قانون تحرير العراق ..أم قانون إحتلال العراق..هذا هو السؤال!!

نجاح يوسف

2002 / 10 / 30

      

لننسى ما فعلته الولايات المتحدة من تدمير وقتل وحصار جائر وغش وخداع ,أثناء وبعد عاصفة الصحراء, وكيف إغتيلت انتفاضة الشعب العراقي في  آذار عام 1991على أيدي ما سمي حينذاك (الجيش الجمهوري المندحر) , عندما سمح القائد الأمريكي شوارتزكوف لقوات صدام باستخدام المروحيات والدبابات وصواريخ أرض أرض لسحق وقتل مئات الألوف من أبناء شعبنا البررة عربا وكردا ومن سائر القوميات.. وما نتج عن ذلك من جراء سياسة النظام والولايات المتحدة على حد سواء من تدمير للبنية التحتية, وإفقار الشعب العراقي, وتمزيق نسيجه الإجتماعي, وهجرة ملايين العراقيين , وبروز ظواهر غريبة لم يعرفها شعبنا من قبل...دعونا ننسى كل هذا , ونحاجج أقوال وأفعال الإدارة الأمريكية فيما يخص مشروعهم المرسوم للعراق حاضرا ومستقبلا..

 

صرح العديد من الأعضاء البارزين في الإدارة الأمريكية ومنهم وزير الدفاع رامسفيلد ..نعم رامسفيلد , الذي صافح صدام عام 1984 , عندما كان الأخير يستخدم الأسلحة الكيمياوية ضد القوات الإيرانية , في الحرب التي شنها صدام ونظامه نيابة عن الولايات المتحدة كما صرح بذلك طارق عزيز ... صرح هؤلاء الموظفون بأنهم سيحررون الشعب العراقي (الذكي والموهوب) من دكتاتورية صدام حسين.. كما أعلن بعدها زلمان خليل زاد, وهو عضو في مجلس الأمن القومي والمستشار الخاص للرئيس بوش في شؤون الشرق الأدنى , في ندوة في جامعة جورج تاون , بأن الشعب العراقي ليس عدونا وسنذهب إلى العراق كمحررين وليس فاتحين..وأكد ثانية " هدفنا تحرير العراق وليس إحتلاله" ...هل حقا هذا هو الهدف من الحرب إذا؟

 

لننتقل قليلا إلى ما سرب إلى الإعلام الأمريكي من قبل البنتاغون والإدارة الأمريكية ..وملخصه , ان الجنرال تومي فرانكس سيلعب دورا مشابها للدور الذي لعبه الجنرال مكارثر بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية, وإذا كان هذا هو الدور المرسوم لهذا الجنرال , فسيصبح بطبيعة الحال حاكما مطلقا على العراق ... ومن اجل كسب ود الشعب العراقي , لربما سيقتطع هذا الجنرال , صفحة من كتاب نابليون في مصر , ويشهر إسلامه , او ربما يغير إسمه إلى عبد الباري التكريتي!!

 

(محررين وليس فاتحين) ..لماذا تبدو هذه المقولة معروفه للعراقيين؟ ليس غريبا , فالعراقيون يتذكرون تأريخ بلادهم جيدا..في عام 1917 , وعندما دخلت القوات البريطانية بغداد , أعلن الجنرال مود , القائد العسكري الإنكليزي حامل شعلة (الحرية والتمدن) : " لقد جئنا إلى هنا ليس فاتحين ولكن محررين!!" علما بأن رحلة الجنرال مود من البصرة إلى بغداد استغرقت ثلاثة اعوام , حيث حاربته العشائر العراقية إلى جانب القوات العثمانية .. ويبدو ان هذا الجنرال صدق ما ردده مع نفسه , بأنه جاء ليحرر العراق , فأقيم له تمثالا , وهو على صهوة جواده , ونصب  في إحدى ساحات بغداد في جانب الكرخ ..ويبدو ان العراقيين , وبعد ان شعروا بوطئة وتنامي ثقل بقاء القوات البريطانية على إرضهم ,وتدخلها في كل صغيرة وكبيرة ,  قرروا الإستغناء عن هذه القوات , وكانت ثورة العشرين المجيدة.. وعلى الرغم من سحق ثورة العشرين وسقوط آلاف الضحايا , (وبالمناسبة , لقد إستخدم الجيش البريطاني الأسلحة الكيمياوية ضد المنتفضين العرب في الجنوب والأكراد في الشمال), فقد هرع الإنكليز وجلبوا الأمير فيصل بن الحسين و الذي سبق وان خذلوه بعد ان اصطف معهم في حربهم ضد العثمانيين, ,فعينوه ملكا على العراق من خلال (لويا جيركا النسخة  البريطانية) حيث حصل الأمير فيصل على 96% من الأصوات , وأسسوا الدولة العراقية عام 1921 .. أليس لهذه الأحداث شبه بأحداث أفغانستان؟

 

بقي تمثال الجنرال مود رمزا للهيمنة البريطانية على مقدرات البلاد,, وكانت الحكومات التي تتعاقب تأتمر بأمر الحاكم الفعلي وهو بريطانيا ..وكما قال الشاعر العراقي الراحل معروف الرصافي يصف بها الدولة العراقية حينذاك  :                                                        علم ودستور ومجلس أمة     كل عن المعنى الصحيح محرف

أسماء ليس لنا سوى ألفاظها   أما معانيها فليست تعرف !

وبعد ذلك توالت انتفاضات الشعب العراقي حتى تحقق النصر في 14 تموز عام 1958 حيث اندفع هدير الشعب العراقي وهو يهتف بسقوط الإستعمار, وانطلقت الجموع الغفيرة إلى رمز الإستعمار, تمثال مود , ودحرجته من قاعدته وحطمته ,وطردت القوات البريطانية المرابطة في معسكر الحبانية والشعيبة ,  وبذلك طويت صفحة الهيمنة البريطانية المباشرة على العراق.. ولكن العراق وشعبه وثروته النفطية بقي مركز إهتمام وحقد هذه القوى , فلقد صرح أحد الساسة البريطانيين عقب ثورة 14 تموز " علينا إعادة هذا الحصان الجامح إلى الأصطبل !!" .. وهذا ما حدث حين أسرع قطار أمريكي وارتطم ودك جدار الجمهورية الفتية الهش , بسبب غياب الحريات الديمقراطية وتمزق الجبهة الداخلية ..فارتكبت الجرائم البشعة بحق كل الوطنيين , عربا وأكرادا وكلدو آشوريين وتركمان..ومنذ ذلك التأريخ  , شباط المشؤوم عام 1963 , والحكم في العراق ينتقل من حمام دم إلى آخر..

 

وبقي ان نعرف بأن الجنرال فرانكس وهو يعد نفسه لمنصب الدكتاتور الجديد على العراق ,بعد أن يزيح الدكتاتور (الصديق- العدو) صدام طبعا.. هل سيغادر العراق مع قواته بعد إنتهاء مهامه, أم سيقيم له تمثالا وهو على ظهر دبابة , أو برميل نفط ملوحا بأصابع النصر , ويأمر بنصبه في جانب الرصافة هذه المرة , وفي مدينة الثورة بالذات ؟؟ فالمهام الملقاة عليه كبيرة , فعلبه أولا تنصيب حكومة (ديمقراطية) من خلال مجلس (لويا جيركا) الأفغاني –الأمريكي...ويصفح عن جنرالات صدام (التائبيين) ويضمهم إلى الحكومة (الديمقراطية) المرتقبة, ثم يضمن العقود التجارية الناتجة عن إعادة بناء الإقتصاد العراقي , ويضع منابع النفط وآباره تحت تصرف الشركات الأمريكية ..أليس هذا الذي جاء به إلى هذه القفار؟ أم إنه نسي شيئا آخر ؟ آه نعم ..لقد جاء من أجل تحرير العراق , ومن أجل سواد عيون العراقيين والعراقيات .. أليست الولايات المتحدة وما زالت محررة الشعوب ورافعة لواء الحرية والديمقراطية في كل مكان..؟؟ من هيروشيما وناكازاكي , إلى الفيتنام ودول الهند الصينية , وآسيا وأميركا اللاتينية , وأفريقيا والشرق الأوسط , والصراع العربي الإسرائيلي, كلها أمثلة صارخة على إنسانية وحسن نوايا الولايات المتحدة تجاه الشعوب المظلومة!!

 

لقد قال أحدهم يوما , بأن التأريخ يعيد نفسه ..في المرة الأولى يعبده كمأساة , وبالمرة الثانية كمهزلة.. لربما سيعيد التأريخ نفسه للمرة الثالثة , ولكن بمأساة ومهزلة معا .. ولربما أيضا سيصبح تمثال الجنرال الجديد فرانكس مزارا للعراقيين يحجون إليه ويتباركون به عند الشدائد !! إذ ان كل شيئ وارد في هذا العصر,  عصر الزمان الردئ!!    

 



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن