عندما تكون في روما... تأمل معي البقية مع التقية

محمد بن امحمد العلوي
saad_7000@hotmail.fr

2013 / 5 / 10

عندما تكون في روما تصرف كما يتصرف الرومان، إنه مثال يتعدى العواصم و البلدان و التواريخ جميعها و يمتحن الشخصيات و الثقافات و العقائد مع الأعراف و ينتهك حرمات التحريمات و قوقعات الفكر المتحجر و نِزالاته المتجذرة مع التجديد و الانطلاق الحر،مثال يمكنك أن تقرأه فَهْمَا بأنه يحثك على احترام البلد الذي أنت موجود فيه .. عندما تكون في روما تصرف كما يتصرف الرومان، انها الحكمة و الفن الراقي و الرائع في كيفية العيش،و التعايش مع عادات الآخرين و ثقافتهم لكن البقية تأتي بدون أن تتخلى على هويتك أو ما تحمله من بذور لا يمكنك التنبؤ بملاءمتها لتلك الأرض..سمعنا في هذا الزمن عن عمليات قتل و ترويع الآمنين و تدمير و ترهيب فكري و جسدي عمليات اصطلح عليها إرهابية و كَأَنَّ الأمر جديد و لم يطرأ على تاريخ الإنسان منذ القديم، الجديد الآن هو ذلك اللبوس الذي ترتديه تلك الجماعات الإقصائية و الدغمائية حسب الزمن و الناس و الأدوات إنه طريق يقودنا إلى طرح السؤال القائل،
هل تعرف من أنت و ماذا تريد و كيف تصنع تحديك الايجابي؟
إنه سؤال الهوية و الشعور و الإرادة و جوابه فلسفي بالضرورة لكن نبحث فيه من منظور آخر يجبرك على القول إذا كنت تريد مواصلة القيام بالصواب و البحث عن الطريق غير المهلك بلا تقية أمام هذا الإفراط في التدين متوازيا مع الإفراط في الميوعة، أَمَلُكَ هو أن بحثك في المستقبل يتوقف على موهبة الصمت، في تأمل حكيم و نظرة متفحصة لما حدث قبلك و ما يجري من حولك.. و الصبر على المسير في حركة رشيقة رومانسية تسبق عرضا للقوة في ثبات و عزم أكيد على الانجاز دون تعدي على الخصوصيات، من قال إذن أن الرومانسية هنا دعوة للانكفاء و الخمول و من قال إن التدين علامة الفشل و التردي؟..وتلك الصلوات التي نجترح بها العجائب سلاح أكيد في محاكاة النصر غير المحظور و إضعاف الضعف والبقية الباقية من دعاة التعسف في الدين و الحياة و الرقي بالفكر غير النمطي..
نتساءل و نقول هل نجازف إذا اعترفنا بأن المستقبل حصن طبيعي إذا كان الماضي ملاذا آمنا لأفكار متعددة و آراء متنوعة و خبرات تقطع المسافات بين اليمين و اليسار مُشَكِّلَة جسرا بين مقولة "لقد فهمتكم" و بين ما يأتي بعدها من خطوات تقنن مفهوم المقولة حسب فهم و تطلع القائل و المتلقي معا في تناغم أخَّاذ،و ليس كمن قالها فوق تلال من الرؤوس المقطوعة و الأجساد المنهكة و الأرواح المقيدة و بعد تلك التقية المشبوهة في براءة الشعوب من كرامتها و تطلعاتها..
أي مستقبل تتطلع إليه و الحاضر خط يتشكل باستمرار بينهما أقول بلغة الفرسان المتعقلين الحكماء مذهل كم سيتغير عالمك و أنت تدعو إلى إعادة ابتكار عالم جديد قائم على تأمل أوفى لميراث عظيم من قيم التعايش و التسامح و الحياة المشتركة .
عندما نزور روسيا و نغوص في رواية "الجريمة والعقاب"نجد الروائي الكبير "ديستوفسكي" يركز على البطل المحوري "راسكولنيكوف" الشاب الرائع طالب الحقوق الذي دمره الفقر فخطط في هدوء داخل حجرته في تفاصيل الجريمة التي سوف يرتكبها في حق إمرأة عجوز مرابية في الستين من عمرها إسمها أليونا إيفانوفنا .. لقد كان يقول لسونيا ـ "أمر آخر أردت أن أكتشفه، شيء آخر دفعني. أردت أن أكتشف بقدر الإمكان وعلى وجه السرعة،هل كنت حشرة مثل كل الآخرين أم إنسان؟ هل أستطيع أن أتخطي الصعاب أم لا؟ هل كنت مجرد مخلوق جبان أو مخلوق لديه حقوق"، نستشف من دوافع الجريمة أنه ارتكب جريمته بغية تحقيق هدف يتخطى الغايات المادية المباشرة و يمكن اعتبار الفقر صعقة أججت فيه نار الانتقام لكنه هنا يبحث بشكل عدواني عن حرية التصرف و ضرب كل العراقيل الموضوعة في طريقه حيث أراد أن يجرب الحرية بشكلها المتطرف بلا تقية و لا محاذير أخلاقية أو قانونية أو إنسانية ..
و نخشى أن تكون جريمة "راسكولنيكوف" تتكرر على مسامعنا و مرءانا كل يوم بأسماء مستعارة و بأشكال مأساوية تأخذ ألوانا تبعدك عن المنطق و تُحَجِّرُ على سلاسة الحرية و الإبداع و توقعك في شَرَكِ اللامعقول،أوروبا بشمالها و غربها و جنوبها و شرقها تلهث في إلصاق تهمة الإخلال بأساسيات المَثَلِ السابق ذكره بمن كانوا سببا في نهضتها تجنيا مرة و تشفيا أخرى و هروبا من الاعتراف بالأخطاء المرتكبة في حق أحفاد ابن رشد و الفارابي و ابن الهيثم مرة ثالثة..
نعم سافرنا و نسافر إلى هذه الاوروبا و تلك الأمريكا بغية العيش و المعرفة و أشياء أخرى كانت سببا في تحمل الصقيع و أيضا من اجل أشياء أخرى كانت سببا في انتصار مفهوم العبادة مع الفهم العميق للحياة من اجل أن تكون مكسبا للتعايش بلا انتقام و إنما دفاعا عن منطق التحدي بلا عجز و لا عنف.. لكن مهما بالغنا في التقية النقية تلاحقنا بقية ارتدادات زلازل الفهم البسيط بساطة التطرف لرسالة الإسلام و لغة الدين الأصيل و التدين النظيف بعيدا عن ملوثات متعددة متطرفة في اللغة و السلوك و العناد الأبدي في استحضار توليفات عمياء و عرجاء لا تتناسب و عظمة الرسالة الحقيقية للتقية في الدين..إن التقية النقية نَهْجا خانته المؤامرات و الدسائس غير العفوية في محاولات عديدة لتقويض دعائم إسلام العلم و الأدب و الثقافة و إدراك الواقع و فهم الوقائع لصياغة معادلات خدمت عصر النهضة الإفرنجي و أسست لعصر هولاكو العولمة الذي كانت ضحيته ثقافة الاعتدال و التعايش ..
إذن عندما تكون في روما..رمز النهضة الأوروبية و عظمتها في القانون و السياسة لابد من أن تنادي بأعلى صوتك أنني سأنتصر على لغة الشيطنة و تحدي الأفغنة و الطلبنة و القعدنة في الدين و الأمركة في السلوك .. و سوف أقول لكم عندما تكونون هنا في حضرة ابن سينا و ابن عربي و ابن رشد و ابن الهيثم و الشريف الإدريسي.. رموز الإنسانية الحقة بلا ابتذال تذكروا أننا نستحق أشياء أخرى غير ما صنفتمونا و أطرتموننا داخل قوالبها غير البريئة .. إن الغبن و القهر و سرقة المقدرات و خطابات الاتهام و التدخلات المذلة تحتاج إلى فلسفة صلبة و عتيدة نناوئ بها سوء الفهم بين المستضعف والمستكبر..



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن