عقد الذمة

رامي رفعت
ramyref3at@hotmail.com

2014 / 1 / 1

من المصطلحات التي تنتشر حين يتم الحديث حول حقوق المسيحيين في الشريعة الاسلامية مصطلحات مثل ( اهل الذمة – عقد الذمة ) والتي تصف المسيحيين بمصر انهم ذميين وان بينهم وبين الدولة عقد ذمة هو ما ادخلهم في ذمة الاسلام ، سنحاول القاء الضوء على معنى ذلك المصطلح – الذمة – لانه يوضح طبيعة العلاقة بين الذمي ودولته .

من كتاب الشرح الممتع على زاد المستقنع ، باب عقد الذمة واحكامها :
الذمة لغة هي: العهد، ودليل ذلك قوله تعالى: {{لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}} [التوبة: 10] ، والإل بمعنى القرابة والذمة بمعنى العهد؛ لأن الأصل أن الإنسان يحتمي بأمرين: إما بالقرابة، وإما بالعهد، قال تعالى: {{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}} [الإسراء: 34] . وقوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه: «إذا حاصرت أهل حصن فأرادوا أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله» ، وعلى هذا فالذمة معناها العهد
وتعريفه اصطلاحاً : «إقرار بعض الكفار على دينهم على وجه معين» الوجه المعين يأتي في أحكام أهل الذمة
وقولنا: «إقرار بعض الكفار على دينهم على وجه معين» يفيد أن الأصل عدم إقرار الكافر على دينه، وهو كذلك لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» ، ووجه هذا الأصل الذي دل عليه القرآن ـ كما سنذكره ـ ودلَّت عليه السنّة، أن الخلق عبادٌ لله يجب عليهم أن يقوموا بمقتضى هذه العبودية من التذلل له والتزام أحكام شريعته، فإذا خالفوا ذلك خرجوا عن مقتضى هذه العبودية، فكان يجب أن يردوا إليها؛ لأنهم خلقوا من أجلها، ولكن لنا أن نقرهم على دينهم بالذمة والعهد
ولكن ما معنى الذمة هنا، هل هي العهد السابق؟
الجواب : معنى الذمة هنا إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة
أما العهد السابق فهو الهدنة، فنعاهد الكفار، وهم في أرضهم مستقلون عن المسلمين ليس لنا من شأنهم شيء إلا وضع القتال
وقولنا: التزام أحكام الملة، وليس التزام الملة؛ لأنهم لو التزموا الملة لكانوا مسلمين، لكن التزام أحكام الملة، أي: ما حكمت به الشريعة الإسلامية عليهم.

من كتاب الوجيز في احكام الذمة
اتفق الفقهاء على أن عقد الذمة لا ينعقد إلا من قبل الإمام أو من ينوب عنه، (لأن ذلك يتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة، ولأن عقد الذمة عقد مؤبد فلم يجز أن يفتأت به على الإمام) وحكى ابن قدامة عدم علمه بالخلاف في ذلك، وكذا قال الإمام الحجاوي: "ولا يعقدها إلا إمام أو نائبه" .
قلت: وفي حديث بريدة عند مسلم وحديث المغيرة عند البخاري وقد تقدم كلاهما ما يشير إلى ذلك حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمراء الجيش بعرض الجزية وعقدها ولم يجعله أمراً عاماً لكل أحد من المسلمين خلافاً للأمان الذي يعطيه أفراد المسلمين لأفراد الكفار، والفرق واضح بين الحالتين كما تقدم من جهة المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، والله تعالى أعلم .
وعقد الذمة عقد مؤبد، ويشترط لصحته شرطان هما : التزام أهل الذمة إعطاء الجزية عن من تجب عليه في كل حول (وهو كل ذكر بالغ عاقل حر مستطيع على تفصيل بين أهل العلم و التزامهم أحكام الإسلام وذلك بقبول ما يحكم به عليهم من أداء حق أو ترك محرم .
عقد الذمة من العقود اللازمة للطرفين بحيث تترتب على كل طرف من أطراف العقد جملة من الالتزامات وهي :
أولاً: التزامات الإمام
فإنه يلتزم باعطائهم الأمان ما داموا ملتزمين بما عليهم، ودليل ذلك من الكتاب آية الجزية المتقدمة حيث قال تعالى: " حتى يعطوا الجزية " فجعل غاية قتالهم إذعانهم بالجزية، وكذلك من السنة حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: " من قتل معاهداً لم يرُح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً"
قال ابن حجر رحمه الله: "وفي لفظ النسائي من طريقه (من قتل قتيلاً من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة) فقال من أهل الذمة ولم يقل معاهداً وهو بالمعنى"
وقال ابن قدامة: " وإذا عقد الذمة - أي الإمام - فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الحرب وأهل الذمة لأنه التزم بالعهد حفظهم"]، وهذا مما اتفق عليه الفقهاء في الجملة
ثانياً: أهل الذمة
فيلتزمون بأحكام الإسلام فيهم وبما اتفقوا عليه من شروط جائزة في عقد الذمة، كما جاء في الشروط العمرية: "...ضمنا لك ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكيننا، وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا وقد حل لك منا ما حل لأهل المعاندة والشقاق"
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله: " هذا اللفظ صريح في أنهم متى خالفوا شيئاً مما عوهدوا عليه انتقض عهدهم كما ذهب إليه جماعة من الفقهاء"
وهذا الالتزام ينفسخ بأحوال منها ظهور بطلان العقد أصلاً (كأن يدعي هؤلاء أنهم أهل كتاب ثم يتبين أنهم ليسوا كذلك)، ومنها إسلام الذمي أو تحوله عن دينه من اليهودية إلى النصرانية أو العكس أو أن ينتقض العهد بسبب من أسباب نقضه التي نتعرض لها في موضع لاحق إن شاء الله بعد استعراض أحكام أهل الذمة لأن في نواقض عهد الذمة إحالة على بعضها.

اما ما ينقض هذا العهد فهو كالآتي :
امتناع الذمي عن بذل الجزية
امتناع الذمي عن التزام أحكام الإسلام وعن جريان أحكامنا عليه إذا حكم بها حاكم
الاجتماع على قتال المسلمين
التعدي على مسلمة بالزنا ولو باسم النكاح
فتنة المسلم عن دينه والترويج لدين الذمي
قطع الطريق على المسلمين
إيواء الذمي للجاسوس المشرك
معاونة المشركين على المسلمين بكشف عوراتهم ومواطن ضعفهم وغيره
ذكر الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو كتابه أو دينه بطن أو سوء أو شتم أو انتقاص، وقد تقدم بيانه.
ولا يلزم من انتقاض عهد ذمي لواحد أو أكثر مما سبق أن ينتقض عهد أهله لأن النقض وجد منه فلا يتحمل تبعته غيره، ويحل قتاله ودمه وماله إذا ما انتقض عهده ، وهي نواقض لا يعني نقضها إلا شيئاً واحداً إلا وهو العداء للإسلام.

ثم نورد بعض نماذج ذلك العقد وهي كما فهمنا انها تستخدم من باب الاستئناس وليس من باب الاستدلال لانها بلا سند ، بمعنى انها اذا وافقت الشرع جاز العمل بها واذا خالفته لا يؤخذ بها كدليل فقهي .
عهد الرسول الى نصارى نجران ابن كثير: السيرة النبوية 4/106، والبداية والنهاية 5/55، وابن القيم: زاد المعاد 3/549.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ لِلأسْقُف أَبِي الْحَارِثِ، وَأَسَاقِفَةِ نَجْرَانَ، وَكَهَنَتِهِمْ، وَرُهْبَانِهِمْ، وَكُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ جِوَارُ اللهِ وَرَسُولِهِ، لا يُغَيَّرُ أُسقفٌ مِنْ أسقفَتِهِ، وَلا رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيَّتِهِ، وَلا كَاهِنٌ مِنْ كَهَانَتِهِ، وَلا يُغَيَّرُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ، وَلا سُلْطَانهُمْ، وَلا مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، جِوَارُ اللهِ وَرَسُولِهِ أَبَدًا مَا أَصْلَحُوا وَنَصَحُوا عَلَيْهِمْ غَيْر مُبْتَلَيْنَ بِظُلْمٍ وَلا ظَالِمِين
عهد الرسول الى اهل ايلة ابن هشام: السيرة النبوية 2/525، 526، وابن سيد الناس: عيون الأثر 2/258، وابن القيم: زاد المعاد 3/466.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ أَمَنَةٌ مِنَ اللهِ، ومُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللهِ لِيُحَنَّةَ بْنِ رُؤْبَةَ وَأَهْلِ أَيْلَةَ، سُفُنُهُمْ وَسَيَّارَتُهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ لَهُمْ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ، وَأَهْلِ الْبَحْرِ، فَمَنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ حَدَثًا فَإِنَّهُ لاَ يَحُولُ مَالُهُ دُونَ نَفْسِهِ.. وَإِنَّهُ طَيِّبٌ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنَ النَّاسِ.. وَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ أَنْ يُمْنَعُوا مَاءً يَرِدُونَهُ، وَلاَ طَرِيقًا يُرِيدُونَهُ مِنْ بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ...

عهد عمر بن الخطاب لاهل الشام ، تفسير ابن كثير سورة التوبة
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا (3) وأموالنا وأهل ملتنا وشرطنا لكم على أنفسنا ألا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديرًا ولا كنيسة، ولا قِلاية ولا صَوْمَعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها، ولا نحيي منها ما كان خطط (4) المسلمين، وألا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ينزل من مر بنا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم، ولا نأوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوسًا، ولا نكتم غشًا للمسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نظهر شركا، ولا ندعو إليه أحدًا؛ ولا نمنع أحدًا من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إن أرادوه، وأن نوقر المسلمين، وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم، في قلنسوة، ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكُنَاهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح، ولا نحمله معنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقاديم رءوسنا، وأن نلزم زِينا حيثما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وألا نظهر الصليب على كنائسنا، وألا نظهر صلبنا ولا كتبنا (5) في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيا، وألا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة المسلمين، ولا نخرج شعانين ولا باعوثًا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، وأن نرشد المسلمين، ولا نطلع عليهم في منازلهم .
اذن فان عقد الذمة هو الدستور المكتوب بين القوة الحاكمة ( الوالي ) وافراد الشعب الغير منتمين للاسلام ، عماده هو دفع الجزية والانصياع لاحكام الشريعة المطبقة عليهم والتي تحدثنا عنها في مقالات سابقة وسوف نكمل الحديث عنها في مقالات أخرى قادمة ان شاء الله .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن