من هو العدو ؟

جواد بشارة
jawadbashara@yahoo.fr

2002 / 11 / 1

 / باريس

  

يقول المثل العربي  المشهور " ألف صديق ولا عدو واحد"ولكن كيف يتسنى لنا التمييز بين العدو والصديق ؟ وكيف يمكننا تحديد هذا العدو؟ هل هو موجود بشكل واقعي ملموس ذو وجود فيزيائي أم هو مجرد مفهوم وفكرة  وصياغة معنوية ؟ وهل العدو واحد أم هو مجموع ؟

هناك بالطبع " العدو السياسي" الذي يمكن أن يكون فرد أو جماعة  ، حزب ، أو دولة ، أو تيار أيديولوجي  الخ ...

المثال الأقرب إلينا نحن العرب هو " العدو الصهيوني " فلايمكننا تشخيصه وتسميته بغير هذه " الصفة " فهو " العدو " بإمتياز " لأنه يخوض ضدنا حالة صراع دموي منذ أكثر من نصف قرن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تقريباً وهو عدو لأنه ليس صديق ولا  شريك  ولا قريب ، إنه تجمع هجيني من جميع أنحاء العالم أودته ظروف دولية إستعمارية وزرعته في داخلنا كالورم السرطاني الذي لايمكن معالجته إلاّ بالإستئصال  بعملية جراحية مؤلمة " تأخذ شكل الحرب والمقاومة والنضال  الخ ... " ولكن هل هذا هو العدو الوحيد لنا نحن العرب ؟ يمكننا تشخيص عدو آخر لايقل خطورة وأذى علينا لكنه عدو معنوي وليس فزيائي  إنه " مفهوم Concepte " يمكننا أن نشخصه بسهولة وهو الإعلام الغربي ـ الصهيوني ، الذي تسيطر عليه الصهيونية " العدو الأول الذي ذكرناه قبل قليل " . والإعلام الغربي يحاربنا بكل قوة وشراسة ويعمل على تاليب الرأي العام العالمي ضدنا في كل وقت وفي كل مناسبة ، خاصة إذا ساعدته الأحداث والظروف ، كما يحدث اليوم على إثر الهجمات الإنتحارية التي أصابت نيويورك وواشنطن ، وقبلها التفجيرات التي هزت فرنسا في أواخر سنوات الثمانينات وغيرا من العمليات " التي يسميها هذا الإعلام العدو بـ ( العمليات الإرهابية ) " .

الأعداء كثيرون ولايحصون، لكن أخطر عدو للإنسان على مر التاريخ هو " الفقر " مما دعى الإمام علي قبل ألف وأربعمائه عام لأن يطلق صيحته المشهورة " لو كان الفقر رجلاً لقتلته " ولا داعي للغوص في تأثيرات هذا العدو الذي يفتك بالملايين . وهناك عدو آخر هو المرض العضال " السرطان والسيدا ـ أو الأيدز ـ الذي لم تستطع البشرية رغم تقدمها التكنولوجي  والعلمي من السيطرة عليه وتدميره . وبعد ذلك أليس  غياب الحرية  والديموقراطية  وانتشار الاستبداد والظلم وخنق الحريات ومصادرتها " عدوان  سافر على الإنسان أينما كان " ؟

إن مقولة إعرف عدوك تتحول إلى شعار سوريالي يفوق التصور والقدرة على الإدراك إزاء هذا النوع من الأعداء . والقائمة لاتنتهي بهؤلاء ، فالإمبرالية عدو ، والعولمة في بعض جوانبها وتطبيقاتها ، عدو ، والتطرف عدو ، والإرهاب ـ خاصة إذا كان إرهاب الدولة ـ عدو ، والجهل عدو ، والتخلف عدو ، والأمية عدو الخ ...

فأين  الأصدقاء من كل هذه الجحافل المعادية للإنسان عماة وللإنسان العربي بصفة خاصة ؟

يقول احد الفلاسفة " إن الإنسان عدو نفسه " وهذا ما أثبته تاريخ البشرية منذ ظهور الإنسان على الأرض . في البداية ووفقاً للنص الميثولوجي  كان هناك عدو واحد للإنسان هو الشيطان . لكنه سرعان من تخلى عن مكانه للإنسان نفسه لكي يكون عدو نفسه فقتل قابيل أخاه هابيل حسداً وغيرة . وإستمر مسلسل التدمير والقتل والعداوات عبر آلاف السنين ولم ينته بعد . فالعدو في كل الظروف والأحوال حالة مجردة ونسبية وذاتية مرتبطة بالزمن وبزاوية الرؤية وبمنطق الحسابات . ينبغي أن نشير إلا أن العدو ليس بالضرورة عدائي فقد يكون هو الضحية والمظلوم من وجهة نظره فالإسرائيليون يعتبروننا أعدائهم وهم مقتنعون بذلك ويتصرفون على هذا الأساس ، لكننا لسنا عدائيين بل أصحاب حق ندافع عن أنفسنا ، من وجهة نظرنا نحن فنحن في نفس الوقت أعداء وضحايا .

الدين عدو الإلحاد والإلحاد عدو الدين . هذه مقولة باتت شبه بديهية . لكن الإنسان العلماني ـ المادي ، لايعتبر الدين بالضرورة عدواً له إلاّ إذا كان الدين " سلطة " تفرض نفسها بقوة الللاح والعنف . بينما المتدين  المطبق  والمؤمن يعتبر الإلحاد عدوه اللدود  .العلم عدو الجهل ، لكن الجاهل لايعتبر العلم عدوه اللدود ، بينما الرجل العالم والمتعلم يعتبر الجهل عدوه اللدود . وهنا تطرح علينا مسألة الأولويات . كيف تحدد عدوك كأولوية ؟

أول عدو داخل  العالم العربي يحظى بالأولوية هو حالة الإنقسام والتشظي والتفرقة والصراعات الداخلية وغياب التضامن والتنسيق ووحدة الهدف والسياسة الخارجية الموحدة، وأول عدو للعالم العربي في خارجه  ويحظى بالأولوية هو العدو الصهيوني بكل تأكيد .وعدا ذلك فالأعداء نسبيون ويأتون بالدرجة الثانية في سلم الأولويات .

 

  



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن