السياسة و الثقافة و الإقتصاد فى المجتمع الإشتراكي - برنامج الحزب الشيوعي الإيراني ( الماركسي– اللينيني – الماوي)-2-

شادي الشماوي
sonson2121@gmail.com

2013 / 9 / 14

السياسة و الثقافة و الإقتصاد فى المجتمع الإشتراكي

الثورة العالمية و البرنامج الأقصى ( الجزء الثاني)
برنامج الحزب الشيوعي الإيراني ( الماركسي– اللينيني – الماوي)-2-

الماوية : نظرية و ممارسة – 14 -
شادي الشماوي
برنامج الحزب الشيوعي الإيراني ( الماركسي - اللينيني – الماوي ) (2000)

محتويات الكتاب :

مقدّمة مترجم برنامج الحزب الشيوعي الإيراني ( الماركسي– اللينيني – الماوي)
============================
/ I الثورة العالمية و البرنامج الأقصي


مقدّمة :

الماركسية – اللينينية – الماوية :
الماركسية :

اللينينية :

ثورة أكتوبر
الماوية :

الثورة الصينية

مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا :


السياسة و الثقافة و الإقتصاد فى المجتمع الإشتراكي



الشيوعية العالمية والمرحلة الإنتقالية :
الدولة البروليتارية : الديمقراطية و الدكتاتورية :

الدولة و الحزب :
الدولة و الإيديولوجيا :

الدولة و الدين :
الدولة و الثقافة :
الدولة و الدعاية :

الحرّية و القمع و المقاربة المتصلة بالمعارضة :
الإقتصاد الإشتراكي :

العلاقة بين البلدان الإشتراكية و الثورة العالمية :

تناقضات النظام العالمي و صورة العالم الراهن :


II / الثورة فى إيران و البرنامج الأدنى


لمحة عن إيران المعاصرة


الهيمنة الإمبريالية :
الرأسمالية البيروقراطية :
شبه الإقطاعية :
ثلاثة جبال و علاقات إنتاج مهيمنة على المجتمع :

الدولة شبه المستعمرة فى إيران :

الجمهورية الإسلامية و ثورة 1979 :

الطبقات و موقعها فى سيرورة الثورة فى إيران



طبقات البرجوازية – الملاكين العقاريين :

البرجوازية الوسطى ( أو البرجوازية الوطنية ) :

البرجوازية الصغيرة المدينية :

المثقّفون :

الفلاحون :

الفلاحون الأغنياء :

الفلاّحون المتوسّطون :

الفلاحون الفقراء و الذين لا يملكون أرضا ( أشباه البروليتاريا فى الريف ) :

شبه البروليتاريا المدينية :

الطبقة العاملة :


بعض التناقضات الإجتماعية المفاتيح


النساء :

القوميات المضطهَدَة :

الشباب :


طبيعة الثورة و آفاقها


فى المجال السياسي :
فى المجال الإقتصادي :

فى المجال الثقافي :


الخطوات الفورية و إرساء إتجاه التغيير


بشأن العمّال :

بشأن الفلاحين :
بشأن النساء :
بشأن القوميات المضطهَدة :

بشأن التعليم :
بشأن الدين و النشاطات الدينية :


عن بعض أمراض المجتمع

البطالة :
الإدمان على المخدّرات :
البغاء :

المدن المنتفخة و اللامساواة بين الجهات :

السكن :
الوقاية الصحّية و الرعاية الطبيّة :

الجريمة و العقاب :

العلاقات العالمية :



طريق إفتكاك السلطة فى إيران


أدوات الثورة الجوهرية الثلاث : الحزب الشيوعي و الجبهة المتحدة و الجيش الشعبي :

قواعد الإرتكاز و السلطة السياسية الجديدة :

الإعداد للإنطلاق فى حرب الشعب :

نزوح سكّان الريف و نموّ المدن :

مكانة المدن فى حرب الشعب :

الأزمة الثورية عبر البلاد بأسرها :

حول إستراتيجيا الإنتفاضة المدينية :

حرب شاملة و ليست حربا محدودة :


لنتقدّم و نتجرّأ على القتال من أجل عالم جديد!


مقدّمة مترجم برنامج الحزب الشيوعي الإيراني ( الماركسي– اللينيني– الماوي):
مواصلة للخّط الذى قادنا فى أعمالنا السابقة و ربطا للأفكار التى صغنا بصدد إيران و تجنّبا للتكرار ، إرتأينا أن تكون هذه المقدّمة مركّبة من أجزاء ثلاثة هي أوّلا مقتطف من مقدّمة كرّاس " جمهورية إيران الإسلامية : مذابح للشيوعيين و قمع و إستغلال و تجويع للشعب " و ثانيا مقتطف من مقدّمة كرّاس " إنتفاضة شعبية فى إيران ، وجهة نظر شيوعية ماوية " ( المقتطفان صدرا ضمن كتاب يحمل ذات عنوان الكرّاس الأوّل ؛ العدد السادس من " الماوية : نظرية و ممارسة " ) ؛ إليهما أضفنا فقرة عن أهمّية هذا البرنامج. و على هذا النحو نمرّ من قراءة مقتضبة للصراع الطبقي فى إيران الحديثة و نقد لقراءات خاطئة مناهضة للماركسية – اللينينية – الماوية إلى النضالات الشعبية و إمكانية الثورة و من ثمّة إلى البرنامج الشيوعي الثوري الأقصى و الأدنى الذى يمكّن إن طبّق و نجح تطبيقه من جعل الثورة المرجوّة جزءا لا يتجزّأ من الثورة البروليتارية العالمية و أفقها الأسمى الشيوعية العالمية.
و من الأكيد أن الرفيقات و الرفاق الإيرانيين منذ سنة 2000 ، سنة نشر هذا البرنامج ، قد طوّروا جوانبا من برنامجهم أو نظرتهم لمسائل عملية و نظرية و بالفعل قد نشروا عدّة كتب و مقالات للأسف الشديد هي فى غالبيتها غير متوفّرة إلاّ باللغة الفارسية لذا ندعو الرفاق و الرفيقات العرب الذين يمسكون بناصية اللغة الفارسية و نلحّ فى دعوتهم إلى النهوض بواجب ترجمة أهمّ الأدبيّات الحديثة التى أصدرها الحزب الشيوعي الإيراني ( الماركسي – اللينيني – الماوي ) كما نتوجّه بالدعوة إلى الرفيقات و الرفاق الإيرانيين أن يسعوا جهدهم على الأقلّ لتقديم أدبيّاتهم الأهمّ باللغة الأنجليزية فنتولّى تعريبها أو يتولّى المهمّة غيرنا كي يتمّ التفاعل اللازم من منطلق أمميّ .
1- من مقدّمة كرّاس " جمهورية إيران الإسلامية : مذابح للشيوعيين و قمع و إستغلال و تجويع للشعب " :
" منذ السبعينات ، شدّت إيران إنتباه المتابعين للشؤون السياسية و الدينية عالميا .فقد عرفت البلاد مخاضا كبيرا و نموّ مقاومة لنظام الشاه بجناحين من حيث الأساس ، جناح يساري و جناح يميني ديني شيعي و قد إستطاع الشعب الإطاحة بالشاه بيد أن القوى الدينية بتنسيق مع الإمبريالية العالمية سارعت إلى الإستيلاء على السلطة و إجتهدت فى وأد ثورة 1979 و الثوريين و خاصة منهم الشيوعيين فى المهد لتركّز دولة دينية أوتوقراطية تواصل بوجه جديد مضلّل للجماهير الشعبية رعاية و خدمة مصالح الإمبريالية و الكمبرادور و الإقطاع.
و كان لهذا تبعات جدّ خطيرة بصورة خاصة على الصراع السياسي فى الوطن العربي . فمن جهة ، أعطى هذا ، ضمن أسباب أخرى متنوعة و معقدة ، دفعا كبيرا للحركات الأصولية الإسلامية فى الأقطار العربية و من جهة ثانية و إضافة إلى البلبلة التى دبّت فى صفوف القوى اليسارية تقييما و تحالفات ، مثّل هذا الحدث ، إلى حدّ كبير ، منعطفا فى تراجع تأثير الشيوعيين و إنتشارهم و قوّتهم عربيا سيما و أن الحركة الشيوعية العالمية كانت تشهد ساعتئذ صراعات حادة بين القوى الماركسية –اللينينية الحقيقية و القوى التحريفية المعاصرة الموالية للإمبريالية السوفياتية أساسا.
و ممّا قصم ظهر الحركة الماركسية –اللينينية عالميا عاملان إثنان أولاهما خسارة الصين الماوية فى 1976 كقلعة حيّة للثورة البروليتارية العالمية بإستيلاء التحريفيين و على رأسهم دنك سياو بينغ على مقاليد الحكم و تحويل الصين من صين إشتراكية إلى صين رأسمالية و ما نجم عن ذلك و عن الخطّ التحريفي الصيني من تشويش و تشويه للماركسية- اللينينية- الماوية [ حينها الماركسية – اللينينية – فكر ماو تسى تونغ ] .و ثانيهما هو الطعنة فى الظهر التى وجّهها أنور خوجا ، قائد حزب العمل الألباني للماركسية – اللينينية – فكر ماو تسى تونغ التى كانت تقود الحركة الماركسية –اللينينية منذ أواسط الخمسينات و بشكل جلي منذ الستينات حيث أعلن أنور خوجا ، الدغمائي التحريفي ، أن فكر ماوتسى تونغ معاد للماركسية ،عوض أن يلتقط المشعل الشيوعي الماركسي –اللينيني الذى طوّره ماو تسى تونغ و يرفع رايته فزاد بذلك الطين بلّة .
و تكالبت القوى الإنتهازية لتتخلى عن الشيوعية الحقيقية ، الثورية و تشنّ حربا شعواء على ماو تسى تونغ الذى كان لعقود رمزا للحركة الماركسية –اللينينية العالمية و أهمّ قادتها فساد نوع من الفوضى الفكرية داخل الحركة الشيوعية العالمية قبل أن يخاض النضال المرير و الطويل لوضع خطوط تمايز مع جميع أرهاط التحريفية السوفياتية و الصينية و الأوروشيوعية و الخوجية ...و ليتم الردّ عليها و دحضها و لتشرع الماركسية –اللينينية –الماوية فى الإنصهار مجدّدا فى صفوف شعوب العالم عاملة على تغييره ثوريا بغاية بلوغ الشيوعية عالميا .
و عربيا ، تحوّل بعض المثقفين الذين كانوا يدّعون الماركسية إلى بوق دعاية للرجعية يدافعون عن الأصولية الإسلامية و مشروعها المجتمعي و الإقتصادي و السياسي و الثقافي . و طرح البعض إقامة تحالفات مع القوى الإخوانجية التى سرعان ما تضاعفت قوّتها و تضاعف تأثيرها جماهيريا غاضين النظر عن برامجها ووسائل عملها و مواقفها اللاوطنية و اللاديمقراطية و اللاشعبية الموالية للأنظمة السائدة و الإمبريالية و إن تظاهرت أحيانا بمعارضتهما أو عارضتهما لتتقاسم السلطة معهما .
و فى حين أسبغت مجموعات" ماركسية " صفة الوطنية على بعض الإخوانجية ( طامسة مثلا علاقة النظام الإسلامي الإيراني بالإمبريالية كما كشفته " إيران غايت " ) ، أسبغت عليها مجموعات أخرى صفة الديمقراطية ( متحالفة معها على أساس نقاط سميت الأدنى الديمقراطي أو جاعلة من الإنتخابات الإيرانية نموذجا للديمقراطية فى حين أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية يحكمها نظام وحشي فاشي ) و جعلت مجموعات ثالثة من الفكر الخرافي الرجعي الفكر الذى يجب أن يسود حركة التحرّر الوطني العربية عوضا عن الفكر العلمي و الشيوعي الثوري ، فإلتفتت إلى الوراء لتعلن أن الحلّ عند السلف لاوية معها عنق الجماهير الشعبية ذات الوعي الطبقي المتدنى إلى الخلف و مانعة عنها بالتالى التطلع إلى المستقبل الشيوعي الذى تصنعه الشعوب بقيادة الشيوعيين الثوريين إنطلاقا من الواقع لا من الخيال .
و فى السنوات الأخيرة ، إلى جانب ظاهرة التشيع التى أخذت فى الإنتشار فى الأوساط الإسلامية ، ذهبت مجموعة من الذين يقولون عن أنفسهم مستنيرين و حتى ماركسيين إلى حدّ الدعاية السافرة لا فقط للأفكار السياسية و إنما أيضا لإيديولوجيا "حزب الله" و مراجعه الفكرية باثة مزيدا من الأوهام حول طبيعته و برامجه و تاريخه و ممارساته . ووصل الأمر بالبعض إلى إبتلاع المقولة السامة المعادية للفهم الشيوعي حول الدولة و الصراع السياسي و علاقته بالحرب بان هذا الحزب لا يعمل إلا على مقاومة الكيان الصهيوني و بهذا لحملهم السلاح فى وجه الكيان الصهيوني جعلوا منهم وطنيين ناسين برنامجهم الرجعي الذى لا يقطع مع الإمبريالية و إرتباطاتهم التبعية لإيران و نظامها العميل للإمبريالية و ما إلى ذلك و فصلوا نظريا البعد الوطني عن البعد الديمقراطي فى الثورة الوطنية الديمقراطية / الديمقراطية الجديدة فصلا خاطئا و ضارا كلّ الضرر ، و روّجوا لكون "حزب الله" لا يستعمل السلاح فى الصراع السياسي الداخلي اللبناني ماحين هكذا بجرّة قلم تاريخ هذا الحزب و الفهم المادي التاريخي و حقيقة أن الحرب مواصلة للسياسة بطرق عنيفة ومن جديد و ببساطة أتت الأحداث فى لبنان لتكشف مدى خور هذه الترهات فبالسلاح إستولى حزب الله على بيروت أحياء و شوارعا ليفرض سياسات معينة و نقلت ذلك مباشرة شاشات التلفزة عبر العالم .
إن مثل هذه القراءات الفجة لطبيعة الأنظمة و الأحزاب و التنظيمات الأصولية الإسلامية و لتاريخها و التعامى عن تنظيراتها وبرامجها و ممارساتها الرجعية تجاه الشيوعيين و الثوريين و التقدميين و المرأة إلخ يصبّ فلسفيا فى خانة الحكم المثالي بظواهر الأشياء و من بعيد و عدم تحليلها ماديا جدليا و ماديا تاريخيا من منظور بروليتاري شيوعي ثوري و الغوص إلى لبّها و حقيقتها العميقة ، و سياسيا فى خانة فصل الوطني عن الديمقراطي و مغالطة جماهير الشعب و خدمة الأنظمة السائدة و دول الإمبريالية-الإقطاع – الكمبرادور و طبقيا فى خانة الإستسلام لأعداء الثورة و التذيّل لكتلة من كتل الأنظمة الرجعية على حساب إستقلالية البروليتاريا و غايتها الأسمى الشيوعية .
و هذا يطرح علينا كشيوعيين ماويين ، إذا ما رمنا تحرير الشعب و تنويره بالحقيقة التى هي وحدها ثورية كما قال لينين و خوض الصراع اللازم ضد تلك الإنحرافات الخطيرة للغاية ، إيلاء هذه المسألة جزءا من جهدها النضالي على الجبهة الفكرية النظرية و السياسية و يطرح على جميع الشيوعيين التعمّق فى دراسة و فضح ما يقدّم على أنه بديل إسلامي للشيوعية عبر نقد أهمّ إن لم يكن كلّ تجارب الإخوانجية الذين وصلوا إلى السلطة و مارسوها أو لم يصلوا إليها بعد أو يتقاسمونها ضمن إطار الأنظمة الرجعية السائدة و تبسيط ذلك لنشره فى صفوف الشعب . فمن أوكد الواجبات فى هذا الحقل تناول تجربة إيران و تجربة السودان و غيرهما بالبحث لتعرية وجهها الحقيقي و فضح طبيعتها و برامجها و ممارساتها شعبيا . و إن خوض هذه المعركة من الضرورة بمكان إذا كنّا نتطلّع إلى التقدّم فى إتجاه الإشعاع شعبيا و رفع وعي الشعب و إلحاق هزائم بالفكر الخرافي المكبل لطاقات ثورية هائلة فى صفوف الطبقات الشعبية و المدعى أنه بديل شعبي بينما هو بديل إمبريالي . "
2- من مقدمة كرّاس " إنتفاضة شعبية فى إيران ، وجهة نظر شيوعية ماوية " :
" حقيقة كانت إيران و لا تزال نموذجا للغالبية العظمى من التيارات الأصولية الإسلامية منها إستلهموا بعض الأفكار و الكثير من القوة بإعتبار إيران مثالا حيّا نابضا لإمكانية وصول الأصوليين الإسلاميين إلى السلطة و المحافظة عليها و بناء مجتمع إسلامي يعزّز الحركة الظلامية عبر العالم و يعضدها بما أوتي من قوّة مادية و معنوية.
تصوّروا الآن تحوّل إمكانية الإطاحة بنظام جمهورية إيران الإسلامية إلى واقع ملموس، تصوّروا تفكّك هذه الدولة القروسطية و مدى المدّ النضالي و طموح الإنعتاق الوطني و الطبقي و الطاقة التحررية التى سيطلقها الحدث بالنسبة لشعوب الشرق الأوسط فشمال إفريقيا و آسيا و العالم بأسره.
تصوّروا دحر أحد محركات – أو قلب رحي- وركائز الحركات الإسلامية وقد تعرضت بعدُ حركات أصولية أخرى فى عديد البلدان إلى ضربات موجعة و مدى فسح ذلك للمجال لإنكسارات داخلية فى صفوفها و لخوض النضالات ضدّها و فضحها على أوسع نطاق شعبي ممكن.
تصوّروا بالإضافة إلى ذلك أن تكون الإطاحة بنظام جمهورية إيران الإسلامية الرجعي القروسطي على أيدى قوى شعبية تقودها البروليتاريا و توجهها الشيوعية.
تصوّروا هذا و أكثر ، ألا يستحق منّا حينئذ السعي حثيثا لمعرفة حقيقة ما حدث فى إيران و دراسته و تحليله وإستخلاص الدروس منه لدفع عجلة الصراع الطبقي و التاريخ من موقع أممي ووحدة الطبقة العاملة مصيرا و مهمّة تاريخية ؟ إذا كنا فعلا شيوعيين هذا الأمر يستحق العناء كلّه بل هو من صميم واجباتنا الثورية الأممية.
[ ...]
و ننهى هذه المقدّمة بالتنبيه إلى الحاجة إلى وعي الشيوعيين لضرورة ملحّة من مهام النضال على الجبهتين الإيديولوجية و السياسية ألا وهي مهمّة دراسة و كتابة مقالات تحليلية و نقدية طويلة و لما لا كتب لتعرية و فضح مشاريع و تجارب الأصوليين الإسلاميين فى البلدان العربية و غير العربية و نشرها شعبيا و التصدّى لهذه المهمّة العظيمة من منظور شيوعي ثوري و النجاح فى إنجازها من شأنه أن يكنس الكثير من العوائق الحائلة دون رفع وعي الجماهير وإنتشارالفكر العلمي و المشروع الشيوعي شعبيا فالظلامية لن تضمحلّ بمحض إرادتها ، يجب علينا كنسها كنسا شأنها فى ذلك شأن الغبار الذى لا يتلاشى لوحده ليدع المكان نظيفا بل ينبغى علينا كنسه إذا ما رمنا تنظيف المكان . "
3- أهمّية برنامج الحزب الشيوعي الإيراني ( الماركسي – اللينيني – الماوي ) بالنسبة للشيوعيين عامة و الشيوعيين الماويين خاصة :
تتأتى أهمّية هذه الوثيقة من أمرين محوريين بالنسبة للشيوعيين الماويين الذين يهدفون لتطوير مستلزمات الثورة البروليتارية العالمية بتيّاريها ، الثورة الديمقراطية الجديدة / الوطنية الديمقراطية فى المستعمرات و أشباه المستعمرات و المستعمرات الجديدة و الثورة الإشتراكية فى البلدان الرأسمالية الإمبريالية و بصورة خاصة عربيّا تطوير التيّار الأوّل :
- أوّلا و قبل كلّ شيء هذه الوثيقة الصادرة سنة 2000 عن أوّل مؤتمر لحزب يرفع بوضوح راية الماركسية – اللينينية – الماوية منذ سنوات تجاوزت العقد الآن رغم القمع و العسف الوحشيين لنظام قراوسطي فاشستي ، عن حزب كان من الأعضاء الفاعلين فى الحركة الأممية الثورية و مساهماته فى صراع الخطين صلبها بصدد البيرو و النيبال و تقييم الخلاصة الجديدة و الخلافات مع الحزب الشيوعي ( الماوي ) الأفغاني ... معروفة لدي المتتبّعين عن كثب لتطوّر الحركة الماوية العالمية .
- وثانيا إنّ الرفيقات و الرفاق الإيرانيين الذين قدّموا التضحيات الجسام و تمكّنوا من مواجهة المخاطر و العراقيل الموضوعية و الذاتية بلغوا منذ سنوات مرحلة تأسيس الحزب الشيوعي الماركسي – اللينيني - الماوي ، مرحلة لم تبلغها أيّة مجموعة أخرى على الصعيد العربي . و فى سيرورة تطوّرهم هذه و قطعهم أشواطا أخرى بإتجاه الإعداد لخوض حرب الشعب الماوية لإنجاز الثورة الديمقراطية الجديدة الممهّدة للثورة الإشتراكية فالشيوعية كتيّار من تياري الثورة البروليتارية العالمية ، لا شكّ فى انّهم قد عالجوا عدّة قضايا و إنحرافات لا يزال الماويون فى الأقطار العربية يتخبّطون فيها فوجب التعلّم منهم بروح أممّية بروليتارية - مع مراعاة الإختلافات فى الواقع الموضوعي والذاتي، الكمّية منها و النوعية أحيانا - بعيدا عن الشوفينية القومية. حقيقة موضوعية هي أنّهم متقدّمون علينا فى مجالات عدّة لا سيما نظريّا و مثلما قال لينين فى " ما العمل ؟ " :
" الحركة الإشتراكية - الديمقراطية [ أي الحركة الشيوعية – صاحب المقدّمة ] هي حركة أممية فى جوهرها. و ذلك لا يعنى فقط أنّه يتعيّن علينا أن نناضل ضد الشوفينية القومية بل ذلك يعنى أيضا أن الحركة المبتدئة فى بلاد فتيّة لا يمكن أن تكون ناجحة إلاّ إذا طبقت تجربة البلدان الأخرى . و لبلوغ ذلك لا يكفي مجرد الإطلاع على هذه التجربة أو مجرّد نسخ القرارات الأخيرة . إنّما يتطلّب هذا من المرء أن يمحص هذه التجربة و أن يتحقّق منها بنفسه . و كلّ من يستطيع أن يتصوّر مبلغ إتساع و تشعب حركة العمال المعاصرة ، يفهم مبلغ ما يتطلّبه القيام بهذه المهمّة من إحتياطي من القوى النظرية و التجربة السياسية ( الثورية أيضا ) . "


/ I الثورة العالمية و البرنامج الأقصي( الجزء الثاني )



السياسة و الثقافة و الإقتصاد فى المجتمع الإشتراكي :



الشيوعية العالمية والمرحلة الإنتقالية :

هدف البروليتاريا و أفقها هو إرساء الشيوعية العالمية . و فى ظلّ الشيوعية لا وجود للطبقات و الإنتاج السلعي و المال و علاقات الإضطهاد و الإستغلال و الإيديولوجيات و السياسات المتناسبة مع هذه العلاقات .و فى ظلّ الشيوعية مفاهيم مثل الفقر والحرب و البطالة لا مكان لها . و أيضا لن توجد أمم و حدود أو ديانات و ستضمحلّ كلّ أشكال الإضطهاد الجنسي و القومي و الديني . لن يكون الناس منقسمون بين من يقومون بالإدارة فحسب أو ينخرطون فى العمل الفكري و من يقومون بالعمل اليدوي فقط . فى ظلّ الشيوعية سيتمّ التخلّص من الطبقات و لن توجد مظاهر لامساواة طبقية أو جندرية أو قومية و سيضمحلّ جهاز الدولة كوسيلة لدكتاتورية طبقة على طبقة أخرى . و فى ظلّ الشيوعية لن توجد دولة و لن توجد أيّة أحزاب تنشط كممثّلة سياسيا لطبقات مختلفة . مع إلغاء الطبقات و اللامساواة الطبقية ، ستفقد مفاهيم مثل الدكتاتورية و الديمقراطية و اللامساواة و المساواة معناها و تضمحلّ . و لن يكون تقسيم العمل و لن تكون الإختلافات الجندرية فى المجتمع الشيوعي سببا لأي إمتيازات لإمرء نسبة للآخر أو لهيمنة فئة من المجتمع و إضطهاد و حرمان فئة أخرى . فى ظلّ الشيوعية يخدم المرء المجتمع حسب قدرته و ينال من المجتمع حسب حاجياته. و خلال سيرورة التعاون الطوعي والواعي ، ينخرط الناس فى الإنتاج و فى إعادة إنتاج حاجيات كلّ فرد . و مبدأ " من كلّ حسب قدراته إلى كلّ حسب حاجياته " يعنى أن هدف الناس العاملين ليس بقاءهم على قيد الحياة . و القدرة الإنتاجية و الوفرة فى ظلّ الشيوعية ستكون بلغت مستوى حيث الإمكانية المادية لمبدأ "لكلّ حسب حاجياته" ممكن التحقّق ؛ وسيكون الوعي الإجتماعي قد تطوّر إلى مثل هذا المستوى و يصبح الفهم الشيوعي معمّما إلى حدّ أنّ مبدأ " من كلّ حسب قدراته " سيتحقّق طوعيّا .لن توجد حاجة إلى القمع و لن يقبل أحد بالغشّ . فمثل هذه المفاهيم ستكون قد زالت إلى جانب الطبقات و العداء الطبقي و الدولة الطبقية ستحفظ فى متحف التاريخ . و القوّة القائدة و المحرّكة للمجتمع الشيوعي سيكونان التناقض بين الجديد و القديم ، و بين الصحيح و الخاطئ . لكن هذا لن يعني أنّ هذه التناقضات تناقضات و صراعات طبقية عدائية .

بفضل الثورات البروليتارية يشيّد العالم الشيوعي و الطبقة العاملة فى كلّ البلدان يجب أن تنظّم هذه الثورات و تتحرّك فى هذا الإتجاه بالإطاحة بالطبقات المستغِلّة . بيد أنّ البروليتارية ليس بوسعها ، فى ضربة واحدة أن تبلغ النصر عبر العالم قاطبة فالتطوّر غير المتكافئ للرأسمالية العالمية و جزر الثورة ومدّها فى بلدان مختلفة يجعل هذا غير ممكن . لذا بين المجتمع الرأسمالي و المجتمع الشيوعي تقع فترة إنتقالية طويلة ، فترة تغيير ثوري تسمّى الإشتراكية . و الإشتراكية هي الحكم السياسي للطبقة العاملة و تسمّى دكتاتورية البروليتاريا . و الإشتراكية مجتمع إنتقالي و فى تغيّر مستمرّ . و ما يحدّد توجه التطوّرات و خطوات تقدّم المجتمع الإشتراكي هو غايتها الشيوعية : هل يجب أن تقلّص الإختلافات الطبقية أم لا ؟ هل سيوجد صراع مستمرّ لتحطيم الإيديولوجيا و التفكير و العقائد القديمة التى تبرّر المجتمع الطبقي أم هل أنّ هذه الأفكار سيعاد إنتاجها بأشكال شتّى ؟ هل أنّ هذا المعيار هو المعتمد فى ما إذا ما كانت السياسات و الإجراءات فى المجتمع الإشتراكي تمثّل تقدّما نحو الشيوعية أم تشير إلى العودة إلى الرأسمالية ؟ و وجود الدولة البروليتارية الثورية عبر الفترة الإنتقالية ضروري لضمان صيانة المجتمع الإشتراكي وتقدّمه صوب الشيوعية العالمية .

الدولة البروليتارية : الديمقراطية و الدكتاتورية :

تحطّم البروليتاريا فى ظلّ قيادة حزبها الطليعي و من خلال الثورة الجماهيرية العنيفة جهاز دولة الطبقات الحاكمة . و بالتعويل على المؤسسات و المنظّمات التى قادت بنجاح سيرورة الثورة للإنتصار ( أي الحزب الشيوعي و الجيش الأحمر و الجبهة المتحدة و المنظّمات الجماهيرية الوطنية و المحلّية ) تبنى هيكلة السلطة السياسية عبر البلاد قاطبة .

و على عكس البرجوازية التى تدّعي أن دولتها تمثّل " الإرادة الشعبية " و تتحدّث عن " الديمقراطية للجميع " ، تصرّح البروليتاريا بوضوح بأنّ الدولة البروليتارية شأنها شأن الدولة البرجوازية فى هذا المضمار لها مظهران هما الدكتاتورية و الديمقراطية .الديمقراطية البرجوازية هي الدكتاتورية البرجوازية ضد البروليتاريا و الطبقات الكادحة الأخرى . و هذا يصحّ على لكلّ ما يسمّي ببلدان " العالم الثالث " ذات الأنظمة التى تقمع بصفة مفتوحة و وحشية و بإستمرار الجماهير و كذلك على الديمقراطيات البرلمانية الغربية . و دولة البروليتاريا بالعكس هي ديمقراطية للطبقة العاملة و جماهير الشعب و دكتاتورية ضد البرجوازية و أعداء الشعب . الجماهير الشعبية التى حرمت حق الحكم السياسي ، حق التحكّم فى سياسة المجتمع و إقتصاده و ثقافته ، و التى كانت مقموعة من طرف الدولة البرجوازية ، ستصبح سيدة المجتمع الحقيقية . سيكسب الكادحون الحرّية و حقوقهم الأساسية . و تشمل هذه الحقوق : حق التحكّم فى الإقتصاد و حق ممارسة السلطة فى كافة مجالات البنية الفوقية و حق مراقبة و قمع القوى العدوّة التى تسعى إلى إعادة تركيز الرأسمالية .

يسعى المنافقون البرجوازيون إلى تقديم الدولة على أنّها جهاز " محايد " " وسيط بين الطبقات الإجتماعية " . لكن لجميع الدول البروليتارية وأيضا البرجوازية طبيعة طبقية إقتصادية خاصة . ودكتاتورية الدولة البرجوازية مهما كان الشكل الذى تتخذه ( عسكري ، ديني أم ديمقراطي من النمط الغربي ) تمثّل أقلّية تهيمن على القاعدة الإقتصادية للمجتمع و تخدم مصالحها الخاصّة . و فى ظلّ هذه الدولة ، يحصل الذين ينتجون على أدنى حصّة من الثروة و الذين لا يشاركون فى الإنتاج يتملّكون الثروة و يراكمونها . و تحافظ السياسة و الإيديولوجيا و القانون و القمع على هذا الوضع . هذا من جهة و من جهة أخرى ، تفكّك دكتاتورية البروليتاريا نظام الملكية الخاصّة و تركّز نظام الملكية العامة و تخلق ظروفا حيث يحصل كلّ إمرء من الثورة الإجتماعية المنتجة حسب عمله . و توجد دكتاتورية البروليتاريا ظروف الإلغاء التدريجي لكافة الإختلافات الطبقية و الإجتماعية و كافة المؤسسات و الأفكار التى تعظّم و تعزّز هذه الإختلافات . و تناضل دكتاتورية البروليتاريا من أجل التقدّم بالثورة العالمية و إرساء عالم شيوعي . و سياسة دكتاتورية البروليتاريا و إيديولوجيتها و قوانينها و قمعها تخدم هذه الأهداف .

للدولة البروليتارية جيشها و إدارتها و قضائها و قوانينها الخاصين . و الجيش فى المجتمع الإشتراكي مختلف نوعيّا عن الجيش البرجوازي من حيث أن رتبه العسكرية ليست متميّزة بالإختلافات الطبقية و الطاعة العمياء . و يساهم هذا الجيش فى الإنتاج إلى جانب الجماهير . و الجيش الثوري تكمّله المليشيات الشعبية التى تمثّل الجماهير المسلّحة . و بما أنّ علاقات الإنتاج تُثوّر و قوى الإنتاج تتطوّر ، يغدو ممكنا تمضية وقت أقلّ فى إنتاج الحاجيات المادية للحياة و سيكون للجماهير مزيدا من الوقت للمشاركة فى المهام الإدارية و غير المنتجة الأخرى بما فى ذلك المليشيا . و إدارة الدولة البروليتارية مغايرة جوهريّا للجهاز البيروقراطي المنتفخ للبرجوازية و بفضل المشاركة الواسعة للجماهير فى إدارة مختلف مظاهر المجتمع ، ستكون أصغر بكثير . فى المجتمع البرجوازي ، توجد القوانين لصيانة الإختلافات الطبقية وهي ضد البروليتاريا و الجماهير ؛ و فى المجتمع الإشتراكي ، هدف القوانين هو إلغاء الإختلافات الطبقية و جميع اللامساواة الإجتماعية وهي ضد الطبقات المستغِلّة .

الدولة و الحزب :

فى ظلّ الدولة البروليتارية ، للحزب الشيوعي دور قيادي رسمي و مؤسساتي . و إحدى التشويهات البرجوازية العادية هي " دولة الشيوعيين دولة حزب واحد و بالتالي الشعب محروم من المشاركة فى السلطة السياسية فى حين أن الدول الرأسمالية متعدّدة الأحزاب يتغيّر حكّامها و تتوفّر فرصة الحكم للجميع " . هذا محض نفاق فغير صحيح أنّ فى المجتمعات الرأسمالية توفّر لكلّ الطبقات فرصة الحكم ، بل إن مختلف الأحزاب الحاكمة تتكوّن من فئات مختلفة من البرجوازية ، و فى كلّ فترة جزء منها أو إئتلاف أحزاب يشكّل الحكومة . إنّ اللعبة الديماغوجية للبرجوازية التى تسمح للشعب بإختيار أحد أحزابها بين الفترة و الأخرى لا تغيّر شيئا . فعلى الدوام يقود الدولة لبّ من قادة البرجوازية – و فقط البرجوازية . و هؤلاء القادة إمّا يمثّلون الأحزاب الحاكمة الرسمية أو السياسيين غير الحزبيين و الإستراتيجيين الذين يقودون المؤسسات العسكرية و الإستخباراتية .

فى ظلّ الدولة البروليتارية يلعب جزء من الطبقة العاملة المنتظم فى الحزب الشيوعي الدور القيادي . و البروليتاريا ، على عكس البرجوازية ، تعلن هذا الأمر صراحة و تشرح الظروف الموضوعية لحتميته ، أي السبب هو الإختلافات و البون فى المجتمع الطبقي و العالم و صفوف الطبقة العاملة التى تنقسم بإستمرار إلى متقدّمين و غير متقدّمين – واعين وغير واعين . و بالنتيجة ، تكسب أقلّية من الطبقة وعيا طبقيّا قبل البقية و تفهم علميّا مهمّة البروليتاريا المتمثّلة فى القضاء على الإستغلال و الإضطهاد الرأسماليين و تركيز مجتمع شيوعي خالي من الطبقات . و هذه الفئة المتقدّمة تنتظم فى الحزب وتعمل كمراكز قيادة للطبقة العاملة .

لكن الدور القيادي للحزب فى الدولة البروليتارية لا يعنى جعل العمّال و الجماهير الكادحة الأخرى محايدين أو مغتربين عن ممارسة السلطة السياسية . بالعكس تماما ، يقود الحزب الشيوعي بإستمرار الجماهير لتشارك فى الإدارة الواعية السياسية و الإقتصادية و الثقافية لشؤون المجتمع ، و يقوّى و يعزّز أجهزة السلطة الشعبية على كافة المستويات ، بما فى ذلك فى أشكال مثل السوفياتات و المجالس و المنظّمات الجماهيرية و السلط المحلّية إلخ . و فضلا عن ذلك ، فى المجتمع الإشتراكي ، ليس الحزب الشيوعي فقط حزبا فى السلطة بل هو أيضا طليعة النضال الثوري ضد هذه المظاهر من السلطة التى صارت حاجزا أمام إلغاء الإختلافات و التناقضات الباقية من الماضي . و يشهد الحزب الشيوعي ذاته تغيّرا ثوريّا و إعادة بناء فى سيرورة الثورة المستمرّة . و من ثمّة ، مساهمة الجماهير فى السياسة و فى تسيير المجتمع ، فى ظلّ الدولة البروليتارية ، مظهر تباين صارخ مع ما يحصل فى الديمقراطيات البرجوازية البرلمانية . فى ظلّ الإشتراكية ، مشاركة الجماهير ليست سلبية و سطحية ذلك أنّ هدف الدعاية البرجوازية ضد دور الحزب فى ظلّ الإشتراكية هو حرمان الطبقة العاملة من الوسائل الضرورية لكسب الوعي الطبقي و إفتكاك السلطة السياسية و التقدّم صوب الشيوعية .

الدولة و الإيديولوجيا :

فى جميع الدول المتشكّلة فى التاريخ سابقا ، كانت إيديولوجيا طبقة معيّنة هي المهيمنة . و هذه حقيقة هامة جدّا يحجبها المنافقون البرجوازيون . للدول الدينية مثل جمهورية إيران الإسلامية أو دولة الفاتيكان فى القرون الوسطى ، و كذلك حتى للدول اللائكية البرجوازية إيديولوجيا . أساس إيديولوجيا الدول البرجوازية ، بغضّ النظر عن الشكل الذى تتخذه ، هو تعزيز و تقديس الملكية الفردية و كلّ العلاقات المتناسبة معها . و تعتبر الإيديولوجيا البرجوازية النظام الرأسمالي أبديّا و تعتقد فى بقاء المجتمع القائم على الإستغلال . و جميع القيم و التقاليد و العادات و الأعمال الأدبية و الفنية التى تقدّس و تقوّي الملكية الفردية الإستغلالية و تعزّزها جزء من البنية الفوقية للدول البرجوازية . و تستعمل الدول البرجوازية كافة ما تملك من وسائل لتشجّع مثل هذا المجتمع و مثل هذا النظام من الملكية و تستعمل هذه القيم لقمع الأفكار الشيوعية . إنّ بثّ الرعب فى صفوف الجماهير و التفاهات العنصرية و المناهضة للمرأة ،و الجشع و الأنانية و التعصّب القومي و أفكار رجعية أخرى تشكّل إيديولوجيا الدولة البرجوازية . و بصفة مستمرّة تروّج البرجوازية لهذه الأفكار سواء على نحو مباشر أو غير مباشر عبر النظام التعليمي ووسائل الإعلام .

إيديولوجيا الدولة البروليتارية هي الشيوعية و هذا معلن بصفة واضحة . و هذه الإيديولوجيا فى تضارب تام مع الإيديولوجيا البرجوازية . إنّها تعتمد على فهم أنّ زمن مجتمع قائم على الرأسمال الفردي قد إنتهي و أنّ هذا المجتمع أضحى قاتلا و فاسدا و رجعيّا و يجب تعويضه بمجتمع شيوعي . و كلّ القيم و الأعمال الأدبية و الفنّية التى تتضمّن هذا الفهم الأساسي هي جزء من البنية الفوقية الإيديولوجية للدولة البروليتارية التى تبذل كلّ الجهد الممكن للتشجيع على الشيوعية و الترويج لها .

و الإيديولوجيا الشيوعية ، على عكس الإيديولوجية البرجوازية التى تنتمى إلى الماضي و تحمل الجثّة الثقيلة لآلاف السنين من المجتمع الطبقي ، إيديولوجيا يلهمها المستقبل . و النظرة الشيوعية للعالم و المنهج الشيوعي، شأنهما شأن كافة النظرات الطبقية ،متحزّبين لكنّهما على النقيض منها، يصرّحان بأنّ هذه حقيقة و هذا مصدر لقوتهما. الإيديولوجيا الشيوعية نظرة علمية للعالم تلخّص بإستمرار و تستوعب كلّ التجربة الإنسانية ، إنّها على منوال واحد ناقدة لذاتها و تستبعد كلّ ما هو قديم أو تبيّن أنّه خاطئ .

فى المجتمع الإشتراكي ، بلا هوادة يجلب الحزب الشيوعي الإيديولوجيا الشيوعية إلى الجماهير بهدف تسليحها بهذه الإيديولوجيا حتى تتمكّن من التمرّد عن وعي ضد كلّ ما هو رجعي ،و تشحذ الروح النقدية فى صفوفها و لتستنهض فى صفوفها رغبة التجديد و التغيير المستمرّ للعالم و لذواتها . هدف التعليم الشيوعي فى المجتمع الإشتراكي هو تمكين الجماهير الكادحة من التمييز بين الطريق الإشتراكي و الطريق الرأسمالي و تنهض ضد السياسات و القوى المتبعة للطريق الرأسمالي . و هذا المفهوم عن تعليم الإيديولوجيا الشيوعية مغاير جوهريّا للمفهوم الذى يقدّمه التحريفيون فى الإتحاد السوفياتي السابق و فى الصين اليوم . لقد حوّلوا الإيديولوجيا الشيوعية إلى حزمة من المبادئ المزيّفة الدينية و غير الفعّالة أو إلى موضوع سجين جدران الجامعة ، لقد أفرغوها من الحياة و من روحها التمرّدية و التقدّمية . هدف الدول التحريفية هو وضع قناع إشتراكي للنظام الرأسمالي الفاسد فى بلدانهم . و بالتالي يحتاجون إلى غطاء الإيديولوجيا الشيوعية و جعله ينسجم مع الفكر المحافظ و الطاعة العمياء ، بإختصار مع المضمون البرجوازي . عوض النظر إلى الإدعاءات الإيديولوجية للدولة التى يتقنّعون بها ، يجب تقييم مضامين إيديولوجيتهم بالوقائع الإقتصادية – الإجتماعية للمجتمع لذى يحكمون .

الدولة و الدين :

الدين يعلّم الطاعة ، الطاعة العمياء . و الماركسية تعلّم التمرّد ، التمرّد الواعي . وفقط حينما تتسلّح الجماهير بالماركسية ستكون قادرة بوعي على خوض نضالات كبرى لتغيّر صراحة ظروفها الخاّصة و العالم .

دولة دكتاتورية البروليتاريا دولة لادينية أي دولة دون إلاه . لكن حرّية الإراد المجتمع فى الإعتقاد فى إلاه و إتباع دين متوفّرة . و تشجّع الدولة البروليتارية حقيقة أنّه ى يوجد إلاه أو أي كائن آخر ما وراء الطبيعة و أنّ وقائع الحياة يجب النظر إليها كما هي و تغييرها فى مصلحة الإنسانية . و السبب الأساسي لمعارضة الدين هو أنّه يقدّس العلاقات الإجتماعية و القيم الأخلاقية الإضطهادية . و سيخاض هذا النضال بنشاط و إبداع و بالتعويل على الخطّ الجماهيري ، إلى جانب هذه التربية. كلّ أعضاء المؤسسات الدينية مثل أعضاء المجتمع ، يجب أن يعملوا على أساس " من كلّ حسب قدراته إلى كلّ حسب عمله " . و مدى عملهم سيتحدّد بالأساس برفع وعي الجماهير بالطبيعة الرجعية و المنافقة للإيديولوجيا الدينية .

فى الدولة البروليتارية ، سيقع قتال الخرافات التى تقلب الواقع رأسا على عقب و العبودية الدينية المستخدمتين لجعل الشعب يستسلم و يتراخى و لخلق أحلام واهية . و عوض ذلك ، سيقع تشجيع التوغّل فى المجهول و الإبداع العلمي من خلال النشاطات العلمية و الفنية . و ستتوفّر للجماهير الكادحة إمكانية التجديد التقني و إبداع أعمال فنّية ، على نطاق غير مسبوق .

الدولة و الثقافة :

مجال الثقافة ، لا سيما الفنّ و الأدب جزء مهمّ من البنية الفوقية السياسية للمجتمع . و بسبب تأثيره الهائل على أذهان الناس ، سواء بإتجاه مساندة النظام الحاكم و قيمه أو بمساءلتهما و التمرّد ضدّهما ، الفنّ غاية فى الأهمّية . لهذا تتحكّم البرجوازية فى هذا الحقل بطرق مختلفة . و فى البلدان المضطهَدة ، يترافق هذا بقمع الفنّانين الثوريين و الموالين للشعب و بالصنصرة المفضوحة ؛ و فى المجتمعات الرأسمالية الإمبريالية ، الأعمال الفنّية و الأدبية التى ليست فى خدمة النظام القائم تتعرّض للقمع بطرق ملتوية و مبتكرة أكثر و تقع إعاقة نشرها شعبيّا .

و فى المجتمع الإشتراكي ستتحكّم البروليتاريا فى الحقل الثقافي . و يعنى هذا التحكّم بالأساس تشجيع تطوير ثقافة جديدة . و الأعمال الفنّية و الأدبية التى تنقد بصفة مباشرة أو غير مباشرة ، بأشكال فنّية مختلفة ، المجتمع الطبقي و تفضح الأفكار و التقاليد القديمة و تصوّر المستقبل خاليا من كلّ الإختلافات الإجتماعية سيتمّ تشجيعها و الترويج لها . وإنتاج أعمال فنية تساعد على تعميق فهم الحقيقة فى علاقة بمختلف مظاهر الحياة و الكون ستلقى الدعم . و الإنتقال من المجتمع الإشتراكي و بلوغ الشيوعية غير ممكن دون تطوير مثل هذه الثقافة .

فى مجال الأشكال الفنّية ن سيجرى تشجيع التنوّع و التجديد. وحتى إن كان مضمون عمل فنّي و تأثيره الإجتماعي هو مظهره الأساسي ، فإنّ توفير مجال للإبداع الفنّي سيؤدّى إلى ظهور تنوّع من الأشكال الفنّية و سيضمن التقدّم و الحيوية فى حقل الفنّ .

و إثر إفتكاك السلطة السياسية ، كلّ الأعمال الفنية و الأدبية التى جرى فى السابق قمعها بسبب معارضتها للنظام القديم ، ستوفّر على نطاق واسع لجماهير الشعب . و فى نفس الوقت ، فإنّ الفنّ التقدّمي عبر العالم سيلقى هو أيضا التشجيع . و ستتوفّر الأعمال الفنّية و الأدبية لجماهير الشعب بطريقة لم يسبق لها مثيل و ستتمكّن من وسائل إبداع مثل هذه الأعمال الفنّية .

إنّ الدول الرجعية عادة ما تخشى العلاقات الوطيدة بين الفنّانين و الجماهير . و تسعى البرجوازية على الدوام لشراء ذمم الفنّانين بإعطائهم مواقع نخبة ووضعهم فى برج عاجي معزولين عن الجماهير . و فى المجتمع الإشتراكي ، يتمّ تشجيع الفنّانين للإلتحاق بصفوف الجماهير و الإرتباط بهم و إبداع أعمالهم فى علاقة وثيقة بالجماهير الكادحة و بالتعلّم منها . و الأعمال الفنّية المبدعة بهذه الطريقة ستساعد جماهير العمّال و الفلاحين على القطع مع التقاليد و الأفكار الطبقية الموغلة فى القدم و تبنى مجتمعا جديدا .

فى المجتمع الإشتراكي لن يُمنع إنتاج الأعمال الفنية التى تعكس عدم الرضي تجاه الدولة البروليتارية و معارضتها . و ستتمّ الإستفادة من وجودها لإلهام حقل النقد الفنّي و لتحفيز النقاش الماركسي بشأن إبداع الأعمال الفنّية الجديدة . و هذا إنعكاس لسياسة الجبهة المتحدة للدولة الإشتراكية مع الفئات غير البروليتارية بما فى ذلك المثقّفين فى حقل الأدب و الفنّ .

و فى سياسات الدولة البروليتارية سيوجد حتى مكان لنشر و عرض الفنّ الرجعي الداخلي و الخارجي ، إلى جانب النقد كي تكون جماهير الشعب فى وضع أفضل لعقد مقارنة و بالتالي ترفع وعيها الطبقي .

الدولة و الدعاية :

فى المجتمع البرجوازي ، تحتكر الطبقات الحاكمة وسائل الإعلام ووسائل الدعاية الأخرى بهدف ملئ رؤوس الجماهير بصورة مقلوبة رأسا على عقب و بالأكاذيب حول التاريخ و الأحداث الجارية فى المجتمع و فى العالم . و التطوّرات فى العلم التى أفرزت تقدّما سريعا و غير مسبوق فى شبكات الإعلام قد خدمت أيضا هذا الهدف . تصرخ البرجوازية بأنّ الأنترنت أداة ل " دمقرطة " العالم لكن رغم أن الناس يمكن أن يستغلّوا نوعا ما الأنترنت ، ففى الواقع الطبقات الحاكمة هي التى تستعمله حتى اكثر لأجل التحكّم فى الجماهير سياسيّا و إيديولوجيّا .

هدف ومضمون الدعاية فى المجتمع الإشتراكي هو معارضة دعاية المجتمع البرجوازي . ففى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا لأوّل مرّة فى تاريخ المجتمع الطبقي ، ستقدّم للجماهير بملايينها أهمّ المسائل فى العالم و التاريخ و الوجود بصورة صحيحة . ووسائل الإعلام ووسائل الدعاية الأخرى ستسلّح الناس بفهم مادي جدلي للمجتمع و الطبيعة و التاريخ و العالم من أجل أن يواجهوا الواقع كما هو . و تبيّن التجربة الماضية للمجتمعات الإشتراكية الحقيقية أنّ الجماهير الشعبية الأساسية كانت آلاف المرّات أكثر وعيا بحقائق العالم و المجتمع و التاريخ من أناس فى الديمقراطيّات البرجوازية و كان لها مستوى من الفهم السياسي لا يتصوّر فى البلدان الرأسمالية .

و فى ظلّ الإشتراكية ، ستكون وسائل الإعلام التى كانت سابقا ممركزة بين أيدي النخبة البرجوازية أو فى البلدان المضطهَدة ممركزة فى مراكز سلطة الدولة ، متوفّرة لأوسع الجماهير فى القرى و المصانع و المعاهد حتى تستطيع أن تعبّر مباشرة و تنشر آراءها. و لأجل المساعدة على نشر الأدب الشيوعي و الأعمال عالميّا ، ستوفّر الدولة البروليتارية لشيوعيي العالم المترجمين و خدمات النشر و البثّ الأخرى .

الحرّية و القمع و المقاربة المتصلة بالمعارضة :

لا تعنى دكتاتورية البروليتاريا أن فقط البروليتاريا و مساندي الدولة الإشتراكية لها حقّ حرّية التعبير . تثبت التجربة التاريخية أنّ زمن إفتكاك السلطة ، لا تواجه البروليتاريا مجتمعا من قطبين إثنين حيث من جهة تقف الجماهير البروليتارية و من جهة أخرى الطبقة البرجوازية . عموما توجد قطاعات عريضة من المنتجين الصغار و البرجوازية الصغيرة فى المجتمع . و تجتهد الدولة البروليتارية و تتعلّم كيفية العمل مع الطبقة البرجوازية الصغيرة لا سيما الفلاحين و القطاعات الواسعة من المثقفين ، دون تصفية المصالح الجوهرية للبروليتاريا . و على عكس السياسة تجاه البرجوازية الكبرى ، سياسة المصادرة و القمع فى مجالات السياسة و الإقتصاد و الثقافة ، تتبع دكتاتورية البروليتاريا سياسة التعايش و الصراع الطويل الأمد مع البرجوازية الصغيرة . و هذا يعنى كلاّ من القبول بهذه الطبقة و فى سيرورة التقدّم إلغاء الإختلاف الطبقي وتحويل ظروفها المادية و نظرتها .

فى ظلّ الدولة البروليتارية ، لن يقمع النقاش و المعارضة و إنّما سيكون لهما دور هام يلعبانه فى الحياة الإيديولوجية و السياسية للمجتمع الإشتراكي . و المبدأ المرشد لدولة البروليتاريا فى أي وضع هو إيجاد الوسائل المناسبة لخوض النقاش و تسهيل التعبير عن وجهات النظر المتعارضة فى كلّ من داخل الحزب و فى صفوف الجماهير العريضة ، حول قضايا هامة فى السياسة و الشؤون العالمية و كذلك فى العلم و الفلسفة و الثقافة . و تنهض مثل هذه السياسة على فهم ماركسي لكون الحقيقة تنبع من سيرورة تناقض و صراع بين مختلف الأفكار . و المعالجة و المقاربة الواعيتين للتناقض و الصراع جزء لا يتجزّأ من الماركسية .

فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا سيكون للتعبير عن الغضب إزاء القوانين و السياسات الرسمية دور و وظيفة خاصين لأنّه حتى فى المجتمع الإشتراكي يجب على الحقيقة أن تتساوى مع الأفكار و القوانين الحاكمة . و نشر المواجهة بين مختلف الأفكار ونقد الرؤى المتباينة ليس هدفا فى حدّ ذاته و إنّما هو وسيلة لبلوغ فهم أعمق للحقيقة لأجل مواصلة التحويل الثوري للمجتمع و الطبيعة خدمة للإنسانية .

هدف الديمقراطية البروليتارية هو الصراع من أجل المجتمع الشيوعي .

إن كانت الدولة البروليتارية تمثّل إرادة ومصالح الأغلبية و كانت ظاهرة جديدة و ملهمة ، لماذا هناك حاجة إلى النضال من أجل بلوغ المجتمع الشيوعي و التخلّص من الدولة ؟

ضرورة وجود الدولة تنبع من الواقع الموضوعي و قوامه أنّ فى المجتمع الإشتراكي ، و فى العالم عام ، تظلّ موجودة الطبقات و الصراع الطبقي و إمكانية أن تفتكّ البرجوازية من جديد الدولة و تعيد تركيز الرأسمالية هي أيضا تظلّ قائمة . غير أنّ الوجه الآخر للعملة هو أنّه بالضبط لهذه الظروف الموضوعية ، المجتمع الإشتراكي و دكتاتورية البروليتاريا و كافة أجهزته القيادية بما فى ذلك الحزب لها طبيعة متناقضة .

و رغم أنّ الجماهير فى ظلّ الإشتراكية تتقدّم كسادة للمجتمع و مالكة وسائل الإنتاج ، فإنّ هذا نسبي و تناقض . و بالرغم من أن الجماهير تشارك بصورة متصاعدة فى قيادة و إدارة شؤون المجتمع ، فإنّ إرادتها و مصالحها يمثّلها إلى درجة حيوية الحزب الشيوعي . لذا طالما أنّ سلطة الحزب و الدولة بأيدي الماركسيين – اللينينيين – الماويين ، فإنّ حقوق الغالبية ( أو الديمقراطية للجماهير ) مضمونة . لكن إذا أمسك الرأسماليون بالسلطة بإستعمال قناع شيوعي ، ستتغيّر هذه المؤسسات و ستتحوّل إلى أجهزة لقمع الجماهير. و لهذا السبب مسألة حياة أو موت فى المجتمع الإشتراكي بصورة مستمرّة هي إعادة بناء الحزب الشيوعي و أجهزة السلطة على وجه العموم .

فى ظلّ الإشتراكية تساهم الجماهير مباشرة فى إدارة شتّى مجالات المجتمع من خلال منظماتها الجماهيرية المنتخبة فى المصانع والمعاهد و الحقول إلخ لكن بعدُ وجود المؤسسات المختصّة المنفصلة عن الجماهير مثل الجيش ضروري . و كونها " مختصّة و منفصلة " يعطى هذه الأجهزة طبيعة متناقضة . وهذا إنعكاس للتناقض القائم بين مسيّري المجتمع من ناحية و الجماهير الكادحة من ناحية أخرى . هذا تقسيم للعمل موروث من المجتمع الرأسمالي و سيوجد لوقت طويل . و فقط فى ظلّ الشيوعية سيبرز نظام تسيير للمجتمع يعكس حقّا إرادة المجتمع برمّته . و مع ذلك ، فى ظلّ الإشتراكية يجب بصورة مستمرّة تقليص هذا البون لضمان توجّه المجتمع الإشتراكي نحو الشيوعية .

وموصلة الثورة فى ظلّ الإشتراكية و مزيد تغيير البنية التحتيّة و البنية الفوقية للمجتمع الإشتراكي سيجعل من الممكن مزيد القطع مع التقسيم القديم للعمل و إنشاء أشكال متقدّمة اكثر لتسيير المجتمع ممكّنة الجماهير من مشاركة أوسع و أعمق . و مثلما بيّنت الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى ، تقليص البون بين المركز القيادي و الجماهير و إيجاد أشكال لمواصلة الثورة فى ظلّ الإشتراكية جزء من تحرّك المجتمع بإتجاه الشيوعية وهو أساسي للحيلولة دون إعادة تركيز الرأسمالية و لتعزيز الطبيعة البروليتارية للحزب و الدولة . ضرورية هي التغيّرات الثورية عبر العالم بخوض الصراع الطبقي لأجل بلوغ الشيوعية لكن"الهدف النهائي للشيوعية " يجب أن ينعكس بجلاء فى بناء المجتمع الإشتراكي .

الإقتصاد الإشتراكي :

فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا ، يشهد المجتمع تغيّرات جوهرية . تحطّم البروليتاريا أسس الإقتصاد الرأسمالي و تعوّضها بعلاقات إنتاج و أهداف و حوافز إقتصادية مغايرة تماما .

فى ظلّ الرأسمالية تملك أقلّية صغيرة وسائل الإنتاج الأساسية و عبر إحتكارها لوسائل الإنتاج تقبض على الحركة الإقتصادية لغالبية الناس الذين هم منتجو ثروة المجتمع . فى ظلّ النظام الإقتصادي الرأسمالي ، تقسيم العمل بين الناس إضطهادي و يزخر بالإختلافات ؛ و توزيع المنتوج الإجتماعي على نحو يخوّل لقطب أن يراكم الثروة و للآخر الفقر . يتحكّم الرأسماليون فى الإقتصاد و ينخرطون فى تنافس جنوني مع بعضهم البعض للحصول على أعلى الأرباح . لهذا النموّ الإقتصادي الرأسمالي فوضوي و عوض أن يكون تحت التحكّم المخطّط و الواعي للناس ، يتبع قوى إقتصادية عمياء ؛ مثلا إرتفاع و إنخفاض مخزون السوق يمكن أن يتلف حياة ملايين الناس حول الكوكب فى بحر ساعات دون أن يلعبوا أي دور فى ذلك أو فهم الأسباب الكامنة وراءه. فى ظلّ هذا النظام ، إنتاج الحاجيات الأساسية للناس غير قائم على التخطيط الواعي . فهدف الإقتصاد الرأسمالي هو كسب الأرباح و إنتاج حاجيات الناس الأساسية ليس سوى إنتاج جانبي ثانوي . و بما أنّ الهدف هو تحقيق الأرباح ، لا تُستعمل قوّة العمل إلاّ عندما يمكنها أن تضمن ربحا لرأس المال . لذا فى ظلّ هذا النظام ، يعيشّ مئات ملايين الناس فى ظروف بطالة أو شبه بطالة . تبذّر الرأسمالية عبثا قوى الإنتاج الإجتماعية ( و غالبيتها هي الناس ) و تحطّمها . فى الغابة المرعبة للرأسمالية ، وحيدين و منقسمين و معرّضين للتنافس القاسي ، يصارع الناس من أجل البقاء قيد الحياة . و المحفّزات الإيديولوجية للنشاط الإقتصادي فى ظلّ الرأسمالية هي الجشع و الأنانية و التنافس . و جهل القوانين التى تحكم سير المجتمع و السلبية السياسية للجماهير الكادحة هي أمور ضرورية لتوسّع الإقتصاد الرأسمالي .

فى ظلّ الإشتراكية لن تعود وسائل الإنتاج ملكية خاصة لقلّة قليلة من المستغلّين بل تصبح تحت السيطرة الجماعية للمجتمع . و فى ظلّ الإشتراكية سيعمل كافة الأفراد حسب قدرتهم ووفق ذلك سيحصلون على الثورة المنتجة إجتماعيّا . و تركيز الملكية العامة لوسائل الإنتاج خطوة حيوية لإرساء الإقتصاد الإشتراكي ؛ بيد أنّ تثوير المظهرين الآخرين لعلاقات الإنتاج ، أي العلاقات بين الناس فى سيرورة الإنتاج ( علاقات مثل تقسيم العمل بين الإداريين و التقنيين والعمّال ) و توزيع الثروة الإجتماعية ( مثل سلّم الأجور ، و البون بين المدينة والريف إلخ ) تلعب دورا هاما فى تركيز نظام إقتصادي إشتراكي و تطويره .

فى المجتمع الإشتراكي ، خدمة لتثوير العلاقات بين الناس فى سيرورة الإنتاج ، تستبعد طرق الإدارة المعتمدة على الفعالية التكنوقراطية . و عوض ذلك ، ستعتمد الطرق التى تنمّى المشاركة الجماعية فى الإنتاج و تقلّص الفروقات فى تقسيم العمل ( مثل تقسيم العمل بين الإداريين و العمّال ، و بين العمل اليدوي و العمل الفكري ) . و تستعمل هذه الطرق لضمان مشاركة العمّال فى التسيير و فى التجديد التقني و ضمان مشاركة الإداريين و الأخصّائيين فى الإنتاج .

و مباشرة إثر تركيز دكتاتورية البروليتاريا ستقع إعادة توزيع و إعادة مركزة كبيرة للثروة . ستحدث قفزة فى مستويات حياة الجماهير و سيتمّ بلوغ توازن فى مستويات العيش .وفى ظلّ النظام الإقتصادي الإشتراكي لا توجد إمكانية بلوغ مساواة مطلقة نظرا لأنّ مبدأ " من كلّ خسب قدراته و لكل حسب عمله " هو أساس توزيع الثروة . و تنهض اللامساواة الإقتصادية من هذا المبدأ بإعتبار أنّ للناس قدرات وحاجيات متباينة . ومن أجل رفع مستويات العيش و فى نفس الوقت ردم الهوّة بين مختلف المناطق و بين المدينة و الريف ، ستنتهج سياسات خاصة .

فى ظلّ الإقتصاد الإشتراكي ، توظّف الموارد ليس من أجل الربح و إنّما من أجل توفير الحاجيات الأساسية للناس و تطوّرهم الشامل و من أجل ان تلغي خطوة خطوة اللامساواة الموروثة من الرأسمالية . و يصبح من الممكن لجميع أفراد المجتمع العمل حسب قدراتهم و الحصول من المجتمع على ما يتناسب و ذلك العمل .

الإقتصاد الإشتراكي إقتصاد مخطّط . ودون تخطيط ليس ممكنا تطوير إقتصاد متوازن . لكن على عكس النظرة البرجوازية ، ليس المخطّط وسيلة تقنية للتحكّم فى الإقتصاد ، لكنّه يعكس إيديولوجيا و أهداف ونظرة طبقة . و مفاهيم مثل الفعالية والفائدة لا يمكن أن توضع موضع الصدارة فى التخطيط الإشتراكي . و الترفيع إلى الأقصى فى مردود العامل و التقليص إلى الأقصى فى مقاومته و تقسيم العمل الذى يجعل العامل مغتربا عن سيرورة العمل ويسرق منه الإبداع لن يكون له مكانا فى هذا التخطيط . و غاية الإقتصاد الإشتراكي هي خدمة التغيير الثوري للمجتمع و التقدّم بالثورة العالمية و لبلوغ هذا ينبغى التعويل على إستنهاض الجماهير و على القيم الإشتراكية .

فى المجتمع الإشتراكي ، تمارس الدولة مراقبة ممركزة على الإقتصاد لأنّ غياب التنسيق الممركز يؤدّى إلى تضارب فى المصالح الفردية و المحلّية ، مولّدا تنافسا رأسماليّا ، و يساعد على إعادة تركيز الرأسمالية . و فى العالم الحقيقي ، دون مثل هذه المركزة ، من غير الممكن للبروليتاريا أن تمارس الدكتاتورية على العدوّ و تركّز الديمقراطية فى صفوف الشعب و تتحكّم فى الإقتصاد . دون مثل هذه المركزة من غير الممكن صيانة إقتصاد إشتراكي موحّد و متوازن ، إقتصاد قائم على تطوّر و تخطيط متناسقين يمثّلان المصالح الثورية للبروليتاريا . دونه ، لا يمكن رسم الخطوط و السياسات التى تعكس مصالح البروليتاريا الطبقية البعيدة المدى ، مثل تركيز الموارد لتجاوز البون بين المناطق المحرومة و المناطق الغنية ،و توطيد القدرات الدفاعية للبلاد الإشتراكية و خدمة الثورة العالمية .

لكن تخطيط الإقتصاد الإشتراكي و قيادته لا يعنيان التحكّم البيروقراطي فى الأجهزة المركزية . و لا يعتمد التعاون المركزي للإقتصاد الوطني على التسيير المحلّي فقط ، بل هو مرتبط وثيق الإرتباط بالمبادرة و المساهمة النشيطين للجماهير . نظام الإقتصاد الإشتراكي معلوم لدي الجماهير فهي تعتاد على سيره و أهدافه و آليّاته وتساهم فى رسمه . و نمن المصانع إلى الكمونات و التعاونيات الفلاحية ن يناقش الملايين من جميع قطاعات الإقتصاد السياسات الإقتصادية و الإقتصاد السياسي الإشتراكي . و فى ظلّ الإشتراكية ، طرق التسيير وسلّم الأجور و الخيارات التقنية مواضيع للنقاش و الصراع ضمن الجماهير .

و التعبئة السياسية هي شريان حياة العمل الإقتصادي فى ظلّ الإشتراكية . و تتحوّل المصانع إلى جامعات للصر اع الطبقي . عبر النشاطات السياسية و الإيديولوجية فى مراكز العمل وفى المجتمع ككلّ ، تمارس الجماهير سلطتها و تتحكّم فى الأمور . و لأجل تمكين الجماهير من التمييز بين المضمون الطبقي و أهداف مختلف السياسات الإقتصادية ، عليها أن تشارك فى كافة المسائل المتعلّقة بالبنية التحتية و البنية الفوقية للمجتمع . و من خلال الحملات السياسية – الإيديولوجية تستنهض الدولة البروليتارية الجماهير الكادحة لتساهم بصورة واسعة و عميقة فى النقاشات المتصلة بالتخطيط الإقتصادي و التطوّر الإجتماعي و لتساهم بوعي و طواعيّة و تماما فى تطبيق هذه المخطّطات .

و يشدّد الإقتصاد الإشتراكي على المصلحة العامة و الحوافز الجماعية . و النضال فى سبيل القضاء على كلّ الإختلافات الإجتماعية و التقدّم بالثورة العالمية هو المبدأ . و النضال بالإقناع لإجتثاث العادات و التقاليد القديمة و تاثيرات وجهة النظر البرجوازية للعالم حيوي فى تعبئة الجماهير لتتجاوز عن وعي الإختلافات الإقتصادية و الإجتماعية . و التشجيع على الأممية البروليتارية و الترويج للقيم مثل التعاون الطوعي و إظهار أقصى الإبداع و المبادرة للتقدّم بالمصلحة العامة و النضالات ضد النخبوية ، و النير الشوفيني الذكوري ضد النساء و التفاخر القومي ، حوافز إيديولوجية للإنتاج الإشتراكي .

و يرتبط بناء الإقتصاد الإشتراكي إرتباطا مباشرا بالنضالات السياسية فى هياكل سلطة المجتمع ( لا سيما ضمن الحزب الشيوعي ) . و كلّ القرارات الإقتصادية مرتبطة بوضوح بالمسائل السياسية و الإيديولوجية فى الإقتصاد الإشتراكي المخطّط ، و تطرح بإستمرار مسألة ما إذا كان التطوّر ينجز بإعطاء الأولوية لتحويل علاقات الإنتاج الإجتماعية أو بتركيز الموارد لرفع المستوى التقني فى قطاعات مختلفة من الإقتصاد ؟ هل ستعطى الأولوية لتعميم التقنية الدنيا و المتوسّطة عبر الإقتصاد أم لإستعمال التقنية العالية و ثمنها تشويه الإقتصاد و اللجوء إلى إستغلال العمّال و الفلاحين ؟ و سيخاض صراع شديد حول : العلاقات بين الفلاحة و الصناعة ،و تحديد سلّم الأجور و تقليص الفوارق بين المناطق المتقدّمة و المناطق المتخلّفة ، و تقليص البون بين المدينة و الريف و بين المناطق حيث توجد الأقليات القومية و مناطق القوميات الأخرى ،ومساعدة الثورة العالمية ، و الإستراتيجيا العسكرية للدفاع عن البلاد ،و تغيير طرق التسيير للرفع من مشاركة العمّال و تقليص ساعات العمل فى المصانع والزيادة فى ساعات النقاش السياسي و التجديدات التقنية و الفنية . و الأجوبة المقدّمة لجميع هذه المسائل بالتأكيد لها مضامين طبقية و بالتالي تصبح جزء لا يتجزّأ من الصراع الإيديولوجي و السياسي صلب الحزب الشيوعي و المجتمع ككلّ .

يعتبر الإقتصاديون البرجوازيون بناء الإقتصاد الإشتراكي بالمواصفات المذكورة أعلاه أمرا غير ممكن ، أضغاث أحلام . فبالنسبة لهم إقتصاد شغله الشاغل و قوته المحرّكة هو إلغاء البون بين من يملكون و من لا يملكون و إيجاد ظروف التطوّر الشامل لكلّ الناس ، إقتصاد معتمد على التعاون الحرّ و الواعي بين الناس و على مجهودهم الجماعي من أجل المصلحة العامة لا يمكن أن يوجد إلاّ فى القصص الخيالية . لكن التجربة الواقعية قد بيّنت أنّ طبقنا الأممية قد ركّزت مثل هذا الإقتصاد التحرّري أوّلا فى الإتحاد السوفياتي ثمّ بشكل أعمق و أشمل فى الصين و طوّرته لعدّة عقود . لقد أعلنت عديد العقود من البناء الإشتراكي فى البلدين إياهما ، بالإعتماد على الجهود الواعية لملايين الناس ، فجرا جديدا فى تاريخ الإنسانية . و هزيمة البروليتاريا و صعود البرجوازية إلى السلطة و إعادة تركيز الرأسمالية فى هذه البلدان لا يمكنه بأي وجه من الوجوه أن يحجب هذه الحقيقة التاريخية .

العلاقة بين البلدان الإشتراكية و الثورة العالمية :

مع خسارة البلدان الإشتراكية ، واجهت البروليتاريا العالمية المسألة الجوهرية لما هو السبب الجوهري لهذه الهزائم ؟ هزيمة البروليتاريا فى الإتحاد السوفياتي ثم فى الصين الإشتراكية كانت جوهريّا هزائم فرضتها البرجوازية العالمية على طبقتنا . فمنذ البداية ، مثّلت محاصرة العالم الإمبريالي للبلدان الإشتراكية و ولادة البرجوازية الجديدة داخل البلدان الإشتراكية ضغطا ماديّا و إيديولوجيّا على دولة البروليتاريا . و فى سيرورة الثورة ، أحيانا ، يمكن أن تبرز أوضاع حيث يميل ميزان القوى بين البروليتاريا و البرجوازية بصفة غير مواتية إلى البروليتاريا . و هذا بإمكانه أن يعدّ الظروف لهزيمتها . كانت هزيمة البروليتاريا فى الإتحاد السوفياتي و فى الصين علامة على أن أعداء طبقتنا عالميّا لا زالوا يحتفظون بقوّة معتبرة .

و مع ذلك ، قامت الدول الإشتراكية بدورها بأخطاء فى مواجهة تعقيدات الحفاظ على السلطة و بناء الإشتراكية . و يجب تلخيص هذه الأخطاء . و واحدة من أكثر القضايا تعقيدا و حيوية هي قضية السياسات التى فرض على الدول الإشتراكية توخّيها من حيث العلاقات بين الدول الإشتراكية و الثورة البروليتارية العالمية . مثلا ، كيف يمكن للدولة البروليتارية أن تدافع عن مكاسبها بينما تواجه الضغوط المتزايدة من العالم الإمبريالي و الرجعية ، ما يهدّد جدّيا وجودها ؟ أحيانا عندما يتراجع مدّ الحركات الثورية عبر العالم ، أي نوع من السياسة على الدولة الإشتراكية أن تتوخّاها حتى لا تسقط فى المحافظة بل تواصل تشجيع النضالات الثورية ومساندتها فى العالم ؟ بهذا المضمار ، هناك أمثلة ملهمة فى تاريخ الحركة الشيوعية العالمية تشهد بالقناعات العالمية العميقة للدول الإشتراكية . مثلا ، الدور الذى إضطلع به الإتحاد السوفياتي فى ظلّ قيادة لينين و ستالين دور هام لا يمكن إنكاره فى تشكيل الأحزاب الشيوعية الطليعية و تعزيزها عبر العالم و تقديم الدعم الأدبي و المادي لهذه الحركات الثورية ضد الإمبريالية و الرجعية . و فى أواسط الثلاثينات ، نادت الأممية الشيوعية الثالثة بتشكيل الفيالق العالمية لإرسالها إلى إسبانيا لقتال الفاشية هناك . و كرّست هذه السياسة بمثابرة . و فى أواسط الخمسينات تثنها التهديدات النووية للولايات المتحدة و أرسلت الدعم للشعب الكوري . و قاتلت مباشرة الإمبريالية الأمريكية و حلفاءها بما أدّى إلى هزيمة نكراء لهؤلاء . و فى أواسط الستينات، عندما إستولت البرجوازية الجديدة فى الإتحاد السوفياتي على السلطة و حوّلت هذه البلاد إلى بلاد رأسمالية ، فضحت الصين الإشتراكية بلا رحمة طبيعتها البرجوازية . و رغم أنّ الصين الإشتراكية عرفت أنّ نتيجة هذا ستكون نهائيّا إيقاف كلّ دعمها الإقتصادي و السياسي للصين ، فإنّ الصين لم تساوم أو تلجأ إلى سياسة الموافقة . و خلال عقد ستينات القرن العشرين تمتّعت شعوب الهند الصينية بالمآزرة السياسية و كذلك بالدعم المادي من الصين الإشتراكية فى حروب تحرّرها ضد الإمبريالية .

وفى نفس الوقت ثمّة سلبية فى تاريخ نضال طبقتنا العالمية . وهذه يجب تلخيصها . منذ أواسط الثلاثينات، واجه الإتحاد السوفياتي تهديدات الغزو الإمبريالي . و كان جليّا منذ البداية أن نهاية مثل هذا الغزو ستكون الفاقة و المجاعة و نقل كبير للسكّان و تحطيم لصناعات و فلاحة البلد الإشتراكي و وضع وجود قاعدة الثورة العالمية فى خطر . بداهة ، فى ذلك الوضع ، كان الدفاع الخاص عن الدولة الإشتراكية ضد تهديدات البرجوازية العالمية مهمّة كبرى و حيوية بالنسبة لكافة الطبقة العاملة العالمية . و إنكار هذا كان ليعني إنكار الأممية البروليتارية ؟ و بعد بضعة سنوات تأكّد الحجم الهائل للخطر المهدّد للإتحاد السوفياتي : صار الإتحاد السوفياتي الساحة المحدّدة فى الحرب العالمية الثانية مع ألمانيا النازية ،و فقد 20 مليون سوفياتي حياتهم . لكن خلال الفترة ذاتها كان مجمل العالم الرأسمالي يعاني كذلك من الإعصار فقد إشتدّت النضالات و الحركات الجماهيرية و كانت فرص تاريخية هامة للتقدّم بالثورة البروليتارية العالمية تتراءى فى الأفق . إزاء هذا الوضع ، صاغ قادة الإتحاد السوفياتي و الكومنترن ( الأممية الشيوعية ) سياسة خاطئة غدت تسمّى " تشكيل الجبهة الموحّدة ضد الفاشية " .

لقد عنت الجبهة المتحدة ضد الفاشية إصطفاف الإتحاد السوفياتي مع الإمبرياليين " الحلفاء" ضد ألمانيا و اليابان . فى هذا الوضع كان على الأرجح ضروري للإتحاد السوفياتي أن يلجأ إلى بعض المناورة الدبلوماسية و أن يتوصّل إلى بعض الإتفاق مع بلدان إمبريالية لتقليص خطر الغزو العسكري للإتحاد السوفياتي . لكن الإتحاد السوفياتي أخطأ ووسّع هذه السياسة لتشمل الحركة الشيوعية فى كافة البلدان و جعل منها سياسة لكلّ الشيوعيين و الحركات الثورية فى العالم . من وجهة نظر الإتحاد السوفياتي ، مصالح الثورة العالمية حدّدت بالمصالح القصيرة المدى للبلد الإشتراكي ومتطلّبات الدفاع عنه . و إنطلاقا من هذه النظرة ، كان على شيوعيي تلك البلدان الإمبريالية المتحالفة مع الإتحاد السوفياتي أن يناضلوا من أجل " الدفاع عن الوطن ضد خطر الفاشية " و ليس من أجل الإطاحة بالبرجوازية فى بلدانهم . و لتبرير هذه السياسة نعت قادة الكومنترن الإمبرياليين الذين كانوا يقاتلون ألمانيا حول الهيمنة العالمية ب" التقدّميين""السلميين" و " محبّي الحرّية " . و ساعدت هذه السياسة الإصلاحية و التحريفية للأحزاب الشيوعية للبلدان الغربية على كسب القوّة و الهيمنة . و بالطريقة نفسها ، فى عديد البلدان المضطهَدة ، مثل إيران، أُهدرت فرص ثمينة ناجمة عن الفوضي العالمية و إضعاف الطبقات الحاكمة و ذلك لأنّ الإطاحة بالعملاء " حلفاء " الإمبرياليين فى إيران كان يعتبر " خدمة " للفاشية الألمانية . فى فترة كانت فيها الإمكانيات الحقيقية لتقدّم كبير و إنتصارات كبرى توجد فى العالم ، نادى قادة الإتحاد السوفياتي و الكومنترن ، بتحويل سياسة الجبهة المتحدة المناهضة للفاشية إلى خطّ و إستراتيجيا الحركة الشيوعية العالمية ، بالفعل إلى تراجع فى الثورة العالمية . و بلا شكّ ، لم يعزّز هذا الإشتراكية و الحكم البروليتاري فى الإتحاد السوفياتي ، بل كذلك أضعفها جدّيا و مهّد الطريق لبلوغ البرجوازية الجديدة السلطة فى الإتحاد السوفياتي لأنّه بالرغم من نيّة قادة الإتحاد السوفياتي، فإنّ هذه السياسة كانت موضوعيّا تحمل مضمونا برجوازيّا و لم تكن سياسة أمميّة .

و إثر عقود ثلاثة ، واجهت الصين الإشتراكية نفس الوضع تقريبا . فى بداية سبعينات القرن العشرين ، حدث إنعطاف فى الوضع العالمي . لقد إنخفض نسبيّا مدّ الموجات الثورية التى كانت فى ستينات القرن العشرين تزعزع العالم . و فى نفس الوقت ، قد تغيّر دور و مسار الإمبريالية السوفياتية فى العالم و شهد تنافسها مع الولايات المتحدة و الكتلة الغربية إنفراجا . توغّل التحريفيون السوفيات فى الكثير من حركات التحرّر الوطني و حوّلوا البعض منها إلى أذيال لهم. فبعد حرب بطولية ضد الولايات المتحدة ، صارت الفتنام تحت تأثير الإتحاد السوفياتي . و مثّل هذا مأساة بالنسبة للثورة العالمية . فقد أصاب هذا الوضع عديد الثوريين عبر العالم بالإحباط و أفقدهم الحماس ، بما فى ذلك فى الصين ذاتها . و خلال الفترة ذاتها، شرع الإتحاد السوفياتي فى إقامة الإعدادات الجدّية لشنّ هجوم نووي ضد الصين . وفى ظلّ هذه الضغوطات ، رفعت القوى التحريفية رأسها مجدّدا فى مواجهة هذه المخاطر تقدّمت بخطّ إستسلامي أمام الإمبريالية الغربية و التعصير السريع للإقتصاد و الجيش مهما كان الثمن( و فى الواقع عبر الرأسمالية ). و قدّم ماو و الشيوعيون الصينيون ،وهم يناضلون بصفة شاملة ضد الخطّ الإستسلامي البرجوازي ، خطّ إنشاء تحالف مع قسممن القوى الإمبريالية و الرجعية فى العالم ضد الإمبريالية السوفياتية . وفى هذا الإطار شرعت الصين فى ربط علاقات إقتصادية وسياسية مع رجعيين مثل شاه إيران، و موبوتو إلخ . لا شكّ أن بمستطاع بلد إشتراكي أن يستعمل التناقضات صلب أعدائه و عند نقاط معيّنة يعقد معهم إتفاقيات معيّنة . و كذلك هو مهمّ أمر أنّ الشيوعيين الصينيين لم يحوّلوا هذه السياسة إلى خطّ عام و سياسة للشيوعيين و الثوريين عبر العالم . لكن المواقف السياسية للحكومة الصينية ، المساندة لبعض الدول الرجعية التى كانت عميلة للإمبرياليين الغربيين ، أضرّت بسمعة الصين الإشتراكية فى صفوف العمّال و الجماهير المضطهَدة و القوى الثورية حول العالم وعمليّا عزّزت يد الإحزاب التحريفية الموالية للسوفياتات فى دعايتها ضد القوى الماوية .

سيكون تبسيطيّا أن نفكّر أنّه دون مثل هذه الأخطاء لم تكن البروليتاريا لتخسر السلطة فى الإتحاد السوفياتي والصين . لكن دون هذه الأخطاء كانت الحركة الشيوعية العالمية نهائيّا ستكون فى وضع أفضل لتجاوز الهزائم و الإعداد لقفزات جديدة . عموما ، من تجربة إنتصارات و هزائم الثورات البروليتارية للقرن العشرين ، يجب أن نلخّص أنّ الثورة العالمية تتطوّر تطوّرا غير متكافئ و أنّ سيرورة تحطيم النظام الرأسمالي العالمي لن تحدث بضربة واحدة و فى ثورة متزامنة عبر العالم قاطبة . و بالتالي ، فى إطار هذه الظروف الموضوعية ،مهمّة بناء الإشتراكية فى بلد واحد ستواجه عدّة صعوبات و تعقيدات . تركيز بلد إشتراكي إنتصار هام بالنسبة للبروليتاريا العالمية . لكنّه إنتصار جزئي و فقط إنشقاق فى جسد العالم الرأسمالي . و بالتالي ، الإنتصار النهائي للثورة البروليتارية سيتحقّق ليس فى بلد واحد أو فى مجموعة بلدان بل عالميّا . و فى حين أنّ وجود بلد واحد أو مجموعة بلدان إشتراكية عامل هام فى الوضع العالمي ، فإنّ تطوّر البلدان الإشتراكية ذاتها ، و تقدّمها و تراجعها مرتبط حيويّا وضع الثورات البروليتارية فى بلدان أخرى و فوق كلّ شيئ و بميزان القوى بين الحركات الثورية و الثورات البروليتارية منجهة و البرجوازية العالمية من جهة أخرى . ستحاصر البلدان الإشتراكية ببحر من العلاقات الرأسمالية المهيمنة فى العالم و ستشعر بضغوطات التأثير المادي و الإيديولوجي . ليس بوسع البلدان الإشتراكية " لوحدها " و " مثل الجزيرة " أن تتقدّم فى البناء الإشتراكي فى بلد واحد بحرّية و فى خطّ مستقيم . ليس بوسعها المضي فى تعزيز المكاسب فى بلد على أساس دائم . و هذه البلدان يجب أن تعوّل على هذه المكاسب لأجل توسيع الثورة البروليتارية فى العالم .
بإختصار ، يجب أن تعمل ك " أساس للثورة العالمية " . و فى نهاية التحليل ، مصالح بلد إشتراكي و مصالح التقدّم بالثورة البروليتارية العالمية هي ذاتها ؛ و هتان السيرورتان تعزّز الواحدة منهما الأخرى . و مع ذلك ، هناك تناقضات بينهما أيضا ، بمعنى أنّ متطلّبات التقدّم بالواحدة تفرض بعض الإعتبارات على الأخرى . و بينهما الرئيسي هو مصلحة التقدّم بالثورة البروليتارية العالمية ( بمعنى الثورة فى أجزاء أخرى من العالم ) . هذا مبدأ أساسي . و كلّما تقع حاجيات الدفاع عن بلد إشتراكي فى تناقض مع متطلّبات التقدّم بالثورة العالمية ، يجب على البلد الإشتراكي أن يستعدّ للمخاطرة بحياته من أجل التقدّم بالثورة العالمية ككلّ .

و الوضع الموضوعي للنظام الإمبريالي برمته و العلاقة الوثيقة التى توجد بين أجزائه المختلفة فى العالم تشدّد على الدور الحيوي للمجال العالمي فى رسم التطوّرات فى كلّ بلد . و هذا يرسى أسس النظرة و سياسة الأممية البروليتارية و يشدّد على حيوية مثل هذه النظرة و السياسة بالنسبة لبروليتاريا كافة البلدان . الأممية هي النظرة العالمية الخاصّة بالبروليتاريا الثورية و الثورات البروليتارية . و ينبغى أن تحكم الأممية البروليتارية و إعطاء الأولوية للثورة العالمية تفكير و ممارسة البروليتاريا من اللحظات الأولى للإعداد للثورة إلى إفتكاك السلطة و مذّاك قدما إلى مواصلة الثورة حتى بلوغ الشيوعية العالمية .

تناقضات النظام العالمي و صورة العالم الراهن :

عرف النظام الإمبريالي العالمي منذ ظهوره تغييرات هامة سياسية و إقتصادية و تأثّر هذه التطوّرات فى كلّ التناقضات الإمبريالية و كذلك فى وضع كلّ تناقض من هذه التناقضات . تنبع تناقضات الإمبريالية من التناقض الجوهري للعصر الرأسمالي ، أي من تناقض الإنتاج الإجتماعي و التملّك الفردي الذى له شكلان من الحركة : التناقض بين رأس المال و العمل و التناقض بين الفوضي و النظام ( هيمنة فوضى الإنتاج فى المجتمع برمته و التنظيم الواعي للإنتاج فى الوحدات الفردية ) . و ينعكس التناقض بين العمل ورأس المال فى التناقض بين البروليتاريا والبرجوازية ، بين الشعب المضطهَد و الأمم و الإمبريالية ،و بين البلدان الإشتراكية و الإمبريالية . و التناقض بين الفوضي و التنظيم ينعكس على وجه الخصوص فى التناقض بين القوى الإمبريالية . و هذه التناقضات الأربعة هي التناقضات الكبرى للنظام الإمبريالي العالمي .

و مع ظهور الإمبريالية ، غزت الرساميل الإمبريالية المستعمرات و أشباه المستعمرات و شرعت فى إستغلال و نهب و قمع سياسي غير مسبوقين لغالبية الشعوب فى هذه البلدان . و أدمجت الإمبريالية الأنظمة الإقتصادية لهذه البلدان فى الإقتصاد فى هذه البلدان مرتبطا و خادما للإقتصاديات الإمبريالية . و قد سرّع التطوّر الرأسمالي فى هذه البلدان و فى نفس الوقت و بصورة واسعة إستعملوا العلاقات ما قبل الرأسمالية لإنتاج عمل و موارد رخيصين ؟ و هكذا إنتهت البلدان الإمبريالية إلى تحقيق أرباح ضخمة هائلة و إنتهت البلدان المضطهَدة إلى وضع تخلّف إقتصاديات مشوّهة و مفكّكة .

فى البلدان المهيمن عليها ، تحكم الإمبريالية عبر التحالف مع الطبقات الحاكمة المحلّية و بقمع عنيف وطغيان سياسي خبيث. وحوّل تفاقم التناقض بين الإمبريالية و الشعوب و الأمم المضطهًدة البلدان المهيمن عليها إلى مراكز إعصار الثورة العالمية . و إنعكس هذا فى حركات التحرّر الوطني التى لعقود هزّت العالم بأسره و إلى إعصارات و أزمات ثورة متواصلة.

و تأثّر التناقض بين البروليتاريا و البرجوازية بتغيرات النظام و تطوّراته . فالأرباح الضخمة التى يستخرجها الإمبرياليون من البلدان المضطهَدة سمحت لهم بتحويل شريحة هامة من الطبقة العاملة فى البلدان الإمبريالية إلى قاعدتهم و بتوفير أعمال قارة و رفاهة نسبية لفترات طويلة نسبيّا لقطاع أوسع من العمّال. و مع ذلك ، قسم هام من الطبقة العاملة و العمّال المهاجرون جزء هام منها ، بقع إستغلاله إستغلالا شديدا . و تواصل النظام الديمقراطي البرجوازي فى هذه البلدان بالتعويل على الموقع المتميّز و المهيمن للإمبريالية عالميّا . و هذه الديمقراطية البرجوازية الجانب الظاهر من العملة للديكتاتورية الخبيثة و القاسية للبلدان المهيمن عليها و التى تطبقها الإمبريالية بالتعويل على و فى وحدة مع الطبقات الرجعية فى تلك البلدان . لكن الديمقراطية البرجوازية فى البلدان الإمبريالية ذاتها تترافق بيد من حديد من دكتاتورية البرجوازية . و لأنّ التناقض بين البرجوازية و الفئة الأدنى من الطبقة العاملة و جماهير الفقراء فى البلدان الإمبريالية يحتدّ ، على البرجوازية أن تبني المزيد من السجون وتوسّع قوّات شرطتها الخاصّة بصورة مستمرّة . و مع إشتداد الأزمات الرأسمالية و توصلها ،تصبح قسم متزايد من سكّان البلدان الإمبريالية بروليتاريون . و هذه البروليتاريا هي القوّة الجوهرية و الأساس الصلب للثورة البروليتارية فى هذه البلدان .

و تناقض هام آخر للنظام الإمبريالي هو التناقض بين البلدان الإشتراكية و البلدان الإمبريالية . و ولّد إنتصار الثورات البروليتارية و تركيز المجتمعات الإشتراكية هذا التناقض الذى أثر فى ميزان القوى العالمي و التطوّرات السياسية و الإقتصادية تأثيرا كبيرا إذ كان له تأثير كبير على توجه الحركات و الثورات ومدّها و جزرها ،و كذلك على الصدام و التوافق صلب القوى الإمبريالية . مثلا ، أثّر تركيز الإتحاد السوفياتي فى 1917 على نهاية الحرب العالمية الأولى و مدّ بالقوّة حركات التحرّر و الثروات البروليتارية و أثّر على الإصطفاف المستقبلي للإمبرياليين فى العالم . و خلال ستينات و سبعينات القرن العشرين نهض وجود الصين الإشتراكية التى ساندت الثورات التحرّرية للشعوب دورا هاما فى تعزيز حرب التحرير فى الفتنام و الحروب الثورية الأخرى . و مع إعادة تركيز الرأسمالية فى الإتحاد السوفياتي فى أواسط الخمسينات و لاحقا فىالصين فى 1976 ، تلاشى التناقض بين البلدان الإشتراكية و البلدان الإمبريالية مؤقتا من على الساحة العالمية .

و المظهر الآخر للتناقضات الكامنة لدي الإمبريالية أي التناقض بين القوى الإمبريالية تعبير عن النزاع التنافسي بين الرساميل على النطاق العالمي . فى عصر الإمبريالية ، بعد كلّ مدّة زمنية ، تسقط الرأسمالية فى أزمة هيكلية عامة (على النطاق العالمي و فى نفس الوقت فى كافة الفروع). و فى مثل هذه الفترات، يشتدّ التناقض بين الإمبرياليين و إمكانية حرب عالمية. فى هذه الأوقات، يحتاج الإمبرياليون إلى إعادة هيكلة رأس المال على الصعيد العالمي ،و بهذه الطريقة يحلّون مؤقتا الأزمة العامة لنظامهم . لكنه لا يمكنهم القيام بذلك إلاّ عبر تركيز ميزان قوى سياسي جديد على المستوى العالمي . إلى اليوم ، إندلعت حربان علميتان بغاية إعادة تقسيم العالم و معالجة هذا المشكل . و إنهيار الكتلة الإمبريالية السوفياتية و نهاية " الحرب الباردة " فتح أيضا الطريق لمثل إعادة الهيكلة هذه .

لكن إعادة تقسيم العالم و المعالجة المؤقتة للأزمة العامة للرأسمال ليست المخرج الممكن الوحيد لمثل هذه الفترات المنعرج . فالأزمات العامة تخلق ظروفا مناسبة لإنجاز الثورات البروليتارية فى مناطق واسعة من العالم و إذا كانت القوى البروليتارية مستعدّة يمكنها أن تفتكّ مناطقا واسعة واقعة تحت سيطرة الإمبريالية . لقد إنتصرت الثورة الإشتراكية لسنة 1917 فى روسيا و الثورة الديمقراطية الجديدة فى 1949 فى الصين فى مثل هذه الأوضاع التاريخية بينما كان الإمبرياليون يلجأون للحروب العالمية لإعادة تقسيم العالم .

و خدمت نهاية الحرب العالمية الأولى ( 1914 – 1918) و الحرب العالمية الثانية ( 1939 – 1948 ) لفترة من الزمن المكان الذى تقف فيه كلّ قوّة إمبريالية و قدر الأرباح التى تستطيع جنيها من مائدة النهب العالمي و أي بلدان ستترأس هذه العصابة . و عقب إعادة تركيز الرأسمالية فى الإتحاد السوفياتي و تحوّله إلى قوّة رأسمالية كبرى فى أواسط الخمسينات ، تشكّلت الكتلة الإمبريالية الإشتراكية أو الكتلة السياسية – الإقتصادية – العسكرية . و تشكّل نظام ذي قطبين . و ترأست الولايات المتحدة مجموعة من الإمبرياليين و الرجعيين و ترأس الإتحاد السوفياتي المجموعة الأخرى . و ما صار شهيرا على أنّه " حربا باردة " كان تعبيرا عن العداوة و الإتفاق بين الكتلتين الغربية و الشرقية فى مختلف المناطق ما أفرز أحيانا حروبا فى مناطق بين عملائهم فى البلدان المهيمن عليها . و الأزمة الإقتصادية الجديدة التى عصفت بالنظام الإمبريالي منذ بداية سبعينات القرن العشرين فاقمت العداوة بين الكتلتين الشرقية و الغربية . و فى نهاية سبعينات القرن العشرين و بداية ثمانينات كان العالم قاب قوسين أو أدنى من حرب شاملة . لكن فى نهاية الثمانينات لم يستطع الإتحاد السوفياتي التماسك تحت ضغط الأزمة و العبء الثقيل للتنافس العسكري و إنهار . و كانت لهذا التطوير إنعكاسات سياسية و إقتصادية هامة .

لقد قلّصت نهاية الحرب الباردة الخطر الجغراسياسي للإستثمار فى ما يسمّى ببلدان " العالم الثالث" التى كانت حقلا هاما للمواجهة بين الكتلتين الغربية و الشرقية . و صارت للقوى الإمبريالية و على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية اليد الطولى فى التدخّل فى الشؤون العالمية و الآن لديها فرصة معالجة بعض مشاكلها السياسية . و وجدت إمكانية أكبر للحركة الحرّة للرأسمال حول العالم و كميات هائلة من الرأسمال حرّرت لتستثمر فى مناطق شتى . و هكذا تعزّزت سيرورة " العولمة " . و هذا يعنى مزيدا من سرعة حركة رأس المال و الترفيع فى مزج الإنتاج و التبادل على النطاق العالمي . و إلى جانب " العولمة " ، طبّقت القوى الإمبريالية سياسة إقتصادية " ليبرالية " . و أهداف هذه السياسة هي مزيد تحرير يد الرأسماليين فى طرد العمّال بأعداد كبيرة . و إلغاء كلّ الحواجز القانونية ، مثل الإستثمار و الملكية الأجنبيين ،و الضرائب و الحواجز الجمركية على السلع فى البلدان التى تهيمن عليها الإمبريالية . و هذا كلّه يخدم تنمية سيطرة الإمبريالية ونهبها لهذه الإمبريالية . و المؤسسات المالية الكبرى مثل البنك العالمي و صندوق النقد الدولي ، وضعت يدها على تسيير إقتصاد البلدان المهيمن عليها و فرضت إجراءات تقشف و إعادة هيكلتها . فى جميع بلدان العالم ، من البلدان الرأسمالية المتقدّمة إلى البلدان المضطهَدة ، تمزج الإمبريالية التقنية العالية مع العمل الرخيص لترفع من نسبة الربح . و توفّر النساء قسما متناميا من قوّة العمل الرخيصة هذه . و العمل و الشغل الوقتيين و غير الرسميين فى البلدان المضطهَدة و حتى فى البلدان الإمبريالية تتسع . نسبة النموّ فى جملة من الفروع أمر بارز لكن فى نفس الوقت ، أقسام عريضة من بلدان و شعوب العالم تدفع إلى وضع هامشي .

و يتميّز وجه العالم اليوم بإتساع البون الطبقي على الصعيد العالمي معمّقا الفقر و اللامساواة فى الدخل ، و موسّعا البون بين البلدان الإمبريالية المتقدّمة والبلدان المهيمن عليها . تقريبا بليون من سكّان العالم يعيشون فى براثن الفقر المطلق ،منهم سبعون بالمائة نساء . و حوالي 20 عشرين مليون طفل يرزحون تحت العمل الإجباري . و كلّ سنة يباع و يشترى ملايين الناس كعبيد عبر العالم فى أسواق تجارة الجنس . و البلدان الغنيّة التى تضمّ 15 بالمائة من سكّان العالم ، تمتصّ 80 بالمائة من موارد الأرض . و فى الولايات المتحدة ، أقوى بلد إمبريالي ، يعيش 20 مليون شخص تحت خطّ الفقر . و معدّل دخل مدير فى تلك البلدان بلغ 150 بالمائة مرّة معدّل دخل عامل صناعي . و فى بلدان العالم الثالث ، بإستثناء المدن الكبرى و القطاعات المحدودة الشبيهة بالجزر فى الإقتصاد التى تشهد نموّا إقتصاديّا و قد شكّلت رافدا و عمادا رقيقا حولها ، المناطق و القطاعات الأخرى فى ركود و تخلّف مستمرين . غالبية السكّان أكثر إستغلالا من أي زمن أبدا . و فى عديد المعامل يعمل النساء و الأطفال فى ظروف شبه عبودية . و تطبيق مخططات إعادة الهيكلة الإقتصادية فى هذه البلدان قد سرّع سيرورة تحطيم الفلاحة ، و تهجير السكّان و نزوح الفلاحين . مستويات عيش 2,5 مليون فى العالم الثالث المعتبرة الأفقر ، تسقط بإستمرار و كلّ سنة 75 مليون إنسان يهاجر بحثا عن العمل فى البلدان الأخرى . و القمع و الإرهاب السياسيين و كذلك الخرافات و الدين و الرجعية التى هي ضرورية للحفاظ على ظروف الإستغلال القاسية هي القاعدة اليومية فى البلدان المهيمن عليها . و تحطيم البيئة مظهر آخر من هذه الصورة الصادمة . فى آسيا و أمريكا اللاتينية الغابات و السهول و البحيرات و الأنهار لتسديد الديون الخارجية . فى البلدان الإمبريالية ، نظام الخدمات الإجتماعية و الأمن الإقتصادي خلال العمل و البطالة ن المسمى " رعاية الدولة " يتبخّر . و فى البلدان الغربية ، النسبة العالمية للبطالة تقريبا مؤسساتية و تعتبر حتمية . فى الولايات المتحدة ، أغنى بلد على الأرض ، قسم كبير من البروليتاريا يستغلّ بلا رحمة . و فى نفس الوقت ، تظلّ أوسع قطاعات السكّان دون أي شغل ،و تأمين و ضمان إجتماعي أو سكن و تمثّل " جيش العمل الإحتياطي " و الدول الإمبريالية تعزّز القوى البوليسية الخاصة لصدّ التمرّد الإجتماعي و الأخطار التى تواجه القانون و النظام و الأمن الرأسماليين .

و كلّ هذا مؤشّر على إحتداد التناقضين الكبيرين للنظام الإمبريالي العالمي ، أي التناقض بين الإمبريالية و الشعوب و الأمم المضطهَدة و التناقض بين البروليتاريا و البرجوازية . لكن المواجهة المفتوحة و الخفيّة فى المجالات الإقتصادية و كذلك السياسية تستمرّ بين الولايات المتحدة و أوروبا و اليابان و روسيا . ضمن التواطؤ الإمبريالي ، تتشكّل كتل إمبريالية جديدة و الوحدة و الإستقطاب مستمرّين .

و قد جعلت التطوّرات الراهنة النظام الإمبريالي أقلّ فأقلّ حصانة و أدّت إلى أنّ " نظامهم العالمي الجديد " يواجه أكثر مشاكلا . و تشديد الإستغلال و الإضطهاد الإمبرياليين يحوّل عديد بلدان العالم إلى مناطق أزمة . و إمكانية إندلاع مقاومة شعبية و تمرّد فى كلّ من البلدان المضطهَدة و البلدان الإمبريالية قد نمت. و " العولمة " تربط عديد بلدان و مناطق العالم برباط وثيق . و التطوّرات الإقتصادية و السياسية و النزاعات فى كلّ بلد تجد صداها أوسع و أسرع فى البلدان الأخرى . و هذا الوضع الموضوعي يربط وثيق الإرتباط الثورات البروليتارية معا و يجعل ظروف تقدّم الثورة فى كلّ بلد أكثر فأكثر تأثّرا بالتطورات و الصدامات العالمية . و علاوة على ذلك ، التطوّر اللامتساوي و المشوّه لمختلف أقسام النظام الإمبريالي و تشديد و تداخل سلسلة من التناقضات الطبقية و الإجتماعية و القومية فى مختلف البلدان يجعل منها حلقة ضعيفة فى النظام . فى هذه الظروف ، مع وجود حزب شيوعي يقود حربا ثورية قوية ، يمكن للثورة البروليتارية أنتبلغ الإنتصار وتشرع فى بناء مجتمع إشتراكي . و تواصل وجود نقاط الضعف غير القابلة للمعالجة و الإنهيارات الدائمة فى النظام الإمبريالي يجعل من الممكن أن يستمرّ وجود البلدان الإشتراكية .

إنّ النظام الرأسمالي العالمي ،من خلال سيره ، كلّ يوم وكلّ لحظة يذكّر العالم بأنّه لم يعد مفيدا؛ إنّه لنظام فاسد ، وحشي و متداعي و لا حاجة إلى وجوده . فى حين أنّ الإنتاج قد إتخذ أبعادا هائلة و غير مسبوقة و قد إختفى عدم كفاية الإنتاج التى كانت مرّة السبب التاريخي للإنقسام الطبقي و اللامساواة . و العمل المتوازن و الإستعمال المتوازن للثروة المادية و لتطوّر الإبداع الفكري للبشرية ممكن جدّا . منذ زمن طويل ، نشأت ظروف خلق مجتمع جديد حيث يمكن تطبيق مبدا " من كلّ حسب قدراته إلى كلّ حسب حاجياته " .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن