الضبط المخزني للمجال بالمغرب : مزيدا من التقسيم من أجل مزيد من الاحتواء

عبد الرحيم العطري

2005 / 5 / 16

الضبط المخزني للمجال بالمغرب
مزيدا من التقسيم من أجل مزيد من الاحتواء
عبد الرحيم العطري*
في أعقاب الإنتفاضات الشعبية التي عاشتها الدارالبيضاء خلال الثمانينات، اهتدى المخزن إلى فكرة مسكونة بالهاجس الأمني مفادها "مزيدا من التقسيم، وصولا في النهاية إلى كثير من الضبط والإحتواء"! وهكذا - وفي زمن قياسي - تناسلت العمالات والجماعات والمقاطعات والدوائر الأمنية، ليس بهدف خدمة المواطن وتجسيد شعار تقريب الإدارة منه، ولكن أملا في بلوغ مطمع الضبط السوسيوسياسي لكافة التفاصيل المجتمعية، ودرءا بالتالي لتكرار ما وقع!!
فهل كانت البيضاء في حاجة إلى هذه التقسيمات القيصرية؟ وهل المغرب عموما في حاجة إلى كل هذه العمالات والجهات والمقاطعات ...؟ فكيف يتم ضبط المجال مغربيا؟ وعلام يتم الإتكاء في ذلك؟ وعلام يراهن المخزن في ضبطه السوسيوسياسي للمجال؟ هل يرتكن إلى الهاجس التنموي المواطناتي؟ أم ينسكن حينئذ بالهاجس الأمني/الإحتوائي؟
سؤال المجال
وبدءا نقول بأن المجال يعبر بقوة عن آليات الضبط الإجتماعي، بل أنه يفضح رهاناته واستراتيجياته المركزية من خلال دينامية الفعل التي تؤطره، بحيث يصير كل مجال معبرا بالضرورة عن طبيعة العلاقات الإجتماعية وخصوصية الصراع وباقي ملامح الفاعلية الإجتماعية التي تعتمل في رحابه، ومن هنا تتبدد مقولة "حياد المجال"، وتتأسس تبعا لذلك إمكانات التأثر بالضبط الذي تمارسه القوى المالكة لوسائل الإنتاج والإكراه في المجتمع. "فليس هناك مجال لا يتم إنتاجه اجتماعيا، كما أنه ليست هناك علاقة اجتماعية لا تعبر عن نفسها في المجال"، وبذلك يغدو المجال المغربي فاضحا بالضرورة للعقل الجمعي، وللتراتب الاجتماعي، وكذا لهواجس المخزنة والإحتواء التي يرتكن إليها النظام في علاقته بأفراده وجماعاته.
إن سؤال المجال مغربيا من أكثر الأسئلة حرقة، وإثارة للخلاف والإختلاف، ولهذا كان وما يزال بيد أم الوزارات (الداخلية)، والأكثر تجسيدا للحضور المخزني، وبالرغم من المحاولات التي أبدتها حكومة التناوب للإمساك بناصيته من خلال وزارة التعمير وإعداد التراب الوطني التي يتحمل مسؤولية تدبيرها محمد اليازغي الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي ، و على الرغم من تنظيمه خلال السنوات الفائتة لحوار وطني حول إعداد التراب ، فإن واقع الأمور يشير بوضوح إلى أن الداخلية لا تريد التفريط في مهمة تدبير المجال وصناعته وفق ما يخدم المصالح والاعتبارات الأمنية.
استراتيجية الضبط
تشير الأدبيات السوسيولوجية إلى أن الضبط الإجتماعي هو مجموع السيرورات الواعية واللاواعية، المفروضة والتلقائية، والتي يضمن بواسطتها النسق المجتمعي إعادة إنتاجه، ويحافظ بالتالي على انسجامه واتساقه، وبذلك فهو يتضمن ويتجاوز مفهوم السلطة ويماثلها أيضا في اعتماد استراتيجية الردع من خلال استثمار إمكانيات الأجهزة القمعية. فالضبط السوسيوسياسي يتوسل في اشتغاله بآليات التنشئة الإجتماعية والتدجين الإجتماعي تحديدا بواسطة جدلية الإدماج والتهميش، والذي يتمتع بقوة في المجال السياسي، الشيء الذي يجعل من استراتيجية الضبط أكثر ارتكازا على بعد الهيمنة والإحتواء! لكن من المستفيد الأول من عمليات الضبط السوسيوسياسي للمجال؟ ومن يرسم سياسات هذه "الفعلة"؟ ولماذا تتم وفقا لهذه الأنماط أو تلك؟ من المؤكد أن تنظيم المجال لا يتم بشكل اعتباطي، إنه خاضع بامتياز لمصالح مسيري المجتمع، فهؤلاء هم المسؤولون عن التدبير الرمزي والمادي للمجال، وهم - في الآن ذاته - من يجنون ثمار ذلك التدبير!
إن ضبط المجال مرتبط بالضرورة باستراتيجيات الفئات الإجتماعية وسيرورات الصراع الإجتماعي، وبحكم هذه الحساسية التي تبصم الضبط السوسيوسياسي، فإن التفريط فيه كآلية مخزنية لفائدة جهات أو مؤسسات « مشكوك » في ولائها، يظل أمرا بعيد المنال! وهذا كله يجعل الضبط السوسيوسياسي للمجال فعلا مخزنيا يحظى بالاحتكار الرسمي، ويجعل منه أيضا تدبيرا مختلفا للشأن المحلي يتأسس على الإحتواء لا الخدماتية في إطار مقاربة مجتمع الرعايا لا المواطنين!
درس كولونيالي
إن نظرية التعارض بين بلاد المخزن وبلاد السيبة، والعرب والبربر، والشرع والعرق، والتي اعتمدتها السوسيولوجيا الكلونيالية في مقاربتها للمجتمع المغربي، كانت بمثابة إجابات ضافية لكل أسئلة الإكتساح والإحتواء التي كانت تؤرق بال الجهاز العسكري الإمبريالي. وفضلا عن ذلك فقد ساهم التحليل الإنقسامي بدوره في فهم جانب مهم من آليات اشتغال المجتمع، أفرادا، جماعات ومؤسسات، لتكون النتيجة في النهاية ضبطا خاصا للمجال يراهن على إعادة إنتاج القائم من الأوضاع، وخنق إمكانيات الحراك والتجاوز. لقد عمل المستعمر، والمخزن بعيد الإستقلال على تكسير البنيات القبلية من خلال فرض تقسيمات إدارية، وهياكل دخيلة تعلن الرغبة في خدمة المواطن والإقتراب منه، ولكنها تضمر - فعلا - هدف احوائه وضبطه!!
فالمستعمر، ومن خلال إفادته السوسيولوجية والأنتربولوجية، تبلور لديه وعي جذري بأن الضبط السوسيوسياسي يكون عبر التقسيم والإنتاج المخدوم للمجال في إطار ثنائية المركز والهامش، وارتباطا أيضا بالخصائص الأثنوغرافية والمصالح الإستعمارية، فالتقسيم/التفكيك هو الدرس الكولونيالي الذي يبدو أن المخزن قد استوعبه جيدا بعد انتفاضات الدارالبيضاء، وغيرها من المدن خلال الثمانينات.
البيضاء نموذجا!
عشية تلك الأحداث الدامية استخدم مهندس الداخلية الوزير الأسبق ادريس البصري الذي أطلق على منتفضيها " شهداء كوميرة " مقصا خاصا لتقسيم المدينة و زراعنها بجيوش المقدمين و المخبرين ، لتتحول البيضاء و على حين غرة إلى خمس عمالات وعشرات الجماعات والمصالح الخارجية ومئات المقاطعات، لقد استحالت إلى أرخبيل من الجزر المتناثرة، فلماذا كل هذه التقسيمات؟ وما الخلفية التي ينضبط إليها الفعل؟
وإذا كان إحداث أية مؤسسة إدارية ينبني بدءا على البعد الخدماتي/المواطناتي، أي أنه يتأسس بالضرورة على خدمة المواطن وتقريب الإدارة منه، وبالتالي تلافي كثير من المظاهر البيروقراطية، لكن هل هذا المسار ذكره هو الهاجس الموطناتي الذي يؤطر العملية القيصرية التي خضعت لها البيضاء على حين غرة؟! قد نسقط في فخ الوهم، ولو صدقنا ذلك، مضافا إليه كل ما أنتج من خطابات رسمية حول اللامركزية واللاتركيز، وذلك لسبب بسيط هو أن استراتيجية ضبط المجال تحكمها دينامية المركزية على اعتبار أن الضبط يقتضي التقاطب والتجاذب والصراع ومنه يصير التقسيم مجرد حلقة أخرى في مسلسل الإحتواء المخزنة. فالبيضاء « الكبرى » لم تتحول إلى وضع الشتات المؤسساتي بهدف الإقتراب من المواطن، والإنصات بالتالي لهمومه وآماله، ولكنها استفاقت ذات يوم ثمانين على هذا السيناريو التجزيئي من أجل مزيد من الضبط وتحديدا لكي لا تتكرر الإنتفاضة وتتعالى في الأفق - ملامح الإفلاس المخزني!!
لكن السؤال الفادح الذي يداهمنا اللحظة - هو ماذا بعد التقسيم؟ ما بعد الضبط السوسيوسياسي الجديد لمجال الدارالبيضاء؟ والجواب بالطبع يفتضح في أحزمة البؤس التي تحتزم بها المدينة، وفي ارتفاع نسبة الإجرام ودوائر الفقر والفاقة، وكذا في المسخ الإسمنتي الذي يطبع المدينة، وفي الإهتراء الذي يعلوها من كل جانب، فماذا استفادت البيضاء من خمس عمالات غير مزيد من المخزنة وكثير من التدهور وعلى مختلف الأصعدة؟!
بؤس الجهة!
وبحثا عن حقيقة هذا الضبط المجالي المغربي يبرز أمامنا التقسيم الجهوي كدليل قاطع على أن الهاجس الأمني هو في البدء والختام المؤطر الأساسي لرهانات المخزن في تعامله مع المجال، فهل نحن في حاجة إلى 16 جهة؟ ولماذا هذا التباين الصارخ بين الجهات؟ وقبلا هل هذا التقسيم الجهوي تكمن وراءه غايات تنموية أم خلفيات أمنية/ضبطية؟ وإذا كان الهدف تنمويا كما يبدو في الخطات المؤسسية فلماذا تم إحداث ولاة الجهات إلى جانب رؤساء المجالس الجهوية المجردين من إرادة الفعل؟
إن المخزن لا يريد في النهاية التفريط في آليات الضبط والإحتواء، ولهذا فما أن "يبدع" مؤسسة مواطناتية حتى يكبلها بأخرى أكثر مخزنية لتجسيد حضوره في النسيج المجامعي. وما دام المجال السلطوي لدينا يميل إلى الشخصنة وبتنا نرى عن المأسسة، فإن التقسيم الجهوي ذاته كان مؤطرا بالطموحات الشخصية لرجال المخزن الكبار ارتباطا بأصولهم الإثنوغرافية، والنتيجة تقسيم تعسفي يجبر الخواطر، وهكذا بتنا نرى مدنا تلحق بأخرى تبعد عنها ولا تجمع بينهما أية أواصر إدارية، إجتماعية، إثنوغرافية أو اقتصادية، ولكن فقط لأن المتحكمين في ميزان القوى يريدون ذلك، وما ذلك عليهم بعزيز!!
فشاطىء سيدي رحال قريبا من أحد السوالم( قرية تبعد بنحو ثلاثين كيلومترا عن البيضاء ) مثلا صار تابعا لعمالة سطات فقط لأن الرجل الأول في الشاويةوزير الداخلية الأسبق ادريس البصري أراد أن يكون لمسقط رأسه منفذ بحري! وهكذا بدل أن يكون التقسيم الجهوي سببا في التنمية، فإنه يتحول بفعل هواجسه المركزية إلى معيق أساسي لأي فعل تنموي، ليحصد المغرب نهاية بؤسا جهويا يساهم في تعميق الجراح المجتمعية، ويساهم أيضا في إعادة إنتاج نفس الأوضاع الماسخة.
المجال السياسي
واستنادا دائما إلى مبدأ دينامية المركزية التي تحكم استغال الضبط السوسيوسياسي، يطرح المجال السياسي كهدف أثير لأعمال منطق الضبط وإحكام القبضة على مختلف التضاريس الإجتماعية، فالدولة المخزنية تصبو دائما إلى إدخال "السياسي" تحت معطفها التوجيهي، ضدا في عمليات التغيير، أو الذي تمارسه سرا وعلنا، وبما أن الضبط المجالي هو محاولة إعادة الإنتاج ومقاومة التغيير، فإن استهداف الحقل السياسي يدخل بدوره في صميم المشروع المخزني/الإحتوائي! فمن خلال عمليات التقطيع الإنتخابي يتم ضبط المجال السياسي وتحديد خرائطه وهياكله المحتملة، وما يعتمل في عمليات التقسيم الجهوي والإقليمي يكاد ينسحب بدرجة عالية على التقطيع الإنتخابي. وبحكم المجال "السياسي"، فإن الضبط هنا لا يقف عند حدود إنتاج وإعادة انتاج الدوائر الإنتخابية التي تخدم مصالح محددة سلفا، ولكنه يتجاوز ذلك إلى صناعة النخب السياسية، وخلق "القبائل الحزبية" واستحداث المؤسسات الكفيلة لإرضاء الجميع وتمييع الفعل السياسي وضمان الإستمرارية. أفلا يندرج خلق غرفة ثانية في البرلمان في استراتيجية الضبط السوسيوسياسي للمجال؟ ألا يرتبط دعم المخزن لتفريخ الأحزاب ورعايتها (دعم الصحف والحملات الإنتخابية)، ألا يرتبط ذلك كله بالضبط المخزني للمجال السياسي؟ أولا يعكس ذلك كله تطورا في أشكال الضبط والمراقبة؟
إن التخوف الدائم من انفراط السبحة هو الذي يقود المخزن إلى إبداع أشكال جديدة للضبط والتي سرعان ما يفتضح أمرها - تعتمد أساليب اجتماعية اقتصادية وثقافية ...فجمعيات "السهول والوديان" تعبر فعلا عن تطور آليات الضبط، وتعكس أيضا الحضورية المطلقة للهاجس الأمني الملازم لهذا التطور، ما دامت رئاستها وتدبير شؤونها تبقى حكرا على الأعيان.
لكن ألم تنفرط السبحة بعد؟ ألم يتراجع الضبط المخزني؟ ألم يصبه الإفلاس؟ إن الإصرار على تقوية آليات الضبط السوسيوسياسي واعتماد الهاجس الأمني كدافع مركزي للإحتواء وتدبير المجال، يدل بقوة على أن المخزن يستشعر محدودية فاعليه، ولهذا يهرع في كل حين إلى إبداع مزيد من الأدوات الإيديولوجية، المؤسساتية، والقمعية أيضا لتأكيد وجوده وضمان استمراره كمالك أول لوسائل الإنتاج والإكراه في المجتمع. فالتدبير الإجتماعي للمجال لا تحدده الإعتبارات التنموية المواطناتية، بل تحركه بشكل أدق مصالح مالكي هذه الوسائل الإنتاجية والإكراهية.
وإن احتلال المجال من طرف المعطلين وتحوله إلى فضاء للإحتجاج الإجتماعي بالرغم من كل الضراوة والشراسة التي تبديها أجهزة القمع والتنظيف الإجتماعي يعني - فيما يعنيه - انفراطا لحبات السبحة. وفضلا عن ذلك فالمطالبة أخيرا "بوحدة المدينة"، وإعادة النظر في التقسيم الجهوي وتدبير المجال السياسي تدل على فشل وسائل الضبط الحالية، لكنها في الآن ذاته تخفي إرادة مخزنية للإحتواء، لأن الضبط السوسيوسياسي للمجال اختصاص مخزني بامتياز لا يمكن التفريط فيه بالمرة، إنه من أهم آليات إعادة إنتاج "الإجتماعي" وتكريس مبدأ مركزية السلطة والهيمنة، فمتى نستوعب الدرس ونعي جيدا حقيقة تدبير المجال هنا والآن؟!
* باحث في علم الاجتماع من المغرب



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن