انتخابات 2007 بالمغرب: المخزن و القبائل الحزبية أمام الامتحان الصعب

عبد الرحيم العطري

2005 / 5 / 6

مع انبلاح كل فجر جديد, تتقلص المسافة بيننا وبين موعد الحرب! ومع انعقاد كل مؤتمر أو تفريخ أي "إطار", يتأكد قويا بأن الاستعدادات متواصلة لدخول غمار هذه الحرب. ولا عجب, فالانتخابات هي, في البدء والختام, مجرد حروب سلمية –وربما غير ذلك مغربيا- للتداول على السلطة والاستئثار بها! فهل ما يحدث, هنا والآن, يؤثر على دينامية المؤتمرات الحزبية المتناسلة وهذا "التفريخ الجمعوي" على حركية إيجابية تنتصر للوطن وأحلامه الموقوفة التنفيذ؟! هل يعكس هذا التسابق المحموم نحو المكاتب المسيرة, فعلا سياسيا ينضبط لخلفية حداثية؟ أم أن هذا المخاض يبقى مجرد تمرين أولي استعدادا لما يمكن أن يخرج علينا به الموعد الانتخابي القادم؟!
يبدو ظاهريا من خلال مؤشرات عدة, أن الموعد إياه سيكون مختلفا, ليس فقط لأن "المسؤولين جزموا بأنه سيكون موعدا مع النزاهة والشفافية، و أنه أول اختبار حقيقي و كامل لا منقوص للعهد الجديد, ولكن لأنه سيكون بمثابة امتحان صعب لجميع الفاعلين, يتم فيه اختبار قواعد اللعبة من جديد, في ظل ظروف محلية ودولية مختلفة!
وفي انتظار هذا الموعد المختلف لا مناص من التساؤل حول حدود اللعبة الانتخابية ومحدداتها هنا والآن, ولا بد من طرح التساؤلات الشقية حول عناصر اللعبة تحديدا, بدءا من المخزن الذي يعد قبلا خارطة اللعب ويوجه لاعبيها بسبب إصراره على الاختراق الكلي لتضاريس المجتمع, ومرورا بقبائلنا الحزبية التي لم تتشبع بعد بالقيم الديمقراطية والحداثية. وانتهاء بالراغبين في المشاركة في هذه الحروب سواء كمرشحين أو كمصوتين أو كرافضين جملة وتفصيلا لما يمكن أن يأتي به انتخابات 2007!
الاختراق المخزني
إن استراتيجية اشتغال المخزن في المجتمع المغربي تتأسس على الاختراق كفعل يصبو إلى تسجيل الحضور في جميع الحقول الاجتماعية، فالمخزن يحرص على اقتحام ما لا يقتحم, فهو لا يكتفي بالمراقبة, بل يعمد إلى التوجيه والتدبير والمشاركة أيضا في صنع ملامح المستقبل, وبذلك لا يمكن تخيل فعل ما أو لحظة ما, يسلم أو تسلم من المخزنة, إنه الحضور الكلي والمتجدد لجهاز مؤسسي يجيد الاختراق منذ البدء!
فجميع التجارب الانتخابية التي عرفها المغرب, سجلت هذا الحضور, وبذلك لم يبق المخزن خارج لعبة الانتخابات, بل إنه أنتج خيوطها و وجه أحداثها ومساراتها في الاتجاه الذي يخدم مصالحه بالدرجة الأولى, وارتباطا بهذا السياق, تنطرح أمامنا عمليات إنتاج وإعادة إنتاج الخارطة السياسية بقبائلها ولاعبيها عند كل استحقاق انتخابي, وهي العمليات التي تدرب النظام عليها جيدا, إذ لا يتعذر عليه مطلقا "تفريخ" حزب ما في زمن قياسي ومنحه بالتالي مقاعد في البرلمان تساوي ما تحصل عليه أحزاب أخرى تفوقه تاريخا ورأسمالا رمزيا!!
فمن خلال مؤسسة القايد, الشيخ, المقدم, يستطيع النظام المخزني تسجيل حضوره النوعي في المشهد المجتمعي ويتمكن بالتالي من ترك بصماته واضحة على المستوى السوسيوسياسي والذاكرة الانتخابية تعج بصور صادقة عن هذا الاختراق المخزني الذي يضطلع به هذا الثلاثي في القرية أو المدينة. لكن هل ما طرق أسماعنا قبلا من حديث عن العهد الجديد والمفهوم الجديد للسلطة, وما رافق ذلك من تغيرات على مستوى وزارة الداخلية المجسدة بقوة للنظام المخزني, هل هذا كله يمكن أن يحد من فعالية الاختراق المخزني للعبة الانتخابات؟ فهل سيكتفي المخزن بالإشراف دون أن يتجاوز ذلك إلى التوجيه و"الطبخ"؟! هل سينتهي عهد التزوير؟ أم أن التمكن من تقنيات التزوير يقود إلى إبداع أساليب جديدة لا قبل لنا بها؟! إن المخزن اليوم بمؤسساته وآليات اشتغاله أمام امتحان صعب, يمنعه من سلوك ما تم تحصيله خلال الاستحقاقات السابقة من ممارسات مأسوف عليها, ليس أمامه إلا أن يكون كما تقتضي الديمقراطية خطابا وممارسة. لكن هل بإمكانه الانضباط لهذه الخلفية الديمقراطية وشبح الإسلاميين يقض مضجعه خصوصا بعدما أثمرت "الأحزاب التقدمية" الكبرى إفلاسها في ظل تجربة التناوب؟!
القبائل الحزبية
لكن ماذا عن الأحزاب الخارجة من أحضان القبيلة؟ ماذا عن الأحزاب التي تجمع بين أعضاء مكاتبها السياسية آصرة القبيلة أكثر من آصرة الهم السياسي الوطني؟! وهل في مقدورها دخول هذه الانتخابات بقيم جديدة تتجاوز الانتخابوية الرخيصة إلى الحس المواطناتي؟ وهل استطاعت القطع مع ماضيها الملوث الذي تفوح منه رائحة الارتشاء وشراء الأصوات؟!
إن التشريح السوسيولوجي للظاهرة الحزبية يقود إلى الاعتراف بالامتداد القبلي والانطلاق الزاوياتي كما يقول نور الدين الزاهي, فمن رحم القبيلة والزاوية خرج الحزب المغربي, ويتراءى هذا المعطى الجينيالوجي في الامتداد والاشتغال, وما الأساليب التي يتم بواسطتها إعداد المؤتمرات الحزبية وما تفرزه أيضا من هياكل مؤسسية, إلا تأكيد على أننا حيال قبائل حزبية ليس إلا!! فزعيم القبيلة باق فيها وعلى رأسها. إنه لا يعرف التقاعد السياسي, إنه شخصية كاريزمية لا تقبل الدخول في متاهات التصويت وفرز الأصوات, ولهذا فهو يختار بالإجماع بالتصفيق أو بالزغاريد! والمكاتب العليا لا يمكن بالتالي أن يصل إليها كل من يطمئن للعبة ولا يهرع إلى شراء مقعده, والنتيجة في النهاية هياكل قبلية لم تحدث القطيعة مع ما هو تقليدي ولم تنخرط بعد في أتون الحداثة! فكيف سيكون الموعد القادم بالنسبة لهذه القبائل؟ هل ستتمثله كموعد انتخابي لا يختلف عن سابقيه؟ وبالتالي فإنها لن تتصدى له إلا بآليات جديدة حفاظا على خطابها ووجودها أيضا من الترهل والضمور!!
إذن فقبائلنا الحزبية باتت في عمق الاختبار الصعب, فالاستحقاق الانتخابي بالنسبة للمواطن العادي هو زمن تفريخ المكبوت السياسي, هو زمن المحاكمة الذي يستطيع أن يجهر فيه قائلا "اش درتو لينا", ويقفل الباب في وجه المرشحين الذين يخطبون وده ويرمي أوراقهم الدعائية بل ويرفض الحديث إليهم!! ولعل الأزمة الداخلية التي وصلت إليها الكثير من قبائلنا الحزبية مضافا إليها النتائج الهزيلة للحكومة, واستمرار الأوضاع الكارثية على مستوى العطالة وحقوق الإنسان والسكن والتطبيب.. كل ذلك من شأنه, أن يجعل انتخابات 2007 مناسبة أخرى لفقدان آخر ذرات المصداقية بالنسبة لهذه القبائل. فمتى تستوعب الدرس؟
ولد الحومة... ولد القبيلة
وإذا كان المواطن هو قطب الرحى في هذه الحرب التي يجري الاستعداد لها بلا انقطاع عبر تجديد الهياكل وتأسيسها وكذا بواسطة التراشق وتبادل الاتهامات!! إذا كان الأمر كذلك, فكيف يساهم ذات المواطن ،المغلوب على أمره طبعا ، في صنع الحدث؟! كيف يتأتى له الاختيار والمساهمة بالتالي في صنع الخريطة السياسية؟! فما هي محددات السلوك الانتخابي مغربيا؟! إن التصويت يكون بنسبة عالية لصالح من له علاقة مع المخزن, يعني من له "الكلمة" مع المخزن, وفضلا عن ذلك فعامل القرابة يلعب دورا فاعلا في تحديد السلوك الانتخابي, فقبائلنا السياسيةتعتمد في الحملات الدعائية إلى "ترسيخ السلوكات السياسية التقليدية بالتركيز على الشخص وعلى العائلة والعلاقات العشائرية". إن مصطلحات "ولد الحومة", "ولد الدوار", "ولد القبيلة" حاضرة بامتياز في اللعبة الانتخابية. بل, إنها هي المسؤولة, وإلى حد كبير, عن احتمالات الرسوب أو النجاح في هذا الامتحان. والواقع أن هذا الوضع له اتصال وثيق بالنمط التنشئوي الاجتماعي الذي يساهم في تدجين الأفراد وتعليب وعيهم بما يجعل الولاء للعائلة والقبيلة مسبوقا على الولاء للوطن. إن الفرد في المجتمع العربي عموما لا يوجد إلا ضمن الجماعة, بل إن فاعليته الاجتماعية لا تتأكد إلا داخل الجماعة الأولية. وهذا ما يظل محددا لمجل سلوكاته حتى الانتخابية التي تفترض تغليب المصلحة العامة على الخاصة وتستوجب "الكفر" بالولاء القرابي والقبلي لصالح اختيارات عقلانية حداثية! وبما أن أنماط التنشئة التقليدية متواصلة باطراد في جميع الحقول الاجتماعية, فإن مفاهيم "ولد الحومة" و"ولد القبيلة" ستحافظ على تألقها وحضورها خلال حروب شتنبر المغربي, بحيث لن يكون التصويت على البرامج الطموحة المتشابهة التي تنجح بها الأحزاب, ما دام السلوك الانتخابي نابعا من رقم النمط التنشئوي السائد محليا!!
الحراك الاجتماعي
ودائما في إطار تشريح العناصر الفاعلة في اللعبة الانتخابية, وبهدف كشف أوراقها ومقاربة طرائق اشتغالها, نصادف "المرشح" كفاعل انتخابي يستجدي أصوات المواطنين للظفر بمقعد ما, فما هي ملامح هذا الفاعل؟ وما هي الدوافع الثاوية وراء انخراطه في اللعبة؟ وكيف يتمثل هذه الانتخابات؟
إن "الحروب السلمية" التي تصبو إلى تحقيق التداول على السلطة, تجعل المشارك فيها من المرشحين تحديدا مستحضرا لاحتمالات الربح والخسارة. وبالطبع, فلكل احتمال ثمنه الخاص وإمكانياته وفعاليته التي تنطرح على طول المرحلة, لكن الاحتماء بالمخزن والاستفادة من خيراته يظل هاجسا مركزيا يؤطر هذه الاحتمالات, ذلك أن المرشح لدينا لا يلهت وراء "التزكيات الحزبية" ولا يعقد التجمعات الدعائية ولا يضطر إلى صرف الأموال حبا في خدمة الصالح العام وفي الدفاع عن "المعتقدات الحزبية", أبدا, إنه لا يفعل ذلك إلا بهدف الحراك الاجتماعي, لحيازة مكانة أفضل في النسيج السوسيوسياسي. إن المرشح كفاعل انتخابي يستجدي أصوات المصوتين, يحلم بالحراك الاجتماعي الرأسي ليتحرر من أوضاع مأزقية أو ليواصل التألق في سماوات المخزن والقبائل الحزبية. وهذا يظهر بجلاء في جيوش المعطلين والأميين والأثرياء أيضا الذين يصرون على دخول غمار هذه الحروب بوعي سياسي هش!
فالانتخابات, بالنسبة لهم ولغيرهم, مناسبة مواتية للحراك الاجتماعي خصوصا بعد خذلان الشهادات الجامعية وتدهور الظروف المعيشية. أو بسبب الصعوبات البيروقراطية بالنسبة للأغنياء الذين يرشحون أنفسهم كممثلين للمواطنين في الهيآت المنتخبة. إن هؤلاء جميعا لا يجرؤون على دخول المعمعة بدون وجود مطامح ذاتية وأخرى موضوعية لا تنأى عن الرغبة الجامحة في إثراء الرأسمالين المادي والرمزي, لتظل الدوافع المعلن عنها في الحملات والاجتماعات, من حس وطني وغيرة على المواطنين مجرد خطابات مجانية لا تبرح مكان بثها!!
فما الذي ننتظره من "فاعلين" من هذا النوع؟ ما الذي نتوقعه منهم في معركة الانتخابات المغربية وما بعدها ؟ هل سيتجاوزون ألعاب "السيرك" وسينتقلون إلى تضميد الجراح الوطنية التي لم تندمل بعد؟ أم أنهم سينشغلون بتحصيل ما "خسروه" من أموال في عمليات شراء الأصوات؟! على كل, إن الصبح لناظره لقريب.
أدوات الاشتغال
لكن, كيف تشتغل الآلة الانتخابية لدينا؟ كيف يشتغل فاعلوها مع احتدام والتهاب السعار الانتخابي؟ كيف يكون الموعد إياه؟ وما هي أدواته وأسلحته ما دام الأمر يتعلق بحروب سياسوية للأسف؟!
وبالطبع, فلن تعوزنا الإجابات ما دامت الذاكرة الانتخابية لدينا تجيش بذكريات صادمة معبرة بقوة عن "الهولوكوست" الديمقراطي, فتجربة تزوير الانتخابات كافية لإبراز أدوات الاشتغال. وهي الحوادث التي وقعت بعيد توقيع التصريح المشترك وتعهد الجميع باحترام المبادئ الديمقراطية التي تتأسس عليها اللعبة الانتخابية. ولن نذهب بعيدا أيضا, فما حدث مؤخرا في إطار العديد من الانتخابات التشريعية الجزئية, يؤكد أن تجديد أدوات الاشتغال أمر مستبعد الحدوث!!
استعمال المال, شراء الأصوات, حرب العصابات, الاحتماء بالمخزن, الحياد البارد للمخزن, استعمال بطائق الأموات, طبخ المحاضر, التقطيع الانتخابي... إنها أدوات حية لاشتغال الفاعلين الانتخابيين في الاستحقاقات الفائتة التي نعتقد أن آثارها ستتواصل وستتطور وبأشكال جديدة تمتح من سابقاتها!!
إن خطاب النوايا لا يكفي, لأن اجتثاث مثل هذه المظاهر السلبية, يتطلب فعلا إجرائيا ينطلق من بلورة مشروع مجتمعي شامل يتأسس على المساواة والعدل, وما دامت أحزمة الفقر تسيج مدننا وقرانا, وما دامت العطالة تنهش أحلامنا, وما دام "الذين هم فوق" يستمرون في التعالي والتعملق على حساب الذين هم تحت, فإن "الهولوكست" الديمقراطي المغربي مستمر لا محالة و حاضر من غير شك في انتخابات 2007 و بمسوح جديدة ربما لاقبل لنا بها , فكيف نطلب من شاب معطل غارق في اليأس, ألا يبيع صوته؟ وكيف نناشد فقراءنا الذين هدهم هذا الزمن الرديء ألا يئدوا ضمائرهم ويلهتون وراء من يشتري أحسن؟!
في انتظار...
لكن, هل قدرنا أن نظل في غرفة الانتظار وإلى الأبد؟! أن ننتظر "مهدينا" أو "مسيحهم" أو "غودوهم"؟!أن ننتظر حدوث المتوقع وغير المتوقع؟! إلى متى؟! لقد "عاف" المواطن مظالم الهولوكست الديمقراطي! لقد عاف ألعاب "السرك" التي تجري تحت قبة البرلمان, وملَّّ أيضا مما يعتمل في رحاب المجالس القروية والبلدية من حروب رخيصة تأتي على آخر ذرات كرامة الوطن والمواطنين!!
وفضلا عن ذلك, فالتحديات التي يحملها إلينا قسرا عصرنا هذا, لم تعد تقبل بهذه "السيبة", فالمخزن مطالب بالتحديث, وكذلك القبائل الحزبية لتجاوز منطق السيبة ولاحترام المواطن. وبالطبع, فالخروج من هذا الوضع يكمن في تحديد الإجابة الصارمة على مثل هذه التساؤلات: ما الذي نريده من الانتخابات؟ هل هي مجرد عمليات لتلميع الصورة وإثبات تعلقنا بالديمقراطية؟! فما الذي نريده فعلا من هذه الحروب في سنة2007؟!



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن