الوطنية-، شعار لتحميق الجماهير!

سامان كريم
saman.karim5@gmail.com

2002 / 10 / 27

"الوطنية"، شعار لتحميق الجماهير!

 

لقد أصبحت مقولة "الوطنية" داخل مختلف إتجاهات المعارضة البرجوازية العراقية، من أقصى يمينها إلى أقصى يسارها، مفهوماً دارجاً ومشتركاً، وينشدون لها كل أناشيد التمجيد و التبجيل والمعاني الثورية، دون أن يحددوا لها اية معاني واقعية وموضوعية، ناهيك عن عدم وجود اي توضيح او إستدلال لهذه المعاني من قبلهم. هذا العصا السحري الذي يرفعها كل إتجاهات المعارضة، ويرفرف فوق رؤوسهم لتجميل يافطاتهم المفعمة بالأكاذيب والتضليل، والذي تشبعت بها كل برنامجهم ومواثيقهم و لوائحهم التي لاتحصى، بحيث لا يمكن معها فصل اليسار عن اليمين داخل صفوفهم، كلهم يتشدقون بها من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق حتى الحزب الشيوعى العراقي، ووصلت بهم الحد إلى تسمية كل إئتلافاتهم وتحالفاتهم بالوطنية. ومع هذه االحالة فهل هناك أية موضوعية للوطنية؟! هل هناك حد فاصل بين الوطنيين و غيرهم من الناحية الواقعية والسياسية؟! لماذا رفعوا هذه الإسطورة الوطنية دون غيرها؟! أحاول في هذا المقال أن اجيب على هذه الاسئلة.

"الوطنية" تلك المقولة المدللة في عقول المعارضة البرجوازية العراقية، اسطورة ليست لها اية معاني موضوعية وواقعية، سواء كان من الناحية الإقتصادية أو من الناحية السياسية. فمن الناحية الإقتصادية وفي ظل بلد مثل العراق الواقع تحت السلطة الإمبريالية، ليست لها اية أرضية نظراً لوجود إقتصاد راسمالي، الذي بسط علاقاته على ابعد الحدود منذ أكثر من 30 سنة، إقتصاد راسمالي من نمط خاص، اي الواقع تحت السلطة الأمبريالية من حيث، جوهر الإقتصاد الراسمالي، اي علاقة العمل بالراسمال، هذه العلاقة التي تدار حسب ابشع انواع الإستثمار والإستغلال للعامل، اي تأمين " العمل الرخيص"، منذ أن طبق قانون الأصلاح الزراعي رقم 90 وجرد الفلاحين من أرضيهم، وهاجروا من الارياف إلى المدن في سبيل تأمين لقمة العيش ولا يملكون شيئا" سوا بيع قوة عملهم للرأسمالي  (راسمال الدولة أو الخاص)، الامر سيان. المعارضة البرجوازية العراقية بكل ألوانها وإتجاهاتها ليست لديها بديل لمثل هذه الأوضاع، بل عليها أن ترسخ وتضمن ذلك، إذا سنحت لها الفرصة للوصول إلى سدة الحكم، اي إعادة الحالة السائدة من الفقر والجوع والبطالة وقلة الأجور وسلب الحريات السياسية للعمال والجماهير المحرومة وقمع الحركات التقدمية والتحررية و... اي تكرار نفس الفليم الذي شاهدناه خلال أكثر من 30 سنة، لا اقل بل أكثر قباحةً.

المفارقة العجيبة لدى المعارضة البرجوازية تظهر في حقل السياسة، حيث أختلطت عندهم المد والجزر، بحيث لا يوجد عندهم أي حد فاصل بينهم، كلهم يتحدثون عن الدعم الخارجي و أكثريتهم، لا بل القوى الأصلية منهم تذهب إلى العمل تحت إدارة " الإستعمار !" بصورة مباشرة مثل " مجموعة 6"، و هناك من بينهم من يقتنع بالإحتلال العسكري للأمريكا، وعليه فإن كل هذا يتناقض تناقضاً تاماً مع " الوطنية" في عهدها، التي تتلخص محتواها في طرد الأستعمار والقوى الإجنبية من البلاد. ومع كل ذلك تعزف برنامجهم ومواثيقهم وأهدافهم العامة " الوطنية" بكل ألحانها. " الوطنية" تلك الإسطورة، قد اصبحت عند المعارضة العراقية، العمل تحت قيادة الإمبريالية الأمريكية، هذا تشكل إلى ابعد مايمكن هزالة وضعف مثل ذلك الشعار ومحتواها الأجوف والخالي من المعاني الواقعية والسياسة والإقتصادية. وبهذا المعنى فلا يوجد داخل مختلف إتجاهات المعارضة البرجوازية من هو أكثر "وطنية" من الحكومة البعث إطلاقاً.

"الوطنية تعني حاليا" " اسطورة" لانه مضى مرحلتها منذ اكثر من قرن. اسطورة لانه ليس لها اية ارضية إقتصادية ترتبط بها، حيث هناك اقتصاد راسمالي تدار بالدم والحديد لتضمين " العمل الرخيص والعامل الخامد" في ابشع صوره. هذا الشعار اللاتأريخي، الذي يراد منها تضليل الجماهير،  تعني البقاء على الوضع الموجود على صعيد التطور والتحولات الإجتماعية، أي البقاء تحت تأثير الأفكار الإسلامية والقومية العربية العمياء، البقاء على قيد الحياة شرط أن يكون الإنسان خامداً لا يحتج على إضطهاده، البقاء ولكن دون الحريات السياسية، دون الرفاهية الأجتماعية، دون المساواة بين الرجل والمراة، دون فصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم، دون حق المواطنة المتساويةو... لأن " الوطنية" تعني ضمان بقاء العادات والتقاليد البالية، الرجعية القومية والإسلامية والعشائرية، ولكن المفارقة العجيبة المترتبة على مفهوم " الوطنية " عند المعارضة الرجوازية العراقية، يتمثل بدعوتهم لجماهير العراق إلى عدم الأخذ بالعادات والتقاليد الغربية، وهم في الوقت نفسه، يتحركون وفق التوجيهات الأمريكية ويعلقون كل آمالهم على صورايخهم.

بعد شرحنا" أعلاه للوطنية "، بإمكاننا أن نقول أن وطنية المعارضة العراقية، تعني عمل تحت إشراف وتوجيهات الولايات المتحدة والقوى الأخرى في المنطقة، تعني سلب الحريات السياسية و حقوق المراة، في المعارضة ناهيك عن السلطة، تعني إحترام كل العادات والتقاليد العشائرية والرجعية من أجل " الوطن"، تعني معاداة كل قيم الإنسانية في الغرب بذريعة "الوطنية "، تعني الوصول إلى السلطة بأية طريقة كان، اي الغاية تبرر الوسيلة عندهم، تعني تأييد ودعم الحصار الإقتصادي و إلقاء القنابل على العراقيين، تعني اعلمل على تعكير الأجواء لضرب العراق و مواطنيه، تعني قتل النساء وقطع رؤسهن بالسكاكين بحجة "غسل العار"، تعني ضرب الأطفال وعدم إعطاء حقوقهم، تعني سلب حقوق الشباب وتطلعاتهم، بذريعة " ضد العادات الغربية" ولكن هم مرتزقة للحكومات الغربية، تعني قمع وكبح الجماح الحركة العمالية لمصالح الوطنية العليا...

أخيراً، اقول " الوطنية" فاتت آوانها، ولا تحمل في طياتها اية معاني الثورية والتقدمية بل رجعية من رأسها إلى أخمص قدميها، الوطنيون في المعارضة العراقية، ليس في برنامجهم وجعبتهم شيئاً، سوى تكراراً وتردداً للسياسات والممارسات لاشد الحكومات الرجعية في الشرق الأوسط. 22/10

 



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن