المتشائل بتشاؤلنا

منتهى عابد
mun.abed90@gmail.com

2013 / 5 / 10

لتحميل الرواية: http://www.4shared.com/document/-RvF9odS/_______.html
رواية "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" للكاتب الفلسطيني إميل حبيبي هي رواية جد واقعية تلخص واقع الشارع الفلسطيني الذي لم يتغير منذ ما يسمى بالنكبة الفلسطينية أو قيام الدولة الاسرائيلية, هذه الرواية تعيد قارئها إلى تساؤلٍ يخبئه الجميع في ثنايا عقلهم خوفاً من اختراق و تشويه القصص التي ورثوها محفوظةً مصونةً أباً عن جدٍ عن بائعِ أرضٍ أو شهيدِ حرب. إلا أن إميل حبيبي يزيح الستار عن كل هذه التساؤلات بجرأة و موضوعيةٍ بحتة, و المميز في هذا الكتاب هو أن تاريخ صدوره تواكب مع فترةٍ حساسة جداً للفلسطينيين و العرب, فترة كانت أهم الرموز و الشعارات فيها العروبه و الوطنية و الوحدة و المقاومة و الكثير من الاغانِ و الخطابات التي لم تجرؤ على الاشارة إلى أي نوع من الخيانة أو التواطؤ, إلا أن إميل حبيبي قرر أن يتعدى الخطوط الحمراء و الأطر التي لم يسمح أحدٌ لنفسهِ بتجاوزها و خرج بعدةِ مقالات جمعها لتصبح كتيب ارشادات صغير فيه عناوين تقرأ بين السطور, عناوين مثل: كيف تصبح خائناً بغمضةِ عين, و كيف تتسلل من و إلى بلدٍ لم يقرؤه التاريخ ابداً كبلدك, كيف تقبل بحبك امرأةٌ بينك و بينها من المبادئ جبالٌ و صحارى؟ هل الحب يأخذ الوطنية و الخيانات بعين الاعتبار؟ و فصولٌ كثيرةٌ أخرى يسلمها لنا إميل حبيبي لسببين, أولهما أن يخبرنا بحقيقةٍ لن يجرؤ راديو العرب على دندنتها و لا أجدادنا على الاعتراف بها ولا صحفنا على عنونتها بالأحمر العريض على الصفحةِ الأولى. ليقول لنا, لا تلوموا التاريخ, لا الاسرائيليين, لا العرب و لا العالم أجمع, فدولتكم لم تغتصب عنوةً, دولتكم قدمتم نصفها الأول قرباناً لهم, بعد أن جردتموها من ملابسها و كممتم فمها, و نصفها الآخر أخذ بالمعية, فلا تلوموهم على استباحة النصف الآخر, فمن غير المنطقي أن تفرط بنصف عذريتك و أن تحاول المحافظة على النصف الآخر.
يسرد إميل حبيبي في الفصل الأول المسمى –يعاد- من روايته قصة شخص مجسداً به عن الكثير من أفراد الشعب الفلسطيني خاصة و الشعوب المحتلة عامةً, سعيد هو المنبوذ والمقهور والمقموع, المشرّد والمحروم والمضطهد. تبدأ الرواية بطريقة عكسية, بان يسرد سعيد تفاصيل و أسباب اختفاءه معاتباً كل من يقرؤه, يقول سعيد: "أنا الندل يا محترم, فكيف لم تنتبهوا على اختفائي؟"(10) سعيد هو ندل المطعم, هو ذلك الشخص اللذي لا نعي وجوده حولنا أبداً رغم أننا نراه في كل التفاصيل, هو كل الفلسطينيين الذين لا نراهم و لا نحس بوجودهم إلا عندما يرتكبون –الطامة الكبرى- أي عندما يقتلون بتهمة الخيانة, أو عندما نرى وجوههم على قنوات الاخبار لأنهم حاولوا القيام بعملية انتحارية فنجحوا او فشلوا...إميل يطالبنا الا نكون كسعيد و ألا نتجاهل كل من يشبه سعيد. فنحنُ شعبٌ لا تعنينا تلك البسائط و لا تمثل لنا اشارات مخيفة, نحن دائماً ننتظر أن تتضخم الأشياء من حولنا لتغدو أكبر من تصورنا و مخيلتنا, لتخرج عن سيطرتنا و تنفجر, فنندب حظنا, نجمع جرحانا, نبكي أمواتنا و خساراتنا و نعود لننام متجاهلين أبسط الامور مرةً أخرى بعد.
إميل حبيبي يدرك ذلك جيداً, لذلك قرر أن يعطينا قاعدةً و مثلاً صغيراً علنا ننتبه -سعيد-, فقيراً و معدماً, بسيطاً رث الثياب, شخصٌ قد نمر أمامه كل يوم دون أن نرمقه بنظرةٍ ثانية, هذا البسيط الأبله, كان طرفاً مهماً في قيام دولة, و ملئ زنازين و تشتت أناس. و لا زلنا غير واعين و مدركين لوجوده بيننا, و لم نفطن إليه إلا بعد ان عاث خراباً و اختفى, و هذا درس إميل حبيبي الاول من جزء الروايةِ الأول لنا.
أما بعد مغامرات سعيد و تسلله عبر الحدود اللبنانية عودةً إلى فلسطين و وصوله إلى جامع الجزار بعكا ليتم جمعه مع المشردين و اللاجئين, يبدأ خوف آخر و فصلٌ آخر من فصول إرشادات إميل حبيبي لنا, النسيان. النسيان مخيف, و إميل حبيبي يلفت نظرنا إلى خطورة النسيان قبل أن يبدأ, أي منذ العام 1948, بعد مرور بضع أشهر فقط على النكبة, حيث لم يكن سعيد واعياً بكل القرى التي سال أهلها عنها, و الآن بعد ما يقارب ال60 عاماً و بعد أن طالبنا إميل حبيبي بالتذكر, لا تزال تبدو على وجوهنا علاماتُ سؤالٍ و ضحكاتٍ مكتومة عندما تسألنا معلمتنا: هل سمعتم بالبروة؟ أو عددوا لي قرىً هجرت في العام 1948؟ و كأن إميل كان يعي جيداً أننا سننسى , و أننا لن نزعج أنفسنا بان نتذكر أصلاً. إميل حبيبي يقول لنا: النسيان ليس طرفة, مرضاً أو شيئاً روتينياً و مغفوراً! و ما يؤلمه أكثر, ليس أننا ننسى, بل أننا غير مدركون لما يدور حولنا أصلاً. كما يذكرنا سعيد بقول الشاعر الذي كتب و اقسم ثم نسي: " فإلى متى يظل يحفر وتظل سنُو النسيان تعبر وتمحو؟ ومتى سيقرأ لنا المكتوب على الزيتونة؟ وهل بقيت زيتونة في ساحة الدار؟ "(33).
بعد أن عاد جمع المشردين كلٌ إلى مكانه, انتبه سعيد إلى أحاديث معلمه الذي أخبره بقصة الفضاء السحيق الذي يؤمن بهِ إيماناً أعمى, و الفضاء السحيق هنا يرمز للقدم, و هذا القدم هو ما أعاد الاسرائيليين إلى أرضهم, و هو ما يحاول إميل حبيبي جاهداً تنبيهنا إليه. فأخطر مرحلةٍ بعد النسيان و أسوأ ما قد يؤدي إليه النسيان هو تحريف الحقائق و التاريخ, و هذا كل ما حدث, نحن نسينا و هم كتبوا تاريخنا بما يليق بهم و يسحقنا!
على الرغم من ذلك لا يلومنا إميل على تحريف تاريخنا في هذا الفصل, لأنه يعرف أن التاريخ يكتبه الأقوياء و المنتصرين, لا الجبناء و المتاجرين و المزايدين, لكنه ينتقد فينا إيماننا بتاريخٍ لم يكتب لنا, فبسذاجتنا و "عباطتنا" ندفع بعيداً بذاكرةٍ مقدسة لنحفظ عن ظهر قلبٍ كل ما ليس لنا. و رغم أن إميل يكتب تاريخهم بكل فخر, إلا أنه يرجونا و يحاول استفزازنا لنصرح بقولنا: لا, هذا التاريخ لم يكن يوماً لنا. فيترك سعيد قائلاً:"ما أقوى ذاكرتهم."(36) في الاشارة إلى عودة اليهود بعد ألفي سنةِ غيابٍ عن ارضهم او أرضنا. الكثير من الأجزاء التي يحتويها الفصل الأول تناقش موضوع "العودة", بدايةً من أصل اسم سعيد الكامل الذي يعود إلى ما قبل الانتداب, عودة الاسرائيليين إلى أرضهم, و محاولة عودة المشردين الفلسطينيين إلى بيوتهم, و عودة سعيد إلى فلسطين.
أما الجزء الثاني من الكتاب فعنوانه -باقية- و كأن إميل حبيبي يرتفع بفكرة القضية و النزاع إلى مرحلة جديدة, و يرتقي بنا من حلم و أمل العودة إلى تنفيذ فعل البقاء, فمن يعاد إلى باقية تغير الكثير. و من احدى اهم حكايات العودة التي تحولت إلى بقاء و إلى دعواتٍ بالبقاء في جزء -باقية- هي حكاية العجوز ثريا التي يسردها إميل في الفصل التاسع –حكاية الثريا التي رجعت تسف الثرى- و هنا يقص إميل قصة تلك الحاجة التي عادت بعد عشرون عاماً بحلمٍ طازجٍ للوطن و البيت و المصاغ, لتجد وريثة البيت الشرعية الاسرائيلية تتصدى لها و تعاملها كحشرة, تقول الحاجة: "ظلم ذوي القربى أشد مضاضة"(130),
هذا الرضى الساذج لنا, فمن بقي منا رضي بمخيمٍ يلتحفه, و بياراتِ برتقالٍ لم يبقَ له منها سوى رائحتها, و من لم يعد بعد فقد ألف مخيمات الشتات و أحبها خوفاً عليه من غربةٍ أخرى إن تركها, و هذه الحاجة تمثل رضى و تقبل الشعب الفلسطيني لكل أنواع البقاء, فهي تقبلت بقائها في المخيم و بقاء من سمتهم باولاد أعمامها في بيتها: "و لكن, حين مدت الأم الثكلى, الثريا, يدها لتطول مصوغات عرسها, ناولها رجل القيم على أراضي إسرائيل (شهادة بالذهب)، وأخذ الذهب وذهب. وأما الثريا فأخذت (شهادة الذهب) وذهبت، عبر الجسور المفتوحة، راجعة لتسف الثرى في مخيم الوحدات ولتدعو بطول البقاء لذوي القربى ولأولاد عمهم. "(131).
ينتقل إميل إلى مناقشة أحد أهم الظواهر عند الشعوب العربية, و هي الخيال, حيث أن خيالنا يقتلنا و هو أيضاً السبب في استمرارنا, فنحن شعب يتكل على الخيال لأن مواجهة واقعنا أسوأ من أن تعاش و تحس, و بنفس الوقت, يقتلنا خيالنا الجامح, لأننا ما زلنا نعيش في أساطير قديمة عن علمنا الواسع و قوتنا المطلقة و خلفاؤنا العادلين! فصل –بحث عجيب في الخيال الشرقي و فوائده الجمة- هو كل ما يستطيع إميل حبيبي تقديمه لنا للفت نظرنا إلى الخيالات و الأوهام التي ما زالت تنبعث من روايات شهريار. و يواجهنا سعيد بسؤالٍ أشبه بالتصريح و السخرية: "و لولا هذا الخيال الشرقي هل استطاع عربك, يا معلم, أن يعيشوا في هذه البلاد يوماً واحداً؟"(138)
أكثر ما يؤلم إميل حبيبي هو الخيالات التي عاشها الفلسطينيون من خلال الاخبار التي كانت تنقل إليهم من خلال الاذاعات العربية عن اكتساح الجنود العرب للقوات الاسرائيلية و انتصاراتهم الساحقة في المعارك, و أكثر ما يؤلم الأجيال الفلسطينية التي عايشت فترة النكبة و ما تلاها من حروب هي الطريقة التي مات بها خيالهم الجامح حين أفاقوا على أصوات الجيش الاسرائيلي في عقر بيوتهم يطالبهم برفع الرايات البيضاء و الاستسلام. هنا قتلهم خيالهم, لكنهم لم يتوقفوا عن الحلم حتى اليوم.
أما في الجزء الثالث من الكتاب –يعاد الثانية- فينقلنا إميل حبيبي نقلةً هائلة من الخذلان و الاستسلام إلى الصهيل بالحرية, فبعد أن يوضع سعيد في إحدى زنازين سجن شطة ليتجسس على الشيوعيين الذين لم يفلح التحقيق الاسرائيلي بانتزاع معلومات عن المقاومة منهم, يرسلون سعيد, و حين يتم ضربه من الحراس ليكتسب مصداقية امام السجناء, يحتضنه في زنزانته أحد الشبان منادياً إياه بوالدي و أخي, و تصرخ جراح و كدمات سعيد بعد أن صار له أخٌ فلسطينيٌ يشاركه ألمه قائلة:"دوسي أيتها الأحذية الضخمة على صدري! اخنقي أنفاسي ! أيتها الغرفة السوادء اطبقي على جسدي العاجز! فلولاكم لما اجتمعنا من جديد. الحرس الغلاظ, لو كانوا يعلمون, هم حرس الشرف في بلاط هذا الملك, و الغرفة السوداء الضيقة هي البهو المفضي إلى قاعة العرش! أصبحت أخاه, أصبحت والده, فاعيدوا ابتساماتكم إلى قوالبها أيها العسكر"(185)
يعزي إميل حبيبي هذا التحول الغير متوقع من العمالة إلى الوطنية في شخصية سعيد إلى التقاءه بيعاد للمرة الثانية, يعاد ابنة يعاد التي أحبها, و أخت الشاب الذي ضمد جراحاته في الزنزانة, يعود إميل حبيبي ليذكرنا بفخرنا و قوتنا الداخلية بعد فصول عديدة من الخذلان و القنوط و الاستسلام, كأن رسالته المكتوبة بين السطور تقول لنا, أنا أؤمن بكم, لكن عليكم أن تبذلوا جهداً أكثر لتستحقوا هذا الإيمان.
هذه المصادفات العجيبة بين سعيد و يعاد الثانية هي أكثر ما يبدو لي غير منطقي في الكتاب, رغم أن كل الكتاب من محض خيال الكاتب فقط إلا أن هذا الجزء هو أكثر الأجزاء بعيد عن الواقعية, لكن السبب في كتابته هو محاولة إميل حبيبي أن يخبرنا أن الفرص قد تكون أهم التحولات في حياة أكثر الأشخاص قذارة, رغم أن تاريخ عائلة سعيد مشوهٌ بالعمالة, و رغم أنه ارتكب أخطاءً كثيرة , إلا أنه لم يترك الفرصة التي حانت له بأن يكون شخصاً نظيفاً وطنياً و متمرداً, لذا أتاح الكاتب فرصة التغير لسعيد من خلال احياء حبه القديم, و تذكيره بابنه الذي صار فدائياً من خلال شابٍ تعرف إليه في زنزانة و ناداه أبي.
الفصل الثالث من الكتاب يقفز بين الامل و اليأس في كل فصل, فإميل لا يريد أن يرفع معنوياتنا فنسمو بخيالاتنا و ننام لنحلم, و لا يريد أن يبقي على معاناتنا و استسلامنا القاتل, لذلك يؤملنا قليلاً و يؤلمنا قليلاً, فحتى بعد أن حانت الفرصة الثانية ليعاد و سعيد بالحياة معاً, يعود الاسرائيليين لترحيلها, كأن إميل يذكرنا مرةً أخرى أن الاحتلال ليس شيئاً يمكننا نسيانه و التغاضي عنه, فهو كامنٌ حولنا و فينا رغماً عن أنوفنا. حين تواجه يعاد الضابط تحاول أن تستفزه فتقول: "لم أنتظر منكم غير ذلك"(218) و كأننا كنا نعرف تماماً ماذا سيحدث من قبل وقوع النكبة و ما سيحدث خلالها و بعدها, و كأننا جلسنا منتظرين منهم أن يفعلوا بالضبط ما فعلوا, فيجيبها الضابط باحترام:"يا صغيرتي الحسناء لقد انتظرنا منكم أكثر مما تفعلون"(218)
يختصر إميل حبيبي قصة و تاريخ وطن كامل بجملته الأخيرة, نعم لقد توقعوا و انتظروا منا أكثر مما فعلنا, لقد درسوا تاريخنا و حضروا أنفسهم لمعارك يسقط فيها منهم أكثر من ملايين من الرؤوس, لقد خططوا و حاكوا المؤامرات و تدربوا على أحدث الآلات العسكرية, لم يغمض لهم جفنٌ من كوابيسٍ حلموا بها عنا و عن رعبنا, و عندما دخلوا.. عندما دخلوا لم يجدوا سوى جداتٍ باثواب مطرزةٍ يحملن مناديل رؤوسهن البيضاء على عصيٍ خشبية و يهللن مزغرداتٍ بالنصر لهم. توقعوا الكثير و لم يجدوا إلا الاستسلام, كما قال ضابط سجن شطة لسعيد:"ماضيك ابيض ناصع البياض لا تشوبه سوى شائبة سوداء واحدة هي ذلك العلم الأبيض الناصع البياض"(180) هذه رسالة من إميل حبيبي لنا, فإننا و إن لم نخطئ في شيء, إن لم نبع و نساوم و نتخلى عن كل شيء, فقد ارتكبنا أخطاءً أفظع بكثير, خطؤنا الأول و الأكبر و الذي ما زلنا ندفع ثمنه مذ كتب إميل روايته و عاش نكبتنا إلى اليوم هو أننا استسلمنا. هذا ما يعكر ماضينا و تاريخنا, أعلامنا البيضاء التي كست كل بيتٍ و زاويةٍ و شارع.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن