القرار اختبار أخير لوطنيتنا

عبدالرحيم الكريمى

2002 / 11 / 11

 

 

د.عبدالرحيم الكريمى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

لا يمكن أن يكون دما مصريا هو الذي يجرى في عروقنا.. لا يمكن أن يكون دما عربيا هو الذي يضخة قلبنا النابض.. لا أتخيل أن حكامنا العرب وصلوا إلى هذا الحد من الخنوع والذل وعدم القدرة على الرد، على هذا الصلف الأمريكي أو الصهيوني، والاحتجاج الغاضب، في إعلان صريح واضح دون لف أو دوران  حول هذا العدوان الشرس على الشعب الفلسطيني، والضربة المتوقعة للعراق بعد قرار مجلس الأمن رقم  1441 الأخير، فهذا الخنوع والاستسلام دون مناقشة، لا يمكن تصديقه أو حتى تخيله إلا إذا اتهمنا قادة العرب بالتبعية، ولا يمكن أن يقنعنا أحد أن هذا الاستسلام الجاري يوميا بطول المنطقة وعرضها، وراءه خطوط حمراء عربية لا يمكن تجاوزها من قبل بوش أو شارون،  أصبح كل شيء مباح،  الأرض والعرض والكرامة والحياة ذاتها تهدر كل يوم أمام أعيننا، والدم العربي يملأ جفوننا عند كل صباح جديد في الجرائد والتليفزيون، وحكامنا لا يتحركون قيد أنمله، وكأنهم فقدوا قدرتهم على المواجهة والمقاومة، أو قل فقدوا إرادتهم الوطنية، ولم يبقى لهم غير أن يحكموا قبضتهم على شعوبنا ليظلوا يحكموا وينفذوا خطط أمريكا في المنطقة..

 

واليكم العراق، فما رأيكم يا حكام العرب؟؟ لقد صدر قرار من مجلس الأمن بعد ولادة قيصرية على يد طبيب أمريكي، والغريب أن القرار ولد على يد داية سورية !! ويعطى القرار العراق الفرصة الأخيرة قبل أن تضرب، وعلى العراق أن تقبل أو ترفض الانصياع للقرار بعد سبعة أيام، وان وافقت على القرار عليها أن تقدم تقريرا خلال 30 يوم لتقديم كل مستنداتها الشاملة والكاملة والدقيقة عن أسلحة الدمار الشامل والصواريخ التي تمتلكها وإلا العواقب وخيمة، وعليها أن وافقت أن تفتح أبوابها على مصراعيها للمفتشين الدوليين للتفتيش بدون شروط، والقرار في نظري هو الاختبار الأخير لوطنيتنا، ولحكامنا، وشعوبنا، فإما ننتفض في وجه الدنيا الأمريكية كلها ونصرخ بأعلى صوتنا ونعلنها واضحة لن تدوسوا على كرامتنا اكثر من ذلك، كفى إهانة واستهانة، فهل تقبل أمريكا أن نرسل لها مفتشين دوليين للتفتيش على مواخيرها وليس ترسانات أسلحتها الذرية والكيماوية؟؟ هل تقبل أمريكا أن تكتب تقريرا شاملا ودقيقا عن أسلحتها وصواريخها لتقدمه للعالم وليس لنا، من حق العراق أن يمتلك ما شاء من أسلحة، فأي نظام عالمي هذا الذي يفرض متى وكيف يجب أن تمارس شعوبنا إرادتها الوطنية، ويجبر المنطقة بل والدنيا كلها أن تخضع لمتطلبات  الأمن الإسرائيلي والاستراتيجية الأمريكية..؟؟

 

تذكرني هذه اللحظات باللحظات الأخيرة قبل حرب 67، حينما أرادت أمريكا بواسطة إسرائيل أن تحطم مصر وعبد الناصر معا، ويا ليت صدام يدرك الدرس، فلم يكن شعبنا المصري يتمتع بأي قدر من الحرية السياسية، فكانت النكسة، على صدام أن يدرك أن الفرد لا يصنع غير الهزائم بينما الشعوب وحريتها هي طريق الانتصار الوحيد، فأطلق يد الشعب العراقي إن أردت المقاومة الحقيقية، إنها فرصتك التاريخية والأخيرة، أن تخلق من الشعب العراقي شعب مقاتل، لا يهزم، سلح شعبك ودعه ينظم نفسه بنفسه، وأطلق له كل مصابيح النور والحرية، فلا طريق آخر أمامك، انه الاختبار الحقيقي لوطنيتك، في مواجهة تلك الهجمة الشرسة على ارض وحرية ووحدة العراق، واعلم أن العراق سوف تكون البوابة التي يخرج منها الغول الأمريكي على العالم دون قناع، يفرض سيطرته وهيمنته دون مقاومة على العالم كله إذا انتصر، ولن توقف هذا الغول غير الشعوب، لن تحوله إلى فأر جائع غير شعوب المنطقة، فلن تقوى وحدك وجيشك وحرسك أن تقاوم، ولكن بالشعب الحر المسلح المنظم تنتصر إرادة الشعوب، وهنا سيفكر ألف مرة الفاشست الأمريكيون أن يقدموا، ولكنهم ويا للأسف يعرفون أن شعوبنا العربية مهزومة من قبل حكامها، فأطلق الحريات السياسية للشعب العراقي وتأكد انه سيعرف كيف ينتصر، فلا توجد أي قوة في العالم قادرة على هزيمة شعب إذا أراد الحياة.      

 

وأقول من خلالكم لكل الحكام العرب لقد حانت الساعات العصيبة، يكرم المرء فيها أو يهان، سوف تحتاجون لشعوبكم ولن تجدوها لو لم تطلقوا حرياتها، وهذا اليوم اقرب من طرف أنوفكم، فأفيقوا، إن الهجمة شرسة تتطلب طاقة كل فرد في شعوبنا العربية.

 

الصوت الوحيد الباقي يقاوم، والذي ظل يقاوم على مدى سنتين ونصف، رغم كل الضغوط العسكرية الإسرائيلية، والضغوط السياسية الأمريكية، والنفسية والمادية العربية، هو صوت انتفاضة الشعب الفلسطيني البطل، والشعب العراقي الصامد في وجه الحصار من الخارج والاعتقال من الداخل، فهذا حال الشعوب، وقدرها، أن تناطح عدوها الخارجي، وتبقى تناضل في الداخل من أجل انتزاع حقها في مقاومة العدوان الواقع عليها، قدرها أن تدافع عن الوطن يوم يعجز حكامها في المقاومة والذود عن الأوطان، وتستعيد من حكامها ميثاق الشرف الذي تعهدوا به، الذي استمدوا منه شرعيتهم في حكمنا، فقد تنازلت شعوبنا العربية عن حرياتها السياسية في سبيل وفى مقابل هذا الميثاق، أن يحافظوا على أمننا القومي وأرضنا وإرادتنا الوطنية، انظروا إلى أي حد وصل إهدارهم لكرامتنا، وإلى أي حد وصلت تنازلاتهم، تحت دعاوى غريبة عن السلام الخيار الإستراتيجي، والحكمة والتعقل، بحجة كفانا قتالاً واستنزافاً للموارد، وكأننا نقيس حرياتنا الوطنية بدفتر الأستاذ، المكسب والخسارة، تأملوا هذا المشهد الغريب..

 

في فلسطين يرقد على أنفاس المقاومة الشعبية وبمباركة أمريكية صهيونية، عرفات، فمازال والعياذ بالله، له دور يلعبه في وأد الانتفاضة، ولذا يظل يبقى، فها هو يقبل أن يغير حكومته برغبة ملحة أمريكية صهيونية، بعد أن فاحت رائحة فسادهم المالي والسياسي، ويعلن حكومة جديدة قديمة، فهو يخشى أن يفتح غطاء الحلة حتى لا يرى المدعوون على مائدة القضية الفلسطينية ماذا طبخ؟ وأي طعام كان يتاجر به، فقد تحول الشخص إلى أكذوبة كبرى، إلى عائق للحركة الوطنية الفلسطينية من اجل الحرية، إلى رمز هرم لم يعد يمكنه العطاء الوطني، بل صار وأجهزته الأمنية المخترقة تماما أسفين صهيوني في ذراع المقاومة الفلسطينية، حين قبل تحت ضغط أمريكي وعربي في الأساس، أن يصف المقاومة الاستشهادية أنها إرهاب لابد من محاربته، فبدلا من توسيع دائرة الحكم بالمشاركة الشعبية ممثلة في المنظمات الفدائية الفلسطينية الوطنية الحاملة للسلاح في وجه أعداء من اجل الحرية والوطن والعودة، يعيد عرفات صياغة نفس حكومته "الأسلوية" التي أهدرت من عشر سنين كل الدم الفلسطيني الذي أساله الشعب من أجل حريته ووطنه طوال زمن الاحتلال الصهيوني لفلسطين، بتسلط مطلق ودكتاتورية بالغة، في الوقت الذي يموت شعبه شوقا للحرية والديموقراطية، في اشرف معاركه.

 

تنازل تلو تنازل تقدمه تلك الأنظمة الكارهة لحرية شعوبها، وفى الأيام القليلة القادمة سوف نرى بماذا يمكن لصدام أن يرد على القرار، الذي أعتبره اختبار لوطنيته ووطنية نظامه، ولسوف تضغط الأنظمة الحاكمة الشمولية على النظام العراقي، ليقبل هذا القرار المتعنت، سوف تضغط في حقيقة الأمر ليقبل العراق القرار الأمريكي، ولسوف ينصح كل الحكام العرب وعلى رأسهم النظام المصري صدام العراقي أن ينصاع إلى قرار الولايات المتحدة الأمريكية، بحجة التعقل وحساب دفتر الأستاذ، وعلى العراق أن يدمر أسلحته لو كان يمتلكها، أو يفتح أبوابه لهؤلاء المفتشين إذا لم يكن يملك مثل هذه الأسلحة،  ليثبت حسن نيته، أي إذلال وإهانة تقبلها مثل هذه الأنظمة تحت وابل من الشعارات عن حرية الإرادة الوطنية.. وكأن قبول العراق بالقرار الأمريكي، آسف قرار الأمم المتحدة، سوف يزيح عن العراق شبح الحرب، انتم مرة أخرى واهمون، الحرب قادمة سواء قبل أو رفض العراق القرار، فقد اختارت مجموعة الفاشست الأمريكية/الصهيونية العراق ليكون البوابة التي يعبرون منها ليحكموا العالم بالحديد والنار.

 

وكنت قد راهنت أصدقاء لي على أن "نتنياهو" سوف يقبل الوزارة، وأن شارون سوف ينجح في تشكيل وزارته بعد أن وافق الجزار "موفاز" على قبول حقيبة وزارة الدفاع، فالعلاقة بين موفاز ونتنياهو معروفة، فهما على وتيرة سياسية واحدة، إن هذا الثلاثي شارون نتنياهو موفاز، لم يجود التاريخ الصهيوني كله حتى الآن بمثله، وعلى الساسة العرب أن يواجهوا بوش ونائبه ومستشاره الأمن القومي في أمريكا، وهذا الثلاثي الصهيوني، فهؤلاء الفاشست المتطرفين لم يصلوا إلى سده الحكم في بلادهم صدفة، بل هو توازن القوى الذي أفرزهم انتخابيا، ولن  يزولوا من على المسرح السياسي إلا بمثل ما جاءوا عن طريق الانتخاب، ولنعلم انهم لم يحضروا على خشبه المسرح صدفة، بل ليؤدوا دورا أثناء ضرب العراق وما بعدها، بغرض تغيير الجغرافيا السياسية للمنطقة بل والعالم، فالمقاومة الشعبية الفلسطينية  والعراق، هما العقبة الكئود في فرض السيطرة والهيمنة الكاملة على العالم كله وليس المنطقة فحسب، وعلى العرب وحكامهم أن يواجهوا أعنف انحناءة في تاريخهم، فإما نكون أو لا نكون، فلن تحتمل الأحداث القريبة القادمة أنصاف الحلول، لن يحتمل الموقف المزيد من الانتظار والتململ والسلبية، فإما نقاوم باسم حقنا وحريتنا أو نستسلم باسم الواقعية والعقلانية، لا بديل ولا طريق ثالث.. فأطلقوا حرية شعوبكم لتختار طريقها، اتركوها تختار مصيرها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ د. عبدالرحيم الكريمى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن