم
بالاعدام،
"بالروح بالدم نفديك يا صدام"، واستبدت الفرحة بسجناء آخرين فراحوا يرقصون
وينشدون اغاني تشيد بالرئيس العراقي، على ما ذهبت اليه وكالات الانباء، لم
تستطع بعض الأمهات العراقيات أن تصدق ان السجون باتت خالية وأن اولادهن لن
يعودوا، فتظاهرن هذه المرة حقيقة لا إدعاء لمعرفة مصيرهم. لكن الخوف من ان
يلقوا مصير أولادهن الذين باتوا بحكم المفقودين، دفعهن اثناء التظاهرة الى
ترديد العبارة - التعويذة "بالروح بالدم نفديك صدام حسين"، أما مسؤولو
السجون
العراقية فلم يجدوا شيئاً يقولونه لهن سوى الوعد بايصال الرسالة الى الأب
القائد. ونستطيع ان نخمن مسبقاً مضمون الرسالة التي ستصل الى الديكتاتور
العراقي: "سيدي الرئيس حتى أمهات المفقودين يفدينك بدمائهن".
Alnahar 16/11



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن