قصة قصيرة

محمد مزيد
mmeziyad@yahoo.com

2013 / 10 / 25



هذا اليوم بالذات, قررتُ إن أعرف لماذا ينظر هذان الشابان إلى بابِ بيتي، من غيرِ كلِّ البيوت، في الوقتِ الذي لا أجد فيه أي مبررٍ لذلك ! إذ إنني لا أسمح لزوجتي الفاتنة الاقتراب من الباب، بل لا أسمح لها بالخروج، مادمت أقومُ دائماً بواجباتِ التبضع اليومية بما يحتاج إليه المطبخ.
تركتُ زوجتي، مثلَ كلّ يومٍ، في عالمِ المطبخ وصعدتُ إلى غرفتي لأمارس طقوسي التي أحتفِلُ بها طوال يومي، بعد أن وجدتُ نفسي، فجأةً، بلا عملٍ ولا بنادق، ولا خرائط، غرفتي في الأعلى، أصبحتْ عزائي الوحيد، فمن خلالِها أستشرفُ الحياة، وأُحاول تجميل ما تبقى من الخرابِ الذي عشتُه، وقد غنمتُ من الحرب مرقاباً وأنكساراتٍ عديدة، هذا المرقاب الذي مكنني يومياً من مشاهدة الحياة السرية وأوضاع الناس المختلفة عن قربٍ لم اكُنْ أحلم بجمالِ ما يفعلون وهم في غفلةٍ، فكنتُ بتوقيتٍ يوميٍّ أعرفهُ، أن الساعةَ التاسعة مثلا ًهي ساعةُ تلك السمراء التي تخرِج لتنشر غسيلها، وهي ترتدي ثوبها الوردي الشفاف بورودهِ الحمر والذي كان يكشفُ جانباً مهماً من تقاطيع صدرها، ولم أكن أحسدُ زوجَها كيف يؤوي إلى هذا الجسد، ذلك لأنه على جانبٍ كبيرٍ من الوسامةِ والخشونةِ طالما تَمْنيتُها لنفسي، لكن مما كان يُزعِجُني حقاً سمرة وجهها، وهي تضعُ أحياناً أحمر الشفاه الصارخ على تلك الشفتين المكتنزتين، فكان ثوبُها الوردي - هكذا أتصور الأمر - هو بمثابةِ إعلانٍ عن ليلةٍ سعيدةٍ حمراء، أمضتها السمراءُ تحت ذلك الضوء الأصفر الخافت الذي كنتُ أشاهدهُ وقد تحوَّل إلى ألوانِ قوس قزح في غرفتِها البعيدة عن الناسِ والأنظار، لكنها ليست بعيدةً عن مرقابي الذي كان يتجول براحتهِ ليمسح بعدستهِ الرهيبة موجودات الغرفة، ينقلها لي جزءاً جزءاً، وكنتُ انتظر بفارغ الصبر تلك القطعة من القماش، التي تُرمى بشاعريةٍ في إنحاءِ الغرفةِ، لتَسقُط في الأخير بالقربِ من قدمِّي السرير الذي يحتضن عواصف جسدها وهي تخوضُ غمار السباحة في بحرِ الجمال. كانت تمضي نصف ساعةٍ بالضبطْ على شرفتِها ثم تُغادرها، فأنقلُ مرقابي هذه المرة إلى تلك المرأة صاحبة الخمار، والتي تضعهُ على رأسهِا كلما خرجتْ تنشر غسيلها، بينما كانت ترتدي ملابس محتَشِمة ِطالما أشعرَتْني بالخجلِ من مراقبتِهِا، يجب أن أقول إن المرأةَ المحُتشِمة تُشِعرك من حيث لا تدري بالأحترام، دون أن تطلبهُ هي بالذات، وعائلة هذه المرأة عصية علي منذ سنتين، إنها وزوجها لم أعرف أي شيء عنهما، مثلا اسمها أو اسمه، إذ أنهما منعزلان عن العالم، غائران في شقتِهما، لا أحد يدخل إليهما ولم أرهِما قد دخلا على أحدٍ، زوجُها بالكاد أراه ، بل أذكرُ أنني رأيتهُ مرةً واحدةً فقط، كان يبدو من خلالِ مسبحتهِ السوداء ما يُظْهِر تقواهُ وشدةَ تمَسكه بالفروض الدينية، على الرغم من أن عمره لا يتجاوز الثلاثين، أما غرفتُهما الغامضة، تلك الغرفة التي أبحثُ عن أسرارِها، لا يستطيع مرقابي اختراقها بسبب الستارة الزرقاء المعتمة التي كانت حاجزاً منيعاً ضد فضولي، ولكني بعد السنتين، وقعتُ على السّر، أو لأقل الكوة السحرية، التي تُمَكْنُني من اختراق هذا البيت المحصَّن، إذ اكتشفتُ بالمصادفة، وبعد خروجِ زوجها مباشرةً إلى العمل، أنها في يومٍ واحدٍ من الشهر، كانت ذات الخمار، تقوم بتنظيف الغرفةِ من الغبار، ترفعُ فيه تلك الستائر الزرقاء اللعينة وتفتحُ النوافذ على مصراعيها، فتنكشفُ، تلك المرأة، المُحتشِمة، لي عن آخرِها بالتفاصيل المُشوِقة، غير المملة التي أُريد، وهي تقوم بتنظيف الغرفة، إذ كانت ترتدي ثوبها القصير الأحمر الغامق، معلقاً بخيوطٍ رفيعةٍ من كتفِيها العاريتين، وتضعُ نصفه تقريبا في اللِّباس الداخلِّي ليصْبِح حزاماً حول خِصرها، وعلى إيقاعِ موسيقى لا اسمعُها، تبدأُ التنظيف، كانت تنظّف وترقص، فكنتُ أَرقصُ معها، وأهزُّ وسطي مثُلها، أبحرُ في فيوضاتِ عالمِها، لمدة ساعتين وأحياناً أكثر، غير مُلتفتٍ لنداءاتِ زوجتي في الأسفل وهي تدعوني لتناول الطعام، كان يوماً في الشهر، بالنسبة لي هو أسعدُ الأيام، إذ أجري فيه إحماء روحي به، تلك الروح التي أجدبتها الحرب، وأصبحت تعومُ في بحيرةٍ من الخواء، لا سلوى لها سِوى المرقاب، غنائمي الهزيلة من تلك الحرب، ثم أقومُ بعدئذ، أي بعد انتهاء فاصل التنظيف والرقص، بمحاولةٍ لمسح صورة زوجتي من ذهني، من أجلِ أن تكون المعاشرة، التي كنتُ كثيراً ما أجهد فيها وأعضُ النواجّذ ندماً، وبالرّغم من كِّل الإحماء والأستعداد ، والمراقبة لعمليةِ التنظيف الرشيقة التي تستغرقُ أكثر من ساعتين، ولكنها زمنياً عندي أقل من ثانيتين، وبرغم كل ذلك كنتُ لا أستطيع، في أيِّ محاولةٍ، ألا الرجوع بذاكرتي إلى تلك الأيامِ الصعبة ، لأتذَّكر كيف سارت فيها الحياة، كنتُ في الحقيقة أُحبُ، تلكَ اللحظات، التي يقفُ فيها الآخرون شاعرين بالخوفِ من المجهول، ولا أدري لِمَ كنتُ أتذكَّر تلك الأيام التي أنفرد فيها مع نفسي، أعني أيام الحرب، كلما صَعِبَ علي إنهاء مشواري الجمالي وأنا أحتمي بما أخْتَزنَتُه ذاكرتي من مشاهدِ الرقصِ والخصرِ المحزم بالثوب الأحمر، ها أنذا، أَستذكرُ كلَّ ذلك، بعد أيةٍ محاولةٍ فاشلةٍ مع زوجتي الجميلة صغيرة السن، والتي تزوجتُها مؤخراً بعد سنواتٍ من وفاة أمّ أولادي، لذلك كان المرقابُ وغرفتي في الطابق الأعلى من البيت، كلَّ عزائي، كلَّ سعادتي، مما تَبقى من عمري الذي مضى في حقولِ الخراب، هذه الغرفةُ التي رفضتُ رفضاً قاطعاً، كأي متقاعدْ عنيد، إن يسكُنَها وَلدي بقصدِ الزواج فيها، قلتُ له، أذهب تزوج هناك بالقربِ من إِخوتِك ، في بيِتِكم الكبير وفي نفسي قلتُ له لن افرَّط بالغرفةِ والمرقاب. ها أنذا أتطلعُ إلى السيدة صاحبة الخمار، وهي تتراقصُ أمامي بمفردِها، مع أنغامِ الموسيقى، لتنظف غرفتها من الغبار، وقد أمضيتُ وقتاً سحرياً في تقمص سلوك الغبار وهو يلمس الجسد البض حينما يدخلُ في أيٍّ مكانٍ يعُجبه، ولم يحزنُني استحالة وصولي إليها أثناء المتابعةِ والمراقبةِ الدقيقة لكِّل التقاطيع التي أشتَهْيها، إذ يكفي، أنني ها أنذا أختزِنُ صورَ الجمالِ في روحي، من أجلِ زمن، أُنهي فيها عذابي الذي يبدو أنه لا ينتهي أبداً، وها هي الجميلةُ صاحبة الشال تغلق النافذة، ومرقابي – بقايا غنائمي - المخبأ وراء الستارة لن تستطيع رؤيته.
ثمة من في الشققِِ التي لا أُحبّذ مراقبتها كثيراً ، تلك الشقة التي لا يسكنُها أحدٌ سوى امرأةٍ تبدو في الخمسين من العمرِ، تجلسُ طوال الوقت أمام صورة لرجلٍ، وبين ساعةٍ وأخرى، تمسحُ خديها. وكانت ثمة شقةٌ بجانِبها، لشابيَّن لا أودُ التطلّع إليهما، رغم أني قررت معرفة كُنههما اليوم ، كانا مثلي كما يبدوان ، يراقبان البيوت والشقق ولكنهما كثيراً ما يتطلعان إلى بيتي، خصوصاً في الاتجاه الذي يُؤدي إلى الباب الخارجي، لا أعرفُ لماذا ينظران هكذا باتجاه بيتي، رغم أني أُشدّد على أن زوجتي لا تَخرج إطلاقاً ، كي تكونَ طُعْماً لنظراتِ هذين المراهقيَن. إنهُما يراقبان لمدة ساعة بالتمام والكمال، ثم ينصرفان إلى لعب الكومبيوتر اللذين وجدتُهما يتخاصمان حوله فيما بينهما.
هناك بيتٌ صغيرٌ أسفل الشقق لعائلةٍ كبيرة، يبدو أن عدد أفرادها أكثرُ من عشرةٍ ، تشجعني مراقبتهم وتُثيرني لكي أضحك كثيراً - أنهيتُ حياتي في الخدمةِ وأنا لا أضحك إلا قليلا - إذ أرى في الليل كيف يسعى الأب لإخمادِ صغارهِ، رافعا نعاله بغضب، لكي يناموا في غرفةٍ واحدةٍ جميعاً، بينما يذهبُ هو وامرأتُه إلى الحمام، وللأسف، لا أستطيع مشاهدة ما يحصل في الحمام الليلي، لأن المصباح يكون مطفأ ، وبالتالي انتهاء فاصل الضحك عند هذه الفقرة .
قلتُ في بداية قصتي إنني قررتُ هذا اليوم مراقبة شقة هذين الشابين المراهقين، لماذا يحدقان عند زمنٍ معينٍ من الصباح، ينحصر بين العاشرة والحادية عشرة، أي في أشد لحظات انغماري بالمراقبة ، يصوبان أنظارهما إلى بيتي، وبالذات بابهِ الخارجي، إذ يجب أن أعرف ، ولابد أن أستعد لذلك، ففي الساعةِ العاشرةِ صباحاً، تأتي عجلةُ القمامة لتلمُها من البيوت والشقق، وفي تلك الإثناء يخرجُ هذان الشبان للمراقبة، وغالباً ما تقف تلك العجلة بالقرب من باب بيتي، ليأتي أهل الزقاق يتوافدون، يرمون أزبالهم فيها .
راقبتُهما جيداً ، كانت بالفعل أبصارهما لا تُرْفَعْ عن بابِ البيت، وفي ذلك الوقت كان سائقُ عجلة القمامة يختفي عن الأنظار، لا أحد يعلم أين يذهب ! يمضي ساعة من الزمن ، كأنما الأرض أبتلعتهُ ، ثم يأتي مسرعاً، فيدور محركها لتنطلق السيارة وهي تحمل قمامة أهل الشارع ، عندئذ يكون الشابان قد دخلا جوف شقتهِما وهُما يتَضاحكان ببلاهةٍ ، وربما يتخاصمان ببلاهة أيضا. وفي الحقيقة لا شيء مثيراً ينظران إليه ، فقلتُ في نفسي يا لبُؤسِهِما .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن