هل نحن بدعة من الأمم: نحن نشبه من؟

حسين ناصرجبر
alibadihussain@ymail.com

2013 / 5 / 10

هل نحن بدعة من الأمم: نحن نشبه من؟
لنسيح في التاريخ قليلا ... ولندخل ألمانيا في القرن الثالث والرابع عشر إذ كانت دولة تنعم بوضع اقتصادي وسياسي جيدين نتيجة تقدمها الزراعي والحرفي مكّنها من أن تلعب دورا تجاريا مهما كوسيط بين المدن الايطالية (التي كانت تمثل مركز ازدهارثقافي وتجاري إذ كانت نقطة انطلاق النهضة الاوربية الحديثة التي جاءت على أنقاض الدولة الرومانية بعد سقوط القسطنطينية) والفلاندرز وبريطانيا وبين روسايا وغربي اوربا.
لكنها تعرضت للانتكاس، بل لصدمة استراتيجية كبرى في القرنين السادس عشر والسابع عشر كان من نتائجها دخول المجال الالماني ((في مرحلة الانهيار الاقتصادي المتعدد الأوجه، فمع تحول طرق التجارة الدولية من المتوسط إلى المحيطات، وانتقال مركز الثقل السياسي والاقصادي من وسط أوربا إلى غربها، فقدت الحواضر الألمانية وأريافها مكانتها الاقتصادية السابقة، وذلك على خلفية انهيار انتاجها الحرفي والزراعي)) 1.
استمرت الغيبوبة الألمانية نحو قرنين من الزمن حتى نشوء المملكة البروسية عام 1701 على يد الملك فرديناند الثاني إذ شكلت هذه المملكة نواة الوحدة الألمانية لاحقا 2.
عمد فردريك الثاني إلى دعم الحرف والتجارة وتبنى سياسات جمركية بهدف تطوير الأنشطة الاقتصادية الداخلية إضافة إلى تشجيعه هجرة ألاف العوائل البروتستانتية من هولنداوالتشيك وسويسرا وفرنسا واسبانيا في مطلع القرن الثامن عشر إذ انتشرت هذه العوائل داخل مدن الدولة البروسية، لكنها لا تزال متخلفة قياسا ببريطانيا وفرنسا.3
من الناحية السياسية تعرضت المانيا لمجموعة من التحديات الأساسية فرضتها التحولات السياسية الفرنسية، فكانت الثورة الفرنسية (1789) وما نجم عنها من تحولات تشكل صدمة كبيرة للواقع السياسي والاقتصادي والثقافي الألماني، ومن ثم تبعتها لاحقا حروب نابليون في العقدين الأولين من القرن التاسع عشر.
خلال العقدين الأولين من القرن التاسع عشر اجتاح نابليون مملكة بروسيا ليكشف هزال وعجز النظام السياسي فيها، وقد رحب الشعب البروسي بالجيش الفرنسي مظهرا عدم الاحترم واللامبالاة بجيشه ودولته التي صارت دولة الملك فلم يكن بين الملك والشعب جسرا وتواصلا يربطهما فلقد كانت الحرب حرب الملك الذي لم يكن يعني للشعب سوى المزيد من الضرائب وتقديم الدعم للجيوش البروسية في حروبها المتعددة المهزومة دائما.4
هكذا ينجح الطغاة في تحييد الشعوب نتيجة استهتارهم بها وعدم اكتراثهم لما يريدون فيرد الناس بالتعالي أيضا وعدم الاكتراث المقابل وإن كان على حساب المصالح العليا المستلبة أصلا...إنهم يملؤون شعوبهم يأسا ويشبعونهم هزيمة....هذا ما فعله صدام أيضا بشعب العراق الذي رحب بالمحتل من غير محبة بالذل والاحتلال بل للخلاص من ذل أشد ونكد طال أمده....لسنا نبرر ذلك الترحيب بالاحتلال إنما نعرض واقعا تاريخيا يساهم في إيضاح الأمور.
غير أن تداعيات الغزو الفرنسي وما خلفه من مهانة وذل تجاوز حدود السلطة الحاكمة ليشمل كل طبقات الشعب البروسي دفع بالشعب إلى إجراء مراجعة شاملة للتصورات والقناعات في ما يتعلق بأوضاعه السابقة، فعلى سبيل المثال نلحظ أن الفيلسوف فيخته (1762-1814) والذي كان من أنصار الثورة الفرنسية، غدا بعد الاحتلال محرضا ضد المحتل، فهذا الفيلسوف فيخته وهذا هيجل.
وفي ما يخصنا في العراق، أقول أن على الشعب العراقي مراجعة أوضاعه التي تلت الاحتلال وتشخيص النتائج المتمخضة عنه مقارنة بما كان قبل الاحتلال في مصارحة مع الذات لمعالجة الخلل الذي انتاب الشخصية العراقية..وضبط المعايير من دون تحامل مسبق بل النظر بموضوعية تامة للشاكل كلها كي نخرج بصيغة صحيحة للتوافق في وجهات النظر بعيدا عن تأثيرات الممالك القريبة والبعيدة...فكلها بعيدة إذا كان العراق قويا معافى....
Histoire E’conomique des pas capita;ists, E’. 100, 1977, P: 345-347.(1)
(2) Ibid: 350.
(3) الضيقة، حسن، مقالة في الحداثة السياسية وإشكالياتها، في مجلة قضايا إسلامية معاصرة، السنة السادسة عشرة، العدد 49-50.
(4) Henri Denis, Histoire de la panse’e e’ conomique, P.U.E., Paris, 1977,P: 397, 465.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن