من الضحية -عفوا الأضحية- ...؟

العياشي الدغمي
elayachi.doghmi@gmail.com

2013 / 10 / 15

إن من بين التمثلات التي يمكن من خلالها تفسير عدم قيام المرأة بممارسة الذبح على العموم، وهو أن المرأة تتصور لنا في القاعدة الثقافية على أنها كائن يمنح الحياة ولا يأخذها، ومنه فحقيقة الذبح هي في الواقع -حسب هذا التصور- عملية يتم من خلالها سلب الحياة -ولو من حيوان الذي هو الأضحية- الأمر الذي لا يمنحها حق الممارسة... هذا من جهة، ومن جهة أخرى فكل ممارسات المرأة خلال هذا الطقس، هي ممارسات تعمل على منح الحياة وتجديدها وذلك من خلال إعدادها للطعام وتهييئه ومنحه باعتباره قاعدة أولوية للاستمرارية والبقاء.. وغير ذلك من الممارسات الأخرى...
بينما يعمل الرجل على عكس ذلك ؛ أي يعمل على سلب الحياة وتوقيفها... إلا أن هذه التأويلات لا يمكن الأخذ بها بشكل مباشر إذا ما استحضرنا الأسطورة الإبراهيمية التي تبين كيف أن التضحية بكبش الفداء ، بدل التضحية بالإبن (الذي تختلف الروايات حول هويته بين اسماعيل وإسحاق) فإن الأمر أعقد من ذلك بكثير ... فعندما رأى إبراهيم أنه يذبح إبنه في المنام، وعمل بعد ذلك على مسايرة الرؤيا وحاول أن يجسدها على أرض الواقع تقيدا بالأمر المنزل من عند -الله- عنده يمكن القول بأن الرجل في الواقع -ومن خلال هذه الممارسة - هو الفرد الذي يحاول أن يبقي على الحياة ويجددها... كيف ذلك؟
في البدء كانت الأضحية عبارة عن إنسان (فرد من العائلة)، الذي هو الإبن، والذي يمثل امتدادا للأب واستمرارا له ولسلالته، وهكذا فذبحه هو في الواقع ذبح وقضاء على السلالة برمتها، حيث إن الخلف لن يوجد بعد الأب ليحافظ على نوعه ويشكل امتدادا وبقاءا له، ونفهم من هذا أن المضحي الذي هو الأب والأضحية التي هي الإبن، يصيران كليهما المضحيان، ذلك أن الإبن سيضحي بحياته امتثالا لطاعة الأب، بينما الأب سيضحي بأغلى ما يملك (أي بطرف من كبذه إلم يكن الكبذ بعينه) والأسوء من ذلك سيضحي بسلالته وامتداده، أي أن الأضحية الفعلية في هذه الجدلية هي الأب عينه... لكن وقبل أن يحدث الحدث تكرر "المعجزة الإلهية" نفسها، لتوقف هذه المجزرة الإنسانية التي كان من الممكن أن تنهي مسار البشرية وتقضي على النوع البشري برمته، ف "ينزل كبش الفداء" الذي هو كبش فداء للأب بالدرجة الأولى، والإبن بالدرجة الثانية، والأهم أنه فداء للنوع البشري برمته... فماذا كان بعد ذلك أي بعد "نزول الفدائي السماوي"؟
قام الأب بتسريح إبنه معلنا عن بداية جديدة لحياته وحياة كل من كان سيضحي بهم معه، أي حياة جديدة للسلالة الإبراهيمية التي يزعم كل من المسيجيين واليهود وكذا المسلمين أنهم أبناؤه أو حفذته... إلا أن المسألة تبين أنه -وحسب الرواية- أب للإنسانية جمعاء، ذلك أنه لو تحققت التضحية وتجسدت المجزرة لما كان من بعده من سيقول إنه أبي أو جدي...
على العموم تم تسريح الإبن وعوض عنه بكبش حتى تتحقق الرؤيا ولا يعتبر بعدها الأب "كاذبا" وأنما صدق الرؤيا... فما الذي نستخلصه من هذا ...؟
أولا نلاحظ أن المجزرة التي كان من المفترض أن تقع تحولت من "جنازة" إلى "عرس" وفرح واحتفال... وهذا ما نلاحظ أنه متجل ظاهريا بيننا خلال ممارسة هذا الطقس (إلم يكن الأب أي أب أي أسرة ضحية الأثمنة المرتفعة للأكباش التي لازالت تتكبد حرارة الطقس برمته)...
نلاحظ أيضا أن التضحية كانت متبادلة وبشكل دراماتيكي بين أقرب الأنساب (الأب والإبن)، وهو الأمر الذي كان ليقضي على أي علاقة محتملة بين هذين الخصمين اللذوذين من بعد -إن حدث واستمرت العملية وتجسدت فعلا كما جاءت به الرؤيا-
والملاحظة الأهم أن المرأة مغيبة تماما في كل هذا، أولا، على مستوى "الرؤيا" وثانيا، على مستوى الممارسة الفعلية او محاولة تحقيق تلك "الرؤيا".. فكيف يمكن تفسير ذلك..؟
لو أن من رآى تلك الرؤيا أو تحققت له كان زوجة إبراهيم أو غيرها من النساء لكان أبطال المسرحية فعلا نساء ولكانت الضحية "عفوا الأضحية" بنتا أو امرأة عموما، إلا أن الأمر أكثر من ذلك بكثير ، فالرؤيا تحققت لنبي ، ونعلم أنه لم يحفل تاريخ النبوة بأي من النساء ولو في
أبسط الوثائق أو الروايات الفقهية التي من الممكن أن تبين لنا العكس.، فكيف يمكن أن تتحقق لها رؤيا كهذه وهي من بين "المعجزات" التي ستغير مجرى التاريخ برمته، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن الأسطورة منحت للرجل (إبراهيم) سلطة القيام بما لا يخطر على بال أي أم القيام به، إنه القضاء على ما ترى فيه جزءا من دمها ولحمها ... ولعل هذا التفسير لن يقنع أحدا فالإبن هو أيضا إبن للرجل، إلا أنه من الممكن القول بأن علاقة الرجل (الأب) بابنه هي علاقة محدودة في الزمن ومحصورة في المكان، بينما علاقة الأم بالإبن أو البنت هي علاقة جدرية تجسدت في منحه الحياة مدة حملها له أو لها وهي علاقة بيولوجية حيوية لم يكن من الممكن لإبراهيم أن يربطها بابنه بشكل مباشر، الأمر الذي دفع و -حسب الرواية أقول- إلى اختيار الأب للمهمة عوض الأم...
إن تغييب المرأة ليس فقط مرده لهذه التبريرات أو تلك وأنما هو تجسيد فعلي لتكريس الهيمنة الأبوية والذكورية حول صراع من أجل القيادة والظفر بلقب التجديد والسهر على استمرار البشرية وكذا بنية العلاقات والسلطوية الممارسة بينهما ، كما تجسده الرواية في جانب من تفاصيلها حيث تغيب المرأة تغييبا تاما وتعمل على تكريس هيمنة الرجل على كل ما يمكن أن يمس بقاء البشرية واستمرارها في العمق من جهة، وهو ما يجسده في الحاضر تغييبها وإقصاؤها من ممارسة الذبح من جهة أخرى...
إنه فعلا دفاع مشروع لمن يدعي في قوته وصحته أن المرأة تمنح الحياة ولا تسلبها حتى نكرس لقواعد تعمل على تغييبها ودفعها نحو هامش الممارسات التي لا تحدد مجريات التاريخ البشري عموما والسلالة الإبراهيمية خصوصا...
فمن يمنح الحياة إذن... أهو الأم، الكبش، إبراهيم (الأب)، أم الإبن ، أم أن الرواية لا تكتمل بإقصاء أحد فصولها؟



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن